علم وخبر

العفو العام في لبنان: مقاربة قانونية بين النص والواقع/نجوى العرب

نجوى العرب:
العفو العام ليس “مكرمة” ولا “تنازلاً”، بل هو تدبير تشريعي استثنائي نظّمه المشترع اللبناني في المادة 150 من قانون العقوبات، وأوكل صلاحية إقراره حصراً إلى السلطة الاشتراعية. ويهدف هذا التدبير إلى تحقيق ثلاث غايات دستورية متلازمة:
1- تصحيح الخلل البنيوي في العدالة الجزائية: معالجة ظاهرة التوقيف الاحتياطي المتمادي واكتظاظ السجون بما يخالف المادة 108 من قانون أصول المحاكمات الجزائية والمادة 60 من قانون تنظيم السجون ورد الاعتبار لمن طالته إجراءات تعسفية أو محاكمات متأخرة.
2- تحقيق السلم الأهلي والعدالة الانتقالية: طي صفحة النزاعات التي اوجدتها مراحل عدم الاستقرار، دون المساس بحقوق الضحايا أو الإفلات من العقاب في الجرائم الجسيمة التي تمس كيان المجتمع.
3- تفعيل مبدأ إعادة الدمج الاجتماعي: منح فرصة ثانية للمحكومين بجرائم غير خطرة، وربط الإفراج ببرامج تأهيل إلزامية تحول دون العودة للإجرام، بما ينسجم مع التزام الدولة في مقدمة الدستور بتحقيق العدالة الاجتماعية وحماية المجتمع من الجريمة.
غير أن الممارسة السياسية حوّلته من أداة لتحقيق هذه الأهداف إلى ورقة مساومة، ما أفرغه من مضمونه القانوني وطعن بشرعية تطبيقه.
أولاً: الإطار القانوني للعفو العام- الطبيعة القانونية
العفو العام قانون ذو مفعول رجعي، يُسقط الصفة الجرمية عن الفعل ويمحو الجريمة والعقوبة وكافة الآثار الجزائية، وهو يختلف جذرياً عن العفو الخاص المنصوص عنه في المادة 53 من الدستور، والذي يقتصر أثره على إسقاط العقوبة أو تخفيضها مع بقاء الوصف الجرمي قائماً.
إقرار العفو العام هو اختصاص حصري لمجلس النواب، ويتم بموجب قانون يصدر وفقاً للأصول الدستورية. لا يملك مجلس الوزراء أو رئيس الجمهورية صلاحية منحه.
ثانياً: الإشكاليات الدستورية والقانونية في التجارب اللبنانية
1- مبدأ المساواة أمام القانون
نصت المادة 7 من الدستور على أن “اللبنانيين سواء لدى القانون”. إلا أن مشاريع العفو المطروحة اتسمت بالانتقائية، إذ استُثنيت جرائم معينة لا لخطورتها المجردة، بل استناداً إلى هوية مرتكبيها. هذا الانحراف يحوّل العفو من قانون عام إلى “قانون أشخاص”.
2- مبدأ فصل السلطات
إن اشتراط الكتل السياسية إدخال فئات واستثناء أخرى لتمرير القانون يشكّل تعدياً على صلاحية السلطة القضائية. فالقاضي وحده يملك تكييف الوقائع وإنزال حكم القانون عليها. تحديد مجلس النواب سلفاً لمن “يستحق” العفو هو مس بدور القضاء.
3- حقوق الضحايا
مع أن العفو لا يشمل الحقوق الشخصية، إلا أن الواقع العملي يفرغ هذا المبدأ من مضمونه، فيتحوّل العفو عملياً إلى إفلات مزدوج من العقاب والتعويض.
ثالثاً: نحو عفو عام يحترم العدالة
أجزم بأن أي عفو عام لا يلتزم بالشروط التالية يفقد مشروعيته الأخلاقية والقانونية:
أولاً: اعتماد معايير موضوعية
يجب أن يكون المعيار هو “نوع الجرم” و”مقدار العقوبة”، لا “الانتماء الطائفي أو السياسي” للمرتكب.
ثانياً: استثناء الجرائم الماسة بجوهر الدولة والمجتمع
كالقتل العمد، والإرهاب، والاغتصاب، واختلاس المال العام، والاتجار بالأشخاص، والعمالة. هذه جرائم تشكل اعتداء مباشراً على المجتمع بأسره.
ثالثاً: إنشاء هيئة قضائية لتطبيق العفو
تُشكَّل هيئة قضائية مستقلة تتولى البت بطلبات الاستفادة من العفو خلال مهلة زمنية محددة، ضماناً لحسن التطبيق.
رابعاً: ربط العفو ببرامج تأهيلية
اقتران الإفراج بإلزام المستفيد بالخضوع لخدمة مجتمعية وبرنامج تأهيل مهني، بما يضمن عدم العودة إلى الجريمة ويساهم في إعادة دمجه اجتماعياً.
في السجون اللبنانية اليوم واقع يقتضي المعالجة، ويجعل من العفو العام ضرورة ملحة. لكن الحذر واجب. فالعفو الذي لا يُبنى على أسس قانونية متينة يتحوّل من أداة لتحقيق العدالة إلى أداة لتكريس الإفلات من العقاب. عندها نكون قد استبدلنا ظلم التوقيف التعسفي بظلم أشد ظلم اللاعدالة.
المطلوب ليس مجرد قانون عفو، بل إصلاح منظومة العدالة برمتها. عدالة سريعة، ناجزة، رحيمة وحازمة في آن. وإلى أن يتحقق ذلك، سيبقى كل عفو عام مجرد مسكّن موضعي لمرض عضال يفتك بالمنظومة القضائية.
دون أن ننسى دور الدولة ومؤسساتها كافة في الحفاظ على مجتمع سليم بعيد عن الجريمة أيّاً كان نوعها بكافة الطرق خاصة في ظل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التى تفرض على السلطات تحمل المسؤولية في اعتماد المزيد من الصرامة في ملاحقة الجريمة المنظمة (تجارة المخدرات، الإرهاب، الفساد)
نأمل أن يكون العفو العام المرتقب عادلاً ومنصفاً رافعاً بإقراره الظلم، ومحققاً بتطبيقه العدالة.
“محكمة” – الأحد في 2026/5/10

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!