مقالات

إلى متى يبقى المواطن اللبناني رهينة “إخراج القيد”؟/ عاطف منصور

المحامي عاطف حسن منصور:
من حق كل لبناني أن يسأل: لماذا ما زالت الدولة بعد أكثر من ثمانين عاماً على الإستقلال، ترغم المواطن على إستخراج “إخراج قيد” جديد كلما أراد إنجاز معاملة؟ ولماذا تنتهي صلاحية هذا المستند بعد ثلاثة أشهر، وكأن هوية الإنسان أو نسبه أو قيده العائلي تتبدل كل فصل من فصول السنة؟
أي منطق إداري يبرر أن يتحمل المواطن في كل مرة كلفة مالية وإهداراً للوقت، وعناء التنقل والإنتظار للحصول على معلومات موجودة أصلًا في قواعد بيانات المديرية العامة للأحوال الشخصية؟ ولماذا يصبح المواطن رسولاً بين إدارات الدولة ينقل لها المعلومات التي تمتلكها هي أصلاً ؟
في معظم دول العالم، لم يعد المواطن يحمل المستندات بين الإدارات، بل أصبحت الإدارات تتبادل المعلومات إلكترونياً عبر قواعد بيانات موحدة وآمنة. أما في لبنان فما زلنا نعيش بعقلية الورقة والختم والتوقيع، وكأن الثورة الرقمية لم تصل إلينا.
والمفارقة أن الإدارات تطلب إخراج قيد إفرادي أو عائلي حديثي الإصدار رغم أن البيانات محفوظة لدى الدولة نفسها ويمكن التحقق منها خلال ثوانٍ. وكذلك الأمر بالنسبة للسجل العدلي وسائر الإفادات الرسمية، التي يفترض أن تحصل عليها الإدارة مباشرة، لا أن تكلف المواطن عناء إستخراجها على نفقته.
الأصل في الإدارة الحديثة أن عبء التحقق من المعلومات يقع على عاتق الدولة، لا على عاتق المواطن. أما تحويل المواطن إلى ساعي بريد بين الإدارات، فهو نموذج إداري تجاوزه العالم منذ سنوات طويلة.
إن الحل ليس معقداً، بل يحتاج إلى قرار سياسي وإداري واضح يقوم على ربط جميع الإدارات الرسمية بمنصة حكومية إلكترونية موحدة لتمكين أي إدارة من الإطلاع على قيود الأحوال الشخصية إلكترونياً وإلغاء إلزامية إخراج القيد الورقي في معظم المعاملات وإعتماد الهوية الرقمية والتوقيع الإلكتروني وتبادل البيانات بين الإدارات. كما يجب إعتبار السجل العدلي والقيود الرسمية مسؤولية الدولة في التحقق منها، لا مسؤولية المواطن في تأمينها.
لبنان لا يحتاج إلى إختراع جديد، بل إلى تطبيق ما أصبح بديهياً في دول العالم. فالدولة الرقمية ليست ترفاً، بل حق للمواطن ووسيلة لمكافحة الفساد والمحسوبيات والسمسرة والرشوة، ولتوفير ملايين ساعات العمل وآلاف الأطنان من الأوراق.
إن الحديث المتكرر عن “لبنان الغد” و”الإدارة الحديثة” والشفافية والإصلاح يبقى مجرد شعارات فارغة ما دام المواطن يقف في الطوابير للحصول على ورقة تعرف الدولة مسبقاً كل ما ورد فيها.
لقد آن الأوان لأن يستيقظ الجميع من ثباتهم الإداري، وأن يدركوا أن كرامة المواطن تبدأ بإدارة تحترم وقته وماله وحقوقه، لا بإرهاقه بإجراءآت ورقية أكل عليها الدهر وشرب.
من هنا نسأل، هل نريد دولة رقمية حقيقية، أم أننا سنبقى أسرى الروتين والتخلف الإداري والفوضى التنظيمية حتى إشعار آخر؟
برأيي، هذه ليست مجرد قضية “إخراج قيد”، بل قضية إصلاح إداري شامل يمس العلاقة بين الدولة والمواطن. فالإدارة التي تطلب من المواطن أن يثبت للدولة ما تعرفه الدولة أصلاً، هي إدارة تحتاج إلى إعادة بناء أكثر من حاجتها إلى إصدار تعاميم جديدة.
“محكمة” – الجمعة في 2026/7/3

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!