علم وخبر
حكم للقاضي جورج حبيقة يفصّل مفهوم الذم والقدح بشكل دقيق/ناضر كسبار
ناضر كسبار (نقيب المحامين في بيروت سابقاً):
في حكم مهم صادر عن القاضي المنفرد الجزائي في كسروان الرئيس جورج فرنسوا حبيقة، وضع الاسس والمبادئ بالتفصيل لجرمي الذم والقدح. فاعتبر انه لأجل إنزال العقوبات بمرتكب القدح والذم ان يكون الفعل المذكور قد اقترف بإحدى الوسائل المذكورة في المادة 209 عقوبات، ومنها ان تكون الاعمال والحركات قد حصلت في محل عام أو مكان مباح للجمهور أو معرض للأنظار أو شاهدها بسبب خطأ الفاعل من لا دخل له بالفعل، أو أن يكون الكلام أو الصراخ سواء جهر بهما أو نقلا بالوسائل الآلية بحيث يسمعها في كلا الحالتين من لا دخل له بالفعل، إذ إنّ الغاية من التجريم هي منع التشهير بالناس والنيل من كرامتهم وشرفهم. كما لا يشترط ارتكاب جريمتي الذم والقدح في حضور المجنى عليه. فالجرم يقوم سواء تم الذم أو القدح في مواجهته أو في غيابه وسواء علم به المجنى عليه أو لم يعلم، وكذلك يجب أن تذكر العبارات والألفاظ التي يستفاد منها وقوع جريمة الذم والقدح.
وقضى بإدانة المدعى عليه بجنحتي الذم والقدح وبتغريمه وإلزامه بالعطل والضرر.
ومما جاء في الحكم الصادر بتاريخ 2023/7/11.
في القانون:
في التبعة الجزائية:
حيث انه اسند الى المدعى عليه ارتكابه الجنحتين المنصوص عليهما في المادتين 582 و584 من قانون العقوبات.
حيث انه يقتضي التثبت من مدى توافر العناصر الجرمية للجنحتين المنوه بهما اعلاه.
حيث انه لا بد من الاشارة وقبل الغوص في البحث بالعناصر الجرمية لفعلي الذم والقدح المنسوبين الى المدعى عليه(…)، بأن حق الانسان في شرفه وكرامته من الحقوق اللصيقة بالشخصية القانونية والمتفرعة عنها أيًا كانت المكانة الاجتماعية التي يحتلها الانسان في المجتمع، فشرف الانسان وكرامته واعتباره قيمة إجتماعية لا تقلّ أهمية عن تلك التي تتعلق بحقه في الحياة وفي سلامة بدنه وأمواله. لذلك كانت جديرة بالحماية القانونية، والتعدي عليها يشكل جريمة يعاقب عليها القانون الذي عالج الجرائم الواقعة على الحرية والشرف ومن بينها جرائم الذم والقدح في المواد 582 الى 586 عقوبات.
حيث إن المادة 385 من قانون العقوبات قد اعطت التعريف القانوني للذم والقدح فنصّت على أنّ الذم هو نسبة أمر الى شخص ولو في معرض الشك أو الاستفهام ينال من شرفه أو كرامته، وكلّ لفظة ازدراء أو سباب وكلّ تعبير أو رسم يشفّان عن التحقير يعدّ قدحًا إذا لم ينطو على نسبة أمر ما، وقد اشترطت المادتان 582 و584 عقوبات لأجل إنزال العقوبات بمرتكب القدح والذم أن يكون الفعل المذكور قد اقترف بإحدى الوسائل المذكورة في المادة 209 عقوبات، ومنها أن تكون الأعمال والحركات قد حصلت في محل عام أو مكان مباح للجمهور أو معرّض للأنظار أو شاهدها بسبب خطأ الفاعل من لا دخل له بالفعل، أو أن يكون الكلام او الصراخ سواء جهر بهما او نقلا بالوسائل الآلية بحيث يسمعها في كلا الحالتين من لا دخل له بالفعل إذ إنّ الغاية من التجريم هي منع التشهير بالناس والنيل من كرامتهم وشرفهم. كما لا يشترط ارتكاب جريمتي الذم والقدح في حضور المجنى عليه. فالجرم يقوم سواء تمّ الذم أو القدح في مواجهته او في غيابه، وسواء علم به المجنى عليه، أو لم يعلم، وكذلك يجب ان تذكر العبارات والالفاظ التي يستفاد منها وقوع جريمة الذم والقدح.
حيث إنّه في ما خص وسائل النشر من المتعارف عليه تقليديًا بأنّ جرائم الذم والقدح كانت ترتكب إمّا بالفعل أو بالقول أو بالكتابة. غير أنّه مع التطوّر الذي شهدته الانسانية في تكنولوجيا الاتصال، ظهرت وسيلة جديدة وخطيرة لارتكاب جرائم القدح والذم في شبكات التواصل الالكترونية بحيث إنّ تطوّر التكنولوجيا المعلوماتية خلق عالمًا إفتراضيًا وغير ملموس لأنّه في حقيقته مبني على المعادلات الرقمية والالكترونية والقطع والمعدات الكهربائية. وإنّ المشترع اللبناني تكلم بشكل واضح عن الوسائل الآلية دون تحديدها وتاليًا لا يجوز إخراج أيّ وسيلة آلية يمكن النشر من خلالها، غير أنّ المعوّل عليه هو ليس وسيلة النشر، بل النشر بحدّ ذاته الذي يؤلف الجريمة وتحديدًا عندما يستطيع إنسان التأثير على عدة أشخاص.
حيث إنّه يتبيّن من معطيات الملفّ كافة ومن الأدلّة المبيّنة آنفًا، أنّ المدعى عليه (…) وهو كاتب ومخرج لبرامج تعرض على شاشات التلفزة، قد أقدم عبر حسابه على تطبيق “تويتر”، على كتابة تغريدات وهي المفندة في باب الوقائع قاصدا بها التهجم على المدعية والتهكم عليها، وقد تم تداولها بشكل كبير كما والتعليق عليها من قبل عامة الناس وذلك في اطار قيام المدعية بإبداء رأيها للعامة حول الامومة بطريقة محترمة معبّرة عن رأيها الشخصي والحرّ دون أيّ تجريح بأيّ كان.
حيث إنّ فعل المدعى عليه (…) لجهة تغريدات على تطبيق “تويتر” الذي هو وسيلة إلكترونية من وسائل النشر، تضمّن وفقًا لما هو مبيّن أعلاه ومفنّد في باب الوقائع، ما من شأنه النيل من شرف المدعية، ناهيك عن أنّها شخصية فنية معروفة على المستويين المحلي والعالمي، وذلك بقصد احتقارها والحطّ من قدرها وتقليل احترامها في بيئتها ومجتمعها، يؤلّف الجنحتين المنصوص عليهما في المادتين 582 و584 من قانون العقوبات، ممّا يوجب إدانته بالجنحتين الآنفتي الذكر وتوقيع عقوبتهما به، ذلك أنّ الغاية من التجريم هي منع التشهير بالناس والنيل من شرفهم وكرامتهم كما سبق ذكره أعلاه، ما دام أنّ القصد الجرمي يفترض عندما تكون العبارات المستخدمة شائنة بذاتها.
في التبعة المدنية:
حيث ان المدعية تطلب الزام المدعى عليه ش. بعطل وضرر.
حيث انه يعود للمدعية ان تطالب تبعًا للدعوى العامة بالإلزامات المدنية.
حيث انه يقتضي قبل ذلك، معرفة من هم الاشخاص المسؤولون مدنيًا والملزمون بدفع التعويضات.
حيث من الطبيعي القول إنّ فاعل الجرم يُسأل مدنيًا عن الاضرار التي يسبّبها الفعل الجرمي الذي ارتكبه، فمسؤوليته المدنية تقوم تبعًا لدعوى الحقّ العام.
حيث انه يقتضي بالتالي، إعتبار المدعى عليه (..) مسؤولًا عن الأضرار التي تسبّبها فعلاه الجرميان الموصوفان آنفًا، ويلزم بعد الاخذ بعين الاعتبار مكانة المدعية الاجتماعية ومكان حصول الفعل الجرمي والضرر الأدبي والمعنوي اللاحق بها مبلغًا وقدره أربعماية مليون ليرة لبنانية على سبيل العطل والضرر.
حيث إنّه بعد النتيجة التي توصلت اليها المحكمة، لا حاجة لبحث سائر الأسباب والمطالب الزائدة أو المخالفة، إمّا لكونها لقيت جوابًا ضمنيًا في سياق التعليل، وإمّا لعدم الجدوى فاقتضى ردّها.
لذلك
يحكم:
1 – بإدانة المدعى عليه (…) بالجنحتين المنصوص عليهما في المادتين 582 و584 من قانون العقوبات، وبعد الادغام معاقبته بتغريمه مبلغًا وقدره اربعماية ألف ليرة لبنانية، وعلى ان يحبس يومًا واحدًا عن كلّ عشرة آلاف ليرة لبنانية من الغرامة عند عدم الدفع سندًا للمادة 54 عقوبات.
2- بإلزام المدعى عليه(…) بدفع للمدعية الشخصية (…) مبلغًا وقدره أربعماية مليون ليرة لبنانية على سبيل العطل والضرر.
3- بردّ كلّ ما زاد او خالف.
4- بتضمين المدعى عليه الرسوم والنفقات كافة.
قرار صادر بتاريخ 2023/7/11.
“محكمة” – الأحد في 2026/6/28



