هل يبقى بدل الإيجار مستحقاً في ظل الحرب والتهجير القسري؟/نعيمة فواز
نعيمة أنور فواز:
أعادت الحرب الإسرائيلية على لبنان طرح إشكاليات قانونية بالغة الأهمية تتعلق بمصير العقود المستمرة التنفيذ، وفي مقدمتها عقود الإيجار.
فمع اتساع رقعة الاعتداءات الاسرائيلية وصدور إنذارات متكررة بإخلاء عدد كبير من القرى والبلدات، اضطر معظم سكان الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت إلى النزوح من منازلهم وأماكن عملهم، الأمر الذي أدى إلى توقف العديد من المؤسسات التجارية عن ممارسة نشاطها حتّى هذه اللحظة، بانتظار انتهاء الحرب.
وفي خضم هذه الظروف، برز تساؤل قانوني مشروع: هل يبقى المستأجر ملزمًا بدفع بدل الإيجار عن مأجور تعذر عليه الانتفاع به بسبب الحرب والتهجير القسري؟!
يقوم عقد الإيجار في جوهره على التزام متبادل بين طرفيه، إذ يلتزم المؤجر بتمكين المستأجر من الانتفاع بالمأجور، في مقابل التزام الأخير بدفع بدل الإيجار. ومن ثمّ فإنّ الأجرة لا تشكل مجرد التزام مالي مستقل، بل تمثل المقابل القانوني للمنفعة التي يحصل عليها المستأجر، لذلك فإن المنطق القانوني يقتضي أن يبقى التوازن قائمًا بين المنفعة والمقابل!
إلا أن الحروب تفرض واقعًا مختلفًا. فعندما تتعرض قرية أو بلدة للقصف المستمر، أو تصدر بشأنها إنذارات بالإخلاء، أو يغادر سكانها بصورة شبه كاملة نتيجة المخاطر الأمنية، فإن النشاط الاقتصادي يتوقف بصورة تلقائية. وقد تجد المؤسسات التجارية نفسها عاجزة عن العمل رغم بقائها قائمة من الناحية المادية. فالمتجر قد يبقى مفتوحاً نظرياً، ومحطة الوقود قد تبقى سليمة إنشائيًا، لكن غياب السكان وانعدام الحركة الاقتصادية يجعلان الانتفاع الفعلي بالمأجور أمرًا شبه معدوم.
وهنا تكمن الإشكالية الأساسية. فهل يكفي بقاء العقار قائمًا حتى تصبح الأجرة مستحقة؟ أم أن استحقاق الأجرة يفترض أيضًا، إمكانية الانتفاع الحقيقي بالمأجور؟
إن الاتجاه الحديث في الفقه والاجتهاد يميل إلى عدم الفصل بين الالتزام بدفع الأجرة وبين إمكانية الانتفاع الفعلي بالمأجور. فالعقود لا تُقرأ بمعزل عن الظروف الواقعية التي تنفذ في ظلها، ولا يمكن تجاهل أن الغاية الأساسية من استئجار محل تجاري أو مؤسسة اقتصادية تتمثل في ممارسة النشاط وتحقيق العائد الاقتصادي المشروع.
ومن هذه الزاوية، تبدو الحرب من أبرز صور القوة القاهرة عندما تؤدي إلى استحالة الانتفاع بالمأجور أو تجعل ممارسة النشاط التجاري مستحيلة أو غير آمنة. كما يمكن أن تشكل ظرفًا استثنائيًا طارئًا يبرر إعادة التوازن إلى العلاقة العقدية عندما تبلغ حد الاستحالة المطلقة، و تجعل تنفيذ الالتزام مرهقًا بصورة استثنائية.
وقد كرّس الاجتهاد المقارن، ولا سيما الفرنسي، مبدأ مهمًّا يتمثل في التمييز بين تراجع الأرباح من جهة، واستحالة الانتفاع من جهة أخرى. فمجرد انخفاض المردود التجاري لا يؤدي عادة إلى إعفاء المستأجر من التزاماته، أما إذا أصبحت ممارسة النشاط متعذرة بسبب ظروف خارجة عن إرادته، فإن الوضع القانوني يختلف بصورة جوهرية.
وهذا التمييز يكتسب أهمية خاصة في الحالة اللبنانية. فالمسألة لا تتعلق بتراجع عادي في الحركة الاقتصادية أو بقرار تجاري اتخذه المستأجر، بل بظروف فرضتها الحرب بصورة مباشرة. فعندما تُخلى قرى وبلدات بأكملها نتيجة القصف أو التهديد به، وعندما تتوقف المدارس والإدارات والأسواق وتغيب الكثافة السكانية التي يقوم عليها النشاط التجاري، يصبح التساؤل مشروعًا حول مدى عدالة إلزام المستأجر بدفع كامل بدل الإيجار عن فترة لم يتمكن خلالها من الانتفاع بالمأجور أو استثماره.
ولعل المثال الأوضح يتمثل في محطات الوقود والمؤسسات التجارية والخدماتية التي تعتمد بصورة مباشرة على وجود السكان وحركتهم اليومية. فإذا خلت المنطقة من سكانها، أو أصبحت العودة إليها محفوفة بالمخاطر، أو تعطلت الحركة فيها بصورة كاملة، فإن المؤسسة تفقد عمليًا المقومات الأساسية التي تسمح لها بممارسة نشاطها. وفي هذه الحالة يصعب اعتبار أن المستأجر ما زال يتمتع بالمنفعة التي تشكل أساس التزامه بدفع الأجرة.
ولا يقتصر أثر الحرب على الخسائر المادية المباشرة التي قد تلحق بالعقار، بل يمتد أيضًا إلى تعطيل المنفعة الاقتصادية التي من أجلها أُبرم العقد. فالقيمة الحقيقية للمأجور التجاري لا تكمن في جدرانه فحسب، بل في قدرته على استقطاب الزبائن وممارسة النشاط وتحقيق الغاية الاقتصادية المرجوة منه.
لذلك، فإنّ معالجة هذه الإشكالية لا ينبغي أن تنطلق من رؤية شكلية تعتبر أن بقاء العقار قائمًا يكفي وحده لاستمرار جميع الالتزامات العقدية، بل من مقاربة واقعية تأخذ في الاعتبار مدى إمكان الانتفاع بالمأجور في الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب. فالعقود تقوم على التوازن والعدالة بقدر ما تقوم على إلزامية التنفيذ.
وفي نهاية المطاف، لا يمكن اعتماد حل واحد لجميع الحالات، إذ تبقى كل قضية مرتبطة بوقائعها الخاصة ومدى تأثير الحرب على إمكانية الانتفاع بالمأجور. غير أنّ الثابت أنّ التهجير القسري وتعطيل الحياة الاقتصادية وإخلاء المناطق نتيجة الأعمال العسكرية تشكل عناصر لا يجوز تجاهلها عند البحث في استحقاق بدلات الإيجار. فبين حق المؤجر في الحصول على بدل استثمار ملكه، وحق المستأجر في عدم تحمل أعباء مالية عن منفعة تعذر الحصول عليها، يبقى القضاء مدعوًا إلى تحقيق التوازن الذي تفرضه العدالة ومقتضيات الظروف الاستثنائية.
وعليه، إن ّالحرب لا تُقاس فقط بما تُخلّفه من دمار في الحجر، بل أيضًا بما تُحدثه من تعطيل للحقوق والالتزامات. وعندما تصبح المنفعة التي قام عليها عقد الإيجار معدومة بفعل التهجير القسري والظروف الأمنية، يغدو البحث عن التوازن والإنصاف بين المالك والمستأجر ضرورة قانونية قبل أن يكون مجرد نقاش فقهي أو قضائي.
“محكمة” – الأحد في 2026/5/31



