مقالات

بيروت وجهك لا يمحى/فؤاد مطر

المحامي فؤاد مطر:
تعتبر بيروت من أقدم المدن التي أسسها الفينيقيون الكنعانيون وتميزت بطابع ثقافي ومركز سياسي واقتصادي ومن خلال مدرسة الحقوق أطلق الرومان عليها “بيروت أم الشرائع، وقد تعرضت للردم نتيجة الزلازل وخلال الفتح العربي الاسلامي تم ترميمها.
عرف أبناء بيروت بإيمانهم وتعود وسطيتهم إلى إرث عالمها الإمام الاوزاعي، وجذورهم إلى قبائل عربية إسلامية ومسيحية.
شارك أبناء بيروت مسلمين ومسيحيين، بالتصدي لحملات الإفرنجة.
تطوع أبناء بيروت في الثورة العربية الاستقلالية إبان الحرب العالمية الأولى.
فرضت بيروت المقاطعة الإقتصادية والسياسية ضد العدو الصهيوني منذ عام ١٩٣٦.
قصف الأسطول الإيطالي بيروت في الحرب العالمية الثانية بالقذائف.
إستشهد العديد من أبناء بيروت في مواجهتهم مع الإنتداب الفرنسي وقواته، وكانت أسواقها القديمة ونقابتا القصابين والخضار في طليعة الصدام مع الإحتلال الفرنسي.
وقفت بيروت بكل قوة وثبات ضد مشروع إيزنهاور وسياسات الأحلاف في الخمسينيات، وواجهت الانزال الذي قام به الأسطول السادس على شواطئها.
أسقطت بيروت مشاريع التقسيم من الإدارة المدنية عام ١٩٧٦ الى المجالس المحلية عام ١٩٨١.
حاصرها جيش العدو الإسرائيلي في حزيران عام ١٩٨٢ ودكها بالقذائف المدفعية والطيران والبوارج يتقدمها البارجة العملاقة “نيو جرسي” ذات القذائف التي تزن الواحدة منها ألف كيلوغرام، وصمد أهلها طوال أربعة أشهر من الحصار الخانق.
واجهت بيروت الإجتياح الصهيوني بشراسة بسلسلة عمليات من الحمرا إلى كراكاس والصنائع ومحطة أيوب إلى الزيدانية وبرج ابي حيدر وجسر سليم سلام والمصيطبة والمزرعة والبربير ومنطقة المتحف…منذ الأيام الأولى للغزو الغاشم حتى انسحابه مهزومًا.
طالب مبعوث الولايات المتحدة الأميركية – ربيبة إسرائيل- فيليب حبيب بإخراج ثلاثة آلاف مقاتل بيروتي بسبب مشاركتهم في قتال جيش العدو الإسرائيلي.
أسقطت بيروت كل إفرازات الإجتياح الإسرائيلي ومشاريعه الملغومة، وجاءت صلاة العيد في الملعب البلدي بدعوة من المفتي الشهيد الشيخ حسن خالد وقيادات بيروتية، ومشاركة الشيخ محمد مهدي شمس الدين والشيخ حليم تقي الدين عن طائفة الموحدين الدروز، لتكون صرخة مدوية تساهم بشحذ الهمم، وقد أدت إلى إسقاط إتفاق ١٧ أيار المذلّ، وخروج القوات المتعددة الجنسيات من لبنان.
ويوم استبيحت بيروت من جانب العصبيات المسلحة لضرب وحدة الصف في الصميم، عضّت بيروت على جرحها النازف، واستجابت لإضراب المليون مواطن في ٢١ حزيران ١٩٨٥ بدعوة من الأستاذ كمال شاتيلا من منفاه القسري.
لقد دفعت بيروت أغلى التضحيات للذود عن وحدة لبنان وعروبته واستقلاليته، وعضّت على جراحها المثخنة التي افتعلتها خناجر الاخوة في جسدها.
بقيت بيروت ثغرًا حصينًا وواحة للحرية لن يستطيع أي قمع أو تسلط أو ظلم أن يعيش فيها ويستمرّ.
إنّ بيروت بتاريخها وتراثها ونضالاتها التوحيدية لا تتقوقع، لأنّ سماتها الوطنية والإيمانية أمنع من إحتوائها فئويًا فظلّت تحرص على طبيعتها وخصائصها في التعايش والانفتاح رغم تركها مع جراحها عقابًا لدورها التوحيدي ولعدم ذوبانها في أية عصبية، بل ظلت تفتح ذراعيها وقلوبها وأبوابها لتحتضن كل مهجّر أو نازح دون منّة.
كم من مرة دكت أسوارها وأحياؤها واعتدي عليها، إلّا أنّه وبإرادة أبنائها التي لا تنضب بتقديم التضحيات كانت بيروت تنهض، وظل دوي مظاهراتها وتضامنها مع كل الأطراف يشقّ جدران كل الاسوار والحدود المصطنعة، ويصهر اللبنانيين في بوتقة الوطنية التي تنبذ الطائفية والمذهبية وكل العصبيات بكافة ألوانها وأشكالها.
وكما وصف الشاعر طارق ناصر الدين:
بيروت وجهك لا يمحى .. فذاكرتي
من ضوء وجهك يا بيروت فابتسمي.
“محكمة” – الثلاثاء في 2026/6/9

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!