لبنان أكبر من خصوماتنا/محمد وسام المرتضى
الوزير السابق القاضي محمد وسام المرتضى:
إنّ الذي بيننا ـ نحن أبناء هذا الوطن ـ أعمق بكثير من خلافات السياسة ومشاحنات اللحظة. قد تتباين مواقفنا وتتصادم قراءاتنا لا سيما لجهة الحرب الجارية، لكن رابطة الوطن لا يجوز أن تُكسَر تحت وطأة السجال ولا أن تُستباح في ساعة غضب.
فلنستحضر جميعاً القاعدة الأخلاقية التي تختصر خُلُق الكبار بين أهلهم: “إن الذي بيني وبين بني أبي (أي بني وطني) لمختلفٌ جداً؛ إن أكلوا لحمي وفّرت لحومهم، وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجداً.
هذه ليست دعوة إلى التنازل أو الضعف، بل إلى السموّ فوق الأذى حفاظاً على ما هو أعظم: بقاء البيت قائماً. فالأوطان لا تسقط فقط بفعل أعدائها، بل حين تتحوّل خلافات أبنائها إلى قطيعة، وحين يستسهل أهلها هدم الجسور بينهم.
المسؤولية اليوم مضاعفة على من يتصدّرون المشهد:
على السياسيين أن يقودوا لا أن يُقادوا، وأن يرتفعوا إلى مستوى الوطن لا إلى حسابات اللحظة وزخم الضغوط.
وعلى رجال الدين أن يؤدّوا دورهم الأخلاقي الجامع، فيكونوا صوت الضمير وصدى الإيمان لا صدى الانقسام.
وعلى المثقفين أن ينيروا العقول والنفوس عن: الخطر المحدق بالكيان الذي يتهدده بالزوال، مكمن هذا الخطر وتاريخه، تداعيات انفصام عرى الوحدة بين اللبنانيين، ما ينفع الوطن وما يفرح العدو، والأهم خطر الخلط بين العدوّ وبين من ينبري لمواجهته.
أما الإعلام والقائمون عليه، فأوجّه إليهم النداء نفسه بصوت أعلى… يقتضي في الإعلامي، (وهذا من أدبيات هذه المهنة الرفيعة في دورها وما تفرضه على ممارسها من مناقب وأخلاقيات)، أن ينأى بنفسه ومهمّته عن الاصطفاف، وأن يحذر من أن ينزلق ليكون بوقاً لمن لا يعنيهم بقاء الوطن بقدر ما يعنيهم خرابُه، فالناس ووعيها وانفعالاتها وتفاعلها مع ما يتهدّد وطنهم كلّها أمانات في عنق الاعلامي ولا يقتضي في حامل الأمانة إلاّ أن يحفظها.
لبنان اليوم أحوج ما يكون إلى هذا الوعي وهذا الخُلُق: أن نختلف دون أن نتفكّك، وأن نتصارع سياسياً دون أن نهدم البيت الذي يجمعنا. فليس في لبنان فائض وطن حتى نبدّده في الخصومات، ولا فائض قوة حتى نستهلكه في معارك الداخل.
لبنان لا يسقط حين يختلف أبناؤه، بل حين ينسون أنّ حفظ الآخر هو حفظ للذات، وأنهم أبناء بيتٍ واحد ومصير واحد…..حمى الله لبنان وبثّ فينا الوعي وألهمنا حُسن القول والتدبير.
“محكمة” – السبت في 2026/3/14



