نقابة المالكين تردّ على طلب تعديل «عاجل وطارئ» لقانون الإيجارات للأماكن غير السكنيّة(دراسة قانونية مدعّمة بالنصوص والاجتهاد المقارن)
نُشر بتاريخ 14 آب 2026 في مجلتكم الكريمة “محكمة” مقالٌ يدعو المجلس النيابي إلى تعديلٍ «عاجل وطارئ» لقانون الإيجارات للأماكن غير السكنية رقم 11 تاريخ 12 حزيران 2025 وتعديلاته، ويبني هذه الدعوة على سبع مقولات: (1)
• أنّ المرسوم الاشتراعي رقم 11 لسنة 1967 المتعلّق بالمؤسسة التجارية «لا يزال ساري المفعول لجهة تقييم التعويضات واستحقاقها ويضمن التمديد واستمرارية عمل المؤسسة»؛
• وأنّ المواد L. 145-14 وما يليها من قانون التجارة الفرنسي تكرّس تجديداً شبه أبديّ للعقد؛
• وأنّ المادة L. 145-16 تكرّس حقّ التنازل خلافاً «للتحليل الخاطئ» اللبناني؛
• وأنّ المادة L. 145-46-1 تمنح المستأجر أفضلية الشراء وقد «طبّقها المشرّع اللبناني في قانون 2017/2 »؛
• وأنّ المادة L. 145-38 تضع سقفاً للزيادات بنسبة 10٪ كلّ ثلاث سنوات؛
• وأنّ المجلس الدستوري الفرنسي «كرّس» هذه الحقوق «بعكس» المجلسَين النيابي والدستوري اللبنانيَّين؛
• وأنّ التعديلات الأخيرة «أطاحت بالحقوق المكتسبة» و«ألغت التعويضات والخلو».
وقد تولينا في هذه الدراسة القانونيّة مراجعة كلّ مقولةٍ من هذه المقولات على أصلها النصّي — لا على ما نُقل عنها — فتبيّن أنّ المقال يقوم على ثلاث فئات من الخلل: خللٌ في التكييف (بناء الحماية على نصٍّ لا يقرّرها)، وخللٌ في نقل النصّ الأجنبي (وصفٌ لآليات المواد L. 145 لا يطابق منطوقها)، وخللٌ في الوقائع التشريعية اللبنانية (وصف تعديلاتٍ وسّعت حقوق المستأجرين بأنّها أسقطتها). وتُبيّن الدراسة، بالنصّ والمرجع، مواضع هذا الخلل واحداً واحداً.
تمهيد: أربعة مآخذ منهجية تسبق مناقشة المضمون
أولاً — الخلط بين حكم المطابقة وحكم الإلزام
محور المقال أنّ المجلس الدستوري الفرنسي «قضى بدستورية التمديد والتعويض»، فيستنتج منه أنّ إلغاءهما في لبنان مخالفٌ للدستور. وهذا استنتاجٌ معكوس في أصوله. فالقضاء بمطابقة نصٍّ للدستور يعني أنّ للمشرّع أن يسنّه، لا أنّه ملزَمٌ بأن يسنّه؛ وهو حكمٌ في حدود سلطة المشرّع لا في حدود واجبه. والاستدلال بالمفهوم المخالف (a contrario) من قرار مطابقةٍ إلى وجوب الإبقاء على النصّ استدلالٌ غير جائز في القانون الدستوري، بل هو نقيض ما استقرّ عليه القضاء الدستوري الفرنسي نفسه كما سيأتي في القسم الثالث.
ثانياً — اتّخاذ القانون الأجنبي معياراً للدستورية الداخلية
يَعيب المقال على المشرّع اللبناني «مخالفة القانون والدستور الفرنسي». والقانون الفرنسي، مهما بلغت قيمته المقارنة ومهما كان أثره التاريخي في نشأة تشريعنا، ليس مصدراً إلزامياً في النظام القانوني اللبناني ولا معياراً لدستورية القوانين اللبنانية. ومخالفةُ الحلّ اللبناني لمقابله الفرنسي قد تُبنى عليها حجّة سياسة تشريعية (de lege ferenda)، لا سبب بطلان. وخلط المستويين هو ما يمنح المقال ظاهرَ القوّة ويسلبه أساسها.
ثالثاً — الإحالة بلا مرجع
يَنسب المقال إلى المجلس الدستوري الفرنسي قضاءً بالدستورية من غير أن يذكر رقم قرارٍ واحدٍ أو تاريخه، ويحيل إلى «الاجتهاد الثابت» من غير ثبت. وهذا يعطّل إمكان المراجعة والتدقيق، وهو في الدراسة القانونية عيبٌ في ذاته. وقد تولّت هذه الدراسة تعيين القرارات المقصودة على وجه الاحتمال الراجح — وهما قراران اثنان لا أكثر — لتبيّن أنّ مدلولهما غير ما نُسب إليهما.
رابعاً — المفارقة الزمنية في طرفَي المقارنة
يقارن المقال بين قانونٍ لبنانيّ في صيغته المعدَّلة سنة 2025 وبين نصوصٍ فرنسية يصفها بصيغتها القديمة، متجاهلاً أنّ عدداً من المواد التي يستشهد بها — ومنها L. 145-46-1 وL. 145-41 وL. 145-40 — قد عُدِّلت بالقانون الفرنسي رقم 2026-403 تاريخ 26 أيار 2026، وأنّ المادة L. 145-38-1 المستحدثة أجازت صراحةً بند تأطير المؤشّر. فالمقارنة إذاً ليست بين نظامين في زمنٍ واحد.
القسم الأول: انهيار الركيزة الأولى — المرسوم الاشتراعي رقم 11 لسنة 1967 لا يقرّر تمديداً ولا تعويض إخلاء
تقوم الحجّة المركزية للمقال على أنّ «قانون المؤسسة التجارية 67/11 لا يزال ساري المفعول لجهة تقييم التعويضات واستحقاقها ويضمن التمديد واستمرارية عمل المؤسسة التجارية والتعويض عليها عند فسخ العقد». والرجوع إلى النصّ يهدم هذه الدعوى من ستّة أوجه.
أولاً — في تسمية النصّ وتاريخه
النصّ ليس «قانوناً» بل مرسومٌ اشتراعي رقم 11 صادر في 11 تموز 1967، اتُّخذ بموجب تفويض تشريعي منحه القانون رقم 67/45 تاريخ 5 حزيران 1967، وقد ألغى المادتين 40 و41 من قانون التجارة واستبدل بهما أحكامه. وهذه ليست ملاحظة شكلية: فالمقال يبني على «القانون الأساسي» في مواجهة «القانون الاستثنائي»، وأوّل ما يقتضيه هذا البناء ضبطُ طبيعة النصّ ومرتبته.(2)
ثانياً — المادة 2 وحدها كافية لنقض هذه الحجّة
عرّفت المادة 1 المؤسسة التجارية بأنّها أداة المشروع التجاري، واعتبرتها مشتملةً على الاسم التجاري والشعار وحقّ الإيجار والزبائن والمركز التجاري. ثمّ جاءت المادة 2 لتقرّر القاعدة الحاكمة: «تُحدَّد حقوق صاحب المؤسسة التجارية بالنسبة لكلّ من عناصرها بالقوانين الخاصة المتعلقة بهذه العناصر وبالمبادئ القانونية العامة»، ولا تخضع المؤسسة لأحكام المرسوم إلا «بمجملها».(4)(3)
ومقتضى ذلك أنّ حقّ الإيجار يدخل في المؤسسة بمضمونٍ لا يرسمه المرسوم الاشتراعي، بل ترسمه «القوانين الخاصة» المتعلقة بالإيجار. فإذا تبدّل تشريع الإيجارات تبدّل معه مضمون العنصر، ومن دون أن يمسّ ذلك المرسوم الاشتراعي بشيء. وبعبارة أخرى: المرسوم الاشتراعي يحمي وعاء الحقّ لا مقداره؛ وهو يفترض حقّ الإيجار ولا ينشئه، ويحيل في تحديده إلى قانون الإيجارات نفسه الذي يهاجمه المقال. فالبناء على المرسوم الاشتراعي 67/11 لإبطال قانون الإيجارات للأماكن غير السكنيّة بناءٌ يستند إلى نصٍّ يحيل، بحرفه، إلى قانون الإيجارات.
ثالثاً — استقراء المرسوم الاشتراعي كاملاً: لا نصّ للتمديد ولا للتعويض
يتألف المرسوم الاشتراعي من ستٍّ وأربعين مادة موزّعة على أربعة أبواب: أحكام عامة (المواد 1 إلى 4)، ثمّ العقود الواردة على المؤسسة وهي بيع المؤسسة والتفرّغ عنها (5 إلى 21)، ورهنها (22 إلى 36)، وتقديمها حصةً في شركة (37)، والتعاقد على إدارتها والإدارة الحرّة (38 إلى 46). وليس في هذه المواد جميعها مادةٌ واحدة تقرّر تمديد عقد الإيجار، ولا تجديده، ولا تعويض إخلاءٍ لمصلحة المستأجر، ولا مبدأ «استمرارية» يقيّد المؤجر.(5)
والتحدّي هنا موضوعيّ ومباشر: على من يدّعي أنّ المرسوم الاشتراعي «يضمن التمديد والتعويض» أن يعيّن المادة. ولا سبيل إلى تعيينها لأنّها غير موجودة. وهذا وحده يُسقط ركيزة المقال الأولى.
رابعاً — المادة 9 تعمل في الاتّجاه المعاكس لما يُنسب إليها
تنصّ المادة 9 على أنّه «بالرغم من كلّ بند مخالف في عقد الإيجار» تنتقل إجارة الأمكنة المخصّصة لاستثمار المؤسسة إلى من تنتقل إليه المؤسسة، شرط ألّا يغيّر طبيعة الاستثمار السابقة وأن يقوم بكافة الموجبات الناتجة عن العقد. وهذا هو مضمون الحماية الحقيقي: انتقال حقّ الإيجار مع المؤسسة، لا خلود العقد.(6)
والأهمّ أنّ الفقرة الثانية من المادة نفسها تُجيز للمؤجر — إذا رأى أنّ البدل المحدَّد في الإجارة المتفرَّغ عنها لم يعد متناسباً والظروف — «مراجعة القضاء لتحديد الأجر العادل»، وتضع لذلك آلية توزيعٍ لقيمة الأرض على الطوابق. فالنصّ الذي يُساق حمايةً للمستأجر يتضمّن، في متنه، حقّ المؤجر في رفع البدل إلى «الأجر العادل» بحكم قضائي. وهو المنطق عينه الذي يقوم عليه «بدل المثل» في القانون رقم 11 لسنة 2025 والذي يهاجمه المقال.
خامساً — المادة 10: حقّ الأفضلية مقرَّرٌ للمالك لا للمستأجر
تنصّ المادة 10، بصيغتها المعدَّلة بالمرسوم الاشتراعي رقم 97 تاريخ 30 حزيران 1977، على أنّ «لمالك العقار الذي أُنشئت فيه المؤسسة التجارية حقّ الأفضلية في تملّكها بالثمن المعيّن بالعقد ما لم يتمّ بيعها بالمزايدة»، ويُمارَس هذا الحقّ ضمن المهلة المعيّنة في الفقرة الأخيرة من المادة 12 مع عرض كفالة مصرفية بالثمن؛ وقد أوجبت المادة 12 تبليغ المالك كلّ بيعٍ أو تفرّغ إذا كان عنصر الإيجار مشمولاً، ومنحته عشرة أيام لممارسة حقوقه المنصوص عليها في المادتين 9 و10.(7)(8)
وهذه ملاحظةٌ ذات دلالة مضاعفة. فالمرسوم الاشتراعي الذي يقدّمه المقال بوصفه ميثاقاً لحماية المستأجر يقرّر، في مادتَيه 9 و10، حقّين للمالك: حقّ مراجعة القضاء لرفع البدل، وحقّ الأفضلية في تملّك المؤسسة ذاتها. ثمّ إنّ المقال يطالب باستيراد حقّ أفضليةٍ للمستأجر من المادة L. 145-46-1 الفرنسية، بينما حقّ الأفضلية الوحيد المقرَّر في نصّه المرجعي مقرَّرٌ للمالك.
سادساً — المادة 28 تفترض صراحةً إمكان فسخ الإجارة
نظّمت المادة 28 حالة «المالك الذي يطلب فسخ إجارة العقار الذي تُستثمر فيه مؤسسة تجارية مثقلة بقيود»، فأوجبت تبليغ الدائنين المقيَّدين، ومنعت صدور الحكم بالفسخ قبل انقضاء شهرٍ على التبليغ، وأجازت للدائنين التدخّل ودفع البدل المستحقّ وطلب تنفيذ الرهن وبيع المؤسسة بالمزايدة.(9)
فالمرسوم الاشتراعي إذاً لا يمنع فسخ الإجارة ولا انتهاءها؛ غايته تنظيم أثر ذلك على الدائنين المرتهنين. ومن نصٍّ يفترض الفسخ ويرتّب إجراءاته لا يُستخرج مبدأ «استمرارية» يحول دون انتهاء العقد.
وبالخلاصة فإنّ مصدر الحماية التي تمتّع بها مستأجرو الأماكن غير السكنية في لبنان ليس المرسوم الاشتراعي 1967/11، بل سلسلة قوانين الإيجارات الاستثنائية المتعاقبة — ومنها القانون 1977/7 والقانون 1982/20 والقانون 92/160 — وهي قوانين مؤقّتة بطبيعتها وبتسميتها، تقوم على تمديدٍ قسريّ متجدّد بإرادة المشرّع. وما ينشئه التمديد الاستثنائي يجوز للمشرّع أن ينهيه، بضوابط الانتقال والتناسب. أمّا وصفه بأنّه «قانون أساسي» مستمدّ من المرسوم الاشتراعي 1967/11 فتكييفٌ لا يسنده النصّ.(33)
القسم الثاني: التصوير المغلوط للنظام الفرنسي للإيجارات التجارية
النظام الفرنسي مصدره مرسوم 30 أيلول 1953، وقد أُدمج في المواد L. 145-1 وما يليها من قانون التجارة بموجب الأمر رقم 2000-912 تاريخ 18 أيلول 2000. ولبنان لم يتبنَّ هذا النظام، وهو ما يفسّر أنّ حمايتنا جاءت من قوانين التمديد لا من نظام «الملكية التجارية». وفي ما يلي مواضع الخلل في نقل المقال لهذا النظام.(10)
أولاً — «تسع سنوات تتجدّد كلّ عام فتصير 18 ثمّ 27»: وصفٌ لا وجود له في النصّ
يقول المقال إنّ المادة L. 145-14 «حدّدت مدة الإيجار بتسع سنوات مع حقّ المستأجر بتجديدها تسع سنوات كلّ عام فتجدّد لمدة 18 عاماً، ومن ثمّ يعاد تجديدها لتسع سنوات إضافية لتصل إلى 27 عاماً، وهكذا يتجدّد العقد دون حدود». وهذا الوصف خاطئ في مبناه وفي معناه:
– المادة L. 145-14 لا تتناول المدّة أصلاً؛ موضوعها رفض التجديد وتعويض الإخلاء، وهي واقعة في القسم الرابع من الفصل (رفض التجديد)، لا في القسم الثاني (المدّة).
– المدّة تحكمها المادة L. 145-4: لا تقلّ مدّة العقد عن تسع سنوات، مع حقّ المستأجر في إنهائه عند انقضاء كلّ فترة ثلاثية بمهلة ستّة أشهر. والعقد المجدَّد مدّته تسع سنوات بموجب المادة L. 145-12، ما لم يتّفق الفريقان على مدّة أطول.(11)(12)
– لا وجود لأيّ آلية «تجديد تسع سنوات كلّ عام»، ولا لمتوالية 9 ثمّ 18 ثمّ 27. الآلية هي دورات تسعية متعاقبة تُطلب بإنذارٍ أو بطلب تجديد وفق المادتين L. 145-9 وL. 145-10، ويجب على المؤجر أن يجيب خلال ثلاثة أشهر وإلا اعتُبر قابلاً مبدأ التجديد.(13)
وهذا خطأ مادّي في نقل نصٍّ أجنبي، يتّصل بجوهر البناء لا بتفصيلٍ فيه.
ثانياً — التجديد في فرنسا ليس أبدياً، والإخلاء بلا تعويض وارد في النصّ ذاته
يقرّر المقال أنّه «لا يوجد أيّ مبدأ في العالم ينزع الملكية دون تعويض». وقانون التجارة الفرنسي الذي يستشهد به ينقض هذا الإطلاق:
– المادة L. 145-14: للمؤجر أن يرفض تجديد العقد؛ وعليه عندئذٍ — «باستثناء الحالات المنصوص عليها في المادتين L. 145-17 وما يليهما» — أن يدفع تعويض إخلاء يعادل الضرر. فالرفض حقّ أصيل للمؤجر، والتعويض أثرٌ مشروط لا مانعٌ من الرفض.(14)
– المادة L. 145-17: للمؤجر أن يرفض التجديد «من دون أن يكون ملزماً بدفع أيّ تعويض» في حالتين: إذا أثبت سبباً خطيراً ومشروعاً بحقّ المستأجر الخارج (ومنه عدم تنفيذ موجب أو التوقّف عن استثمار المؤسسة من غير سببٍ جدّي)، أو إذا ثبت وجوب هدم البناء لعدم صلاحيته أو خطورته.(15)
– المواد L. 145-18 وL. 145-21 وL. 145-22 وL. 145-24: حالات استرداد للبناء أو إعادة البناء أو التعلية أو استرداد الملحق السكني أو البناء على الأرض، بعضها بتعويض وبعضها بعرض محلٍّ بديل يُعفي من التعويض.(16)
فالقول بأنّ النظام الفرنسي يكرّس تجديداً بلا حدود إلا في «حالات جدّية ومهمة ومبرَّرة» مع وجوب دفع التعويض «أيضاً في هذه الحالة» مخالفٌ لمنطوق المادة L. 145-17 التي تنصّ على الرفض بلا تعويض في الحالتين المذكورتين. وهنا يقع المقال في تناقضٍ مع النصّ الذي يحتجّ به.
ثالثاً — المادة L. 145-16: مضمونها، ونظيرها اللبناني القائم
لا تنصّ المادة L. 145-16 على «حقّ المستأجر بالتنازل وبيع المؤسسة التجارية» بصيغة إنشاء حقّ؛ بل تعتبر «كأنّها غير مكتوبة» الاتفاقاتِ الرامية إلى منع المستأجر من التفرّغ عن إيجاره أو عن الحقوق المستمدّة من الفصل لمشتري مؤسسته التجارية أو منشأته، وتنظّم في فقرتها الثانية الانتقال في حالات الدمج والانقسام والانتقال الشامل للذمّة.(17)
والحال أنّ المادة 9 من المرسوم الاشتراعي اللبناني 1967/11 تقرّر الحكم عينه بصيغة أشدّ صراحة: انتقال الإجارة إلى من تنتقل إليه المؤسسة «بالرغم من كلّ بند مخالف في عقد الإيجار». فالنعي على «التشريع اللبناني ومن بعده المجلس الدستوري اللبناني» بـ«التحليل الخاطئ» لهذه المسألة لا سند له: النصّ اللبناني قائم، ووظيفته مطابقة لوظيفة النصّ الفرنسي. والمقال هنا يفترض غياب نصٍّ هو نفسه أساس دعواه في موضعٍ آخر.
رابعاً — المادة L. 145-46-1: حقّ مشروط بمهل واستثناءات، وقياسه على القانون 2/2017 غير سديد
تُلزم المادة L. 145-46-1 مالكَ المحلّ التجاري أو الحرفي، إذا اعتزم بيعه، بإبلاغ المستأجر بكتاب مضمون مع إشعار بالاستلام أو بالتسليم باليد مقابل إيصال، على أن يتضمّن التبليغ الثمن وشروط البيع تحت طائلة البطلان، ويقوم مقام عرضِ بيع؛ وللمستأجر مهلة شهرٍ للبتّ، ثمّ مهلة شهرين لإتمام البيع تُرفع إلى أربعة أشهر إذا أعلن نيّته اللجوء إلى قرض.(18)
غير أنّ النصّ نفسه يستثني حالاتٍ واسعة: البيع الشامل لعدّة محلّات ضمن مجموعة تجارية، والبيع الشامل لعقارٍ يضمّ محلّات تجارية، والبيع لزوج المؤجر أو لأصوله أو فروعه أو أصول وفروع زوجه، وحالات ممارسة حقّ الشفعة العمرانية. كما استُثني منه المحلّ المخصَّص حصراً للمكاتب والمستودعات. وقد عُدِّلت المادة بموجب المادة 61 من القانون الفرنسي رقم 2026-403 تاريخ 26 أيار 2026، ولا تسري بصيغتها المعدَّلة إلا على التفرّغات اللاحقة لصدوره.
أمّا القول إنّ «المشرّع اللبناني طبّقها في قانون الإيجارات السكني 2017/2» فغير دقيق. فما قرّره القانون رقم 2 تاريخ 28 شباط 2017 هو منظومةٌ مختلفة في طبيعتها: تمديدٌ لتسع سنوات، واثنتا عشرة سنة للمستفيدين من تقديمات الصندوق، مع تدرّجٍ في بلوغ بدل المثل، وتعويضٌ للمستأجر في حالتَي الاسترداد للضرورة العائلية وللهدم والبناء (المادة 22)، وأفضليةٌ للمستأجر في الإفادة من قروض المؤسسة العامة للإسكان ومصرف الإسكان. وهذه أفضليةٌ في التمويل السكني، لا حقّ أفضليةٍ في شراء المأجور في الأماكن غير السكنيّة عند بيعه على غرار L. 145-46-1. والفارق جوهري: الأولى آليّة دعمٍ ماليّ تجاه الدولة، والثانية قيدٌ على حرّية المالك في التفرّغ. ويُلاحَظ أنّ كاتب المقال نفسه، في تصريحاتٍ صحفية سابقة عن القانون 2017/2، يصف «حقّ الأفضلية» فيه بأنّه أفضلية في الإفادة من قروض الإسكان — وهو ما يناقض ما ورد في المقال.(32)
والنتيجة أنّ استحداث حقّ أفضليةٍ للمستأجر عند بيع المأجور مقترحٌ تشريعي مشروع يُناقَش على أساس السياسة التشريعية؛ ولا يصلح غيابُه سبباً لمخالفة القانون للدستور، ولا يصحّ تقديمه على أنّه قائمٌ في القانون السكني.
خامساً — سقف الزيادات: قلبٌ لوظيفة نسبة الـ10٪
يقول المقال إنّ المشرّع الفرنسي «حدّد سقفاً للزيادة بحيث لا تتجاوز 10٪ من الإيجار الحالي في كلّ مراجعة قانونية عادةً كلّ ثلاث سنوات (المادة L. 145-38)». وهذا خلطٌ بين ثلاث آليات متمايزة:
– القاعدة الأصلية (المادة L. 145-33): بدل العقود المجدَّدة أو المراجَعة يجب أن يوافق «القيمة الإيجارية»، وتُحدَّد عند عدم الاتفاق بخصائص المحلّ ووجهة استعماله وموجبات الفريقين وعوامل التجارة المحلية والأسعار الشائعة في الجوار. وهذا هو عين منطق «بدل المثل» الذي يهاجمه المقال في القانون اللبناني.(19)
– سقف التجديد (المادة L. 145-34): ما لم يطرأ تعديل ملحوظ على عناصر القيمة الإيجارية، لا يتجاوز معدّل تغيّر البدل عند التجديد تغيّرَ مؤشّر الإيجارات التجارية (ILC) أو مؤشّر إيجارات الأنشطة الخدمية (ILAT). وهذا سقفٌ مؤشّري لا نسبةٌ مقطوعة.(20)
– سقف المراجعة الثلاثية (المادة L. 145-38): تُطلب المراجعة بعد ثلاث سنوات على الأقلّ، ولا تتجاوز الزيادة أو النقصان تغيّرَ المؤشّر — «ما لم يُقَم الدليل على تعديل مادّي في عوامل التجارة المحلية أدّى بذاته إلى تغيّرٍ يفوق 10٪ من القيمة الإيجارية».(21)
فنسبة الـ10٪ في المادة L. 145-38 ليست سقفاً للزيادة، بل هي عتبة الخروج من السقف المؤشّري (déplafonnement): إذا ثبت التغيّر المادّي بما يجاوز 10٪ من القيمة التأجيريّة، سقط السقف المؤشّري وأمكن بلوغ القيمة التأجيريّة الفعلية. وعندئذٍ تدخل الآلية الرابعة: التدرّج (lissage) المقرَّر في الفقرة الأخيرة من المادة L. 145-34 وفي المادة L. 145-38 وفي المادة L. 145-39، ومفاده أنّ الزيادة الناتجة «لا يمكن أن تؤدّي، في السنة الواحدة، إلى زياداتٍ تفوق 10٪ من البدل المدفوع في السنة السابقة».
والفارق حاسم: النسبة سقفٌ سنويّ تراكمي يتيح للمؤجر أن يرفع البدل 10٪ سنةً بعد سنة حتى بلوغ القيمة الإيجارية الجديدة — أي أنّها آلية تدرّجٍ في الوصول إلى القيمة الحقيقية، لا آلية تجميدٍ للبدل عند حدّ 10٪ كلّ ثلاث سنوات. وقد وصف المجلس الدستوري الفرنسي هذه الآلية بالحرف على أنّها تمكّن المؤجر من الاستفادة سنوياً من زيادة 10٪ من بدل السنة السابقة حتّى يبلغ القيمة الإيجارية الجديدة. فالنصّ الذي يسوقه المقال حجّةً على تجميد البدلات هو، في مدلوله، النظير الفرنسي لتدرّج «بدل المثل» المعتمد في القانون اللبناني رقم 11 لسنة 2025.
ويُضاف أنّ المجلس الدستوري الفرنسي لاحظ في القرار ذاته أنّ هذه الأحكام ليست من النظام العام، فللفريقين الاتفاق على عدم تطبيقها عند إبرام العقد أو عند تجديده؛ وأنّ المشرّع الفرنسي أجاز أخيراً، بالمادة L. 145-38-1 المستحدثة بالقانون رقم 2026-403، بندَ تأطير تغيّر المؤشّر صعوداً ونزولاً بالنسب نفسها. وكلّ ذلك ينقض تصوير النظام الفرنسي بوصفه نظام حمايةٍ جامدة.(22)
القسم الثالث: المجلس الدستوري الفرنسي — تعيين القرارات وتصحيح مدلولها
أولاً — القراران المقصودان
لم يذكر المقال رقم قرارٍ ولا تاريخه. والقراران اللذان يتّصلان مباشرةً بموضوعه هما:
– القرار رقم 2020-837 QPC تاريخ 7 أيار 2020 (شركة A.D-Trezel)، في مدى دستورية الفقرة الأخيرة من المادة L. 145-34 المتعلقة بتدرّج الزيادة عند سقوط السقف المؤشّري.(23)
– القرار رقم 2020-887 QPC تاريخ 5 آذار 2021، في مدى دستورية المادة L. 145-14 لجهة احتساب تعويض الإخلاء على أساس القيمة السوقية للمؤسسة التجارية ومن دون سقف، وقد أُحيل إلى المجلس بموجب قرار الغرفة المدنية الثالثة في محكمة النقض تاريخ 10 كانون الأول 2020.(24)
ثانياً — من كان الطاعن، وما هي المسألة المطروحة
في القرارين معاً كان الطاعن هو المؤجر لا المستأجر، وكانت المسألة المطروحة واحدة: هل يقيّد النصّ حقَّ الملكية تقييداً غير متناسب؟ وأجاب المجلس بالنفي، فأعلن مطابقة النصّين للدستور بعلّة أنّ المشرّع «قصد أن يتيح متابعة نشاط المستأجر وأن يحول دون تعريض قابلية استمرار المؤسسات التجارية والحرفية للخطر»، وأنّه بذلك «توخّى هدفاً من أهداف المصلحة العامة».
فالمسألة إذاً كانت في حدود سلطة المشرّع في التقييد، لا في وجود موجبٍ دستوري بالحماية. وهذا فارقٌ جوهري بين أن يقول القاضي الدستوري «يجوز للمشرّع أن يحمي» وأن يقول «يجب عليه أن يحمي». القراران قالا الأولى، والمقال ينسب إليهما الثانية.
ثالثاً — الاجتهاد الدستوري الفرنسي في «الحقوق المكتسبة» ينقض المقال لا يسنده
لو صحّ منهج المقال في اعتماد القضاء الدستوري الفرنسي مرجعاً، لكانت أوّل قاعدةٍ تُواجهه هي القاعدة المبدئية المستقرّة في هذا القضاء ونصّها: «للمشرّع في كلّ حين، وهو يقرّر ضمن نطاق اختصاصه، أن يعدّل النصوص السابقة أو يلغيها ويستبدل بها، عند الاقتضاء، أحكاماً أخرى؛ على أنّه لا يجوز له بذلك أن يجرّد المقتضيات الدستورية من ضماناتها القانونية، ولا أن يمسّ، من دون سببٍ كافٍ من المصلحة العامة، بالأوضاع المكتسبة قانوناً أو بالآثار التي يمكن أن تُتوقّع مشروعاً من هذه الأوضاع».(25)
ومقتضى ذلك في القانون الدستوري الفرنسي أنّه لا وجود لحقٍّ مكتسبٍ في بقاء تشريعٍ على حاله؛ وأنّ ما يُحمى هو الوضع المكتسب قانوناً في مواجهة مساسٍ لا يبرّره سببٌ كافٍ من المصلحة العامة، ضمن رقابة تناسب. فالمعيار موازنة لا حصانة. وتطبيقه على القانون اللبناني رقم 11 لسنة 2025 يقود إلى فحص كفاية المبرّر وتناسب الانتقال — لا إلى القول ببطلانه لمجرّد أنّه عدّل ما سبق.
رابعاً — حدود الأثر
يفصل المجلس الدستوري الفرنسي في مطابقة النصّ الفرنسي للدستور الفرنسي، ولا يمتدّ أثر قضائه إلى النظام اللبناني لا مصدراً ولا مرجعاً إلزامياً. وأقصى ما يصلح له في دراستنا أن يكون معياراً مقارَناً في تقدير التناسب، لا سنداً للبطلان.
القسم الرابع: تصحيح الوقائع التشريعية والقضائية اللبنانية
أولاً — التسلسل الصحيح للنصوص والقرارات
– القانون رقم 11 تاريخ 12 حزيران 2025 المتعلق بالإيجارات للأماكن غير السكنية، ودخوله حيّز التنفيذ بعد نشره.(26)
– قرار المجلس الدستوري رقم 5 تاريخ 20 أيار 2025 الذي أعلن عدم نفاذ القانون لأسبابٍ شكلية تتصل بعدم مراعاة أصول الإصدار ومهلة الشهر الممنوحة لرئيس الجمهورية.(27)
– قرار المجلس الدستوري رقم 15 تاريخ 22 تموز 2025 الذي ردّ الطعن في الأساس واكتفى بإبطال الفقرة (د) من المادة 10.(28)
– التعديلات التي أقرّها مجلس النواب في جلسة 31 تموز 2025 وصدرت بالقانون رقم 24 لسنة 2025 المنشور في 21 آب 2025.(29)
ثانياً — الانقلاب الوقائعي الأبرز: التعديلات وسّعت حقوق المستأجرين ولم تُسقطها
يصف المقال «التعديلات المتسرّعة» بأنّها «أطاحت بالحقوق المكتسبة» و«وضعت نهاية لعقد المؤسسة التجارية على مراحل من السنة الخامسة إلى الثامنة». والوقائع التشريعية معاكسة تماماً: التعديلات المذكورة هي التي رفعت مهل التمديد من سنتين وأربع سنوات في الصيغة الأصلية إلى خمس وستّ وسبع وثماني سنوات بحسب فئات المستأجرين، وخفّضت وقع بدل المثل عبر تدرّجٍ متعدّد المراحل، ونصّت صراحةً على بقاء الدعاوى المقدَّمة قبل نفاذ القانون خاضعةً لأحكام القوانين التي أُقيمت بموجبها.
وقد صُنِّف المستأجرون على أربع فئات: من لم يدفع خلوّاً (خمس سنوات)، ومن دفع خلوّاً قبل سنة 2015 (ستّ سنوات)، ومن دفع خلوّاً بعد سنة 2015 لغاية صدور القانون (سبع سنوات)، والإدارات العامة الصيدليات (ثماني سنوات)، مع تدرّجٍ في بلوغ بدل المثل بنسب 30٪ ثمّ 40٪ ثمّ 50٪ ثمّ 60٪ ثمّ البدل الكامل بحسب الفئة.
فالمهل التي يهاجمها المقال بوصفها اعتداءً هي عين المهل التي مُنحت زيادةً على النصّ الأصلي؛ ومعيار الخلوّ الذي يقول المقال إنّه أُلغي هو المعيار المعتمد في ترتيب الفئات وإطالة المهلة لمن دفعه. وهذا يقلب اتّجاه النقد رأساً على عقب.
ثالثاً — التعويض لم يُلغَ، والإبطال جاء في مصلحة المستأجر
تنظّم المادة 10 من القانون التعويضَ المستحقّ للمستأجر بفقراتها (أ) و(ب) و(ج)، وهي فقرات قائمة ونافذة. والذي أبطله المجلس الدستوري في قراره رقم 15 هو الفقرة (د) وحدها، وذلك لغموضها في تحديد نسبة تناقص التعويض مع مرور الوقت ولعدم تمييزها بين فئات المستفيدين من التمديد، بما يجعلها «قابلة لتأويلاتٍ متضاربة وتفسيراتٍ متناقضة تؤدّي إلى تطبيقها بطريقةٍ تعسّفية تميّز بين المواطنين».
فالإبطال إذاً إزالةٌ لآليةِ تناقصٍ غامضة كانت تقضم التعويض، أي أنّه جاء حمايةً لموقع المستأجر من التطبيق التعسّفي، لا نزعاً لحقّه. والقول إنّ التعديلات «ألغت التعويضات» خطأٌ في وصف النصّ، ويقلب معنى قرارٍ دستوريّ صدر في الاتّجاه المعاكس.
رابعاً — المجلس الدستوري اللبناني: انتقاءٌ معكوس
يضع المقال المجلس الدستوري اللبناني في مواجهة نظيره الفرنسي، وكأنّ الأوّل أهدر حقوقاً كرّسها الثاني. والحال أنّ المجلس الدستوري اللبناني، في قراره رقم 2014/6 تاريخ 6 آب 2014، قرّر بالحرف أنّ ما حصل طيلة أكثر من سبعين سنة «هو تعسّف مستمرّ في الحدّ من حقّ الملكية من خلال قوانين استثنائية متمادية التعرّض لحرّية التعاقد»، وأنّ حقّ الملكية لا يجوز الحدّ منه إلا لاعتباراتٍ تتّصل بالمصلحة العامة، وأقام دستورية القانون على التوازن بين حقّ الملكية والحقّ في السكن عبر ترابط آليّتي تحديد بدل المثل والإفادة من الصندوق.(30)
أمّا المواد التي أبطلها ذلك القرار — المادتان 7 و13 والفقرة (ب-4) من المادة 18 — فتتّصل جميعها باللجنة المكلّفة تحديد بدل المثل وبالنظر في استفادة المستأجرين ذوي الدخل المحدود من الصندوق؛ ولا صلة لها بنزع حقّ التمديد أو بإلغاء التعويض. فالاستشهاد بالاجتهاد الدستوري اللبناني في مواجهة القانون الحالي انتقاءٌ يعمل ضدّ مقصد المقال لا معه.
خامساً — المادة 15 من الدستور: نصٌّ لحماية المالك يُساق ضدّه
تنصّ المادة 15 من الدستور على أنّ «الملكية في حمى القانون فلا يجوز أن يُنزع عن أحدٍ ملكه إلا لأسباب المنفعة العامة في الأحوال المنصوص عليها في القانون وبعد تعويضه منه تعويضاً عادلاً». وهذا نصٌّ في نزع الملكية للمنفعة العامة، وقد استعمله المجلس الدستوري اللبناني في القرار 2014/6 لمصلحة المالكين في مواجهة التمديد الاستثنائي المتمادي.(31)
وتوسيع النصّ ليشمل المؤسسة التجارية للمستأجر في مواجهة انتهاء عقدٍ بين خاصّين يصطدم بثلاث عقبات: أنّ نزع الملكية بالمعنى الدستوري فعلُ سلطةٍ عامة لغرض المنفعة العامة، لا أثرُ انقضاء رابطةٍ تعاقدية بين شخصين من القانون الخاص؛ وأنّ المؤسسة التجارية مالٌ معنويّ منقول لا حقّ عينيّ على العقار، والمستأجر لا يملك رقبة المأجور بل حقّ إيجارٍ مضمونُه مرسومٌ بالقانون بمقتضى المادة 2 من المرسوم 1967/11 نفسها؛ وأنّ إنهاء تمديدٍ استثنائيّ منشؤه القانون ليس نزعاً لملكية، إذ لا يجوز أن يكون للامتياز الاستثنائي حصانةٌ أعلى من حصانة الحقّ الأصلي.
وهذا لا يعني أنّ المستأجر بلا حماية دستورية؛ بل يعني أنّ حمايته تُلتمس في مكانها الصحيح: مبدأ الأمان التشريعي، وكفاية المهلة الانتقالية، والتناسب بين الغاية والوسيلة، وعدم المفاجأة التشريعية — وهي معايير قابلة للنقاش الجدّي، وقد استوفاها المشرّع جزئياً بمهلٍ تراوح بين خمس وثماني سنوات وبتدرّجٍ في البدل. ومن أراد الطعن فليطعن على هذه المعايير، لا على أساسٍ مستمدّ من المادة /15/.
سادساً — في طبيعة الخلوّ
الخلوّ في نظامنا ليس حقّاً عينياً دائماً ولا ملكيةً بالمعنى الدستوري؛ هو ثمنٌ دفعه المستأجر لمستأجر آخر في السواد الأعظم من الحالات مقابل التنازل عن حقّ إيجارٍ كان بقاؤه مضموناً بقانون تمديدٍ استثنائي. ومن دفع ثمن امتيازٍ منشؤه قانونٌ مؤقّت لا يكتسب بذلك حقّاً في أبدية القانون؛ وغاية ما يستحقّه هو مراعاة مركزه عند الانتقال. وهذا بالضبط ما فعله القانون رقم 11 لسنة 2025 المعدَّل حين رتّب الفئات على أساس دفع الخلوّ وتاريخه ومنح دافعيه مهلاً أطول. فالمقال يطالب بما هو مقرَّر.
جدول تجميعي:


الخاتمة: حصر المآخذ
تنتهي هذه الدراسة إلى أنّ المقال ينطوي على أحد عشر مأخذاً، منها ما هو خطأ مادّي في نقل النصّ، ومنها ما هو خطأ في التكييف، ومنها ما هو خطأ في الوقائع التشريعية:
1. بناء الحماية على المرسوم الاشتراعي 1967/11 وهو لا يتضمّن نصّاً واحداً في التمديد أو تعويض الإخلاء.
2. إغفال المادة 2 من المرسوم التي تحيل مضمون حقّ الإيجار إلى قوانين الإيجارات نفسها.
3. إغفال أنّ المادة 9 من المرسوم تقرّر للمؤجر حقّ مراجعة القضاء لتحديد الأجر العادل، وأنّ المادة 10 تمنح المالك أفضلية التملّك، وأنّ المادة 28 تفترض فسخ الإجارة.
4. الخطأ المادّي في وصف آلية المدّة الفرنسية (9 ثمّ 18 ثمّ 27) ونسبتها إلى المادة L. 145-14.
5. إطلاق القول بعدم جواز الإخلاء بلا تعويض، خلافاً لمنطوق المادة L. 145-17 من النصّ المحتجّ به ذاته.
6. الزعم بغياب النظير اللبناني للمادة L. 145-16 مع وجوده صراحةً في المادة 9 من المرسوم 1967/11.
7. نسبة حقّ أفضلية الشراء إلى القانون 2017/2 خلافاً لمضمونه، ومع تجاهل تعديل المادة L. 145-46-1 بالقانون الفرنسي 2026-403.
8. قلب وظيفة نسبة الـ10٪ من عتبةِ خروجٍ من السقف وسقفٍ سنويّ تراكمي إلى سقفٍ ثلاثيّ للزيادة.
9. الاستدلال بالمفهوم المخالف من قراري مطابقةٍ صدرا في طعنٍ من المؤجر، وتحويل الإجازة التشريعية إلى إلزامٍ دستوري، من دون ذكر رقم قرارٍ أو تاريخه.
10. وصف التعديلات بأنّها أطاحت بالحقوق، مع أنّها رفعت المهل من سنتين وأربع إلى خمس وستّ وسبع وثماني سنوات، ورتّبت الفئات على أساس الخلوّ.
11. القول بإلغاء التعويضات، مع بقاء الفقرات (أ) و(ب) و(ج) من المادة 10 نافذة، وإبطال الفقرة (د) وحدها لعلّةٍ تحمي المستأجر لا تضرّه.
الهوامش
(1) المقال المنشور في مجلة محكمة بعنوان، «قانون الايجارات غير السكني يتطلب تعديلاً عاجلاً وهذه هي المخالفات للقانون والمجلس الدستوري الفرنسي»، بتاريخ 14 آب 2026. وهو المقال موضوع هذا الردّ، وقد اعتُمد نصّه المنشور أساساً لكلّ ما نُسب إليه في هذه الدراسة.
(2) مرسوم اشتراعي رقم 11 صادر في 11 تموز 1967 (المؤسسة التجارية)، الديباجة، المتّخذ بناءً على القانون رقم 67/45 تاريخ 5 حزيران 1967، والملغي للمادتين 40 و41 من قانون التجارة.
(3) المرسوم الاشتراعي نفسه، المادة 1 (تعريف المؤسسة التجارية وعناصرها: الاسم التجاري والشعار وحقّ الإيجار والزبائن والمركز التجاري).
(4) المرسوم الاشتراعي نفسه، المادة 2: «تُحدَّد حقوق صاحب المؤسسة التجارية بالنسبة لكلّ من عناصرها بالقوانين الخاصة المتعلقة بهذه العناصر وبالمبادئ القانونية العامة».
(5) المرسوم الاشتراعي نفسه، المواد 5 إلى 46، وهي أبواب البيع والتفرّغ والرهن والتقديم لشركة والإدارة الحرّة؛ خلوّها من أيّ نصّ في التمديد أو التجديد أو تعويض الإخلاء ثابتٌ بالاستقراء.
(6) المرسوم الاشتراعي نفسه، المادة 9، فقرتاها الأولى والثانية (انتقال الإجارة رغم كلّ بند مخالف؛ حقّ المؤجر بمراجعة القضاء لتحديد الأجر العادل).
(7) المرسوم الاشتراعي نفسه، المادة 10 معدّلة وفقاً للمرسوم الاشتراعي رقم 97 تاريخ 30 حزيران 1977 (حقّ أفضلية المالك في تملّك المؤسسة).
(8) المرسوم الاشتراعي نفسه، المادة 12، فقرتها الأخيرة (تبليغ المالك، ومهلة عشرة أيام لممارسة حقوقه المنصوص عليها في المادتين 9 و10).
(9) المرسوم الاشتراعي نفسه، المادة 28 (أصول دعوى فسخ الإجارة في مواجهة الدائنين المقيَّدين).
(10) Décret n° 53-960 du 30 septembre 1953، المدمَج في المواد L. 145-1 وما يليها من قانون التجارة الفرنسي بموجب Ordonnance n° 2000-912 du 18 septembre 2000.
(11) Code de commerce, art. L. 145-4، بصيغته المعدَّلة بالقانون رقم 2018-1021 تاريخ 23 تشرين الثاني 2018 (المدّة الدنيا تسع سنوات؛ حقّ المستأجر بالإنهاء عند كلّ فترة ثلاثية بمهلة ستّة أشهر).
(12) Code de commerce, art. L. 145-12 (مدّة العقد المجدَّد تسع سنوات ما لم يتّفق الفريقان على مدّة أطول).
(13) Code de commerce, art. L. 145-9 et L. 145-10 (الإنذار وطلب التجديد ومهلة الأشهر الثلاثة لجواب المؤجر وإلا اعتُبر قابلاً مبدأ التجديد).
(14) Code de commerce, art. L. 145-14 (رفض التجديد وتعويض الإخلاء المساوي للضرر، شاملاً القيمة السوقية للمؤسسة التجارية).
(15) Code de commerce, art. L. 145-17 (رفض التجديد من دون أيّ تعويض للسبب الخطير والمشروع، أو لثبوت وجوب هدم البناء لعدم صلاحيته أو خطورته).
(16) Code de commerce, art. L. 145-18, L. 145-21, L. 145-22 et L. 145-24 (حالات الاسترداد للبناء وإعادة البناء والتعلية واسترداد الملحق السكني والبناء على الأرض).
(17) Code de commerce, art. L. 145-16، بصيغته المعدَّلة بالأمر رقم 2023-393 تاريخ 24 أيار 2023 (اعتبار الاتفاقات المانعة من التفرّغ لمشتري المؤسسة كأن لم تكن).
(18) Code de commerce, art. L. 145-46-1، بصيغته المعدَّلة بالمادة 61 من القانون رقم 2026-403 تاريخ 26 أيار 2026، ولا تسري صيغته المعدَّلة إلا على التفرّغات اللاحقة لصدوره.
(19) Code de commerce, art. L. 145-33 (وجوب مطابقة البدل للقيمة الإيجارية، وعناصر تحديدها الخمسة).
(20) Code de commerce, art. L. 145-34، بصيغته الناتجة عن القانون رقم 2014-626 تاريخ 18 حزيران 2014، ولا سيّما فقرته الأخيرة (سقف الزيادة السنوية 10٪ من بدل السنة السابقة).
(21) Code de commerce, art. L. 145-38 (المراجعة الثلاثية؛ عتبة الـ10٪ من القيمة الإيجارية للخروج من السقف المؤشّري؛ ثمّ سقف الزيادة السنوية 10٪).
(22) Code de commerce, art. L. 145-39 (المراجعة عند تجاوز بند السلّم المتحرّك الرُبع، مع سقف الزيادة السنوية 10٪)؛ وart. L. 145-38-1 المستحدثة بالقانون رقم 2026-403 (إجازة بند تأطير تغيّر المؤشّر صعوداً ونزولاً بالنسب نفسها).
(23) Cons. const., décision n° 2020-837 QPC du 7 mai 2020, Société A.D-Trezel [شروط إعادة تقدير بدلات بعض الإيجارات التجارية] — مطابقة الفقرة الأخيرة من المادة L. 145-34 للدستور؛ ومن حيثياته أنّ للمؤجر أن يستفيد سنوياً من زيادة 10٪ من بدل السنة السابقة حتى بلوغ القيمة الإيجارية الجديدة، وأنّ هذه الأحكام ليست من النظام العام فيجوز للفريقين الاتفاق على خلافها.
(24) Cons. const., décision n° 2020-887 QPC du 5 mars 2021 — مطابقة المادة L. 145-14 للدستور؛ وقد أُحيلت المسألة بموجب Cass. 3e civ., 10 décembre 2020, n° 20-40.059. ومن حيثياته أنّ المشرّع «قصد أن يتيح متابعة نشاط المستأجر وأن يحول دون تعريض قابلية استمرار المؤسسات التجارية والحرفية للخطر»، فتوخّى هدفاً من أهداف المصلحة العامة.
(25) Cons. const., décision n° 2018-743 QPC du 26 octobre 2018، وهي من التطبيقات المستقرّة للقاعدة المبدئية: «Il est à tout moment loisible au législateur… de modifier des textes antérieurs ou d’abroger ceux-ci en leur substituant, le cas échéant, d’autres dispositions», مع الضابط المتعلّق بالأوضاع المكتسبة قانوناً والمصلحة العامة الكافية.
(26) القانون رقم 11 تاريخ 12 حزيران 2025 المتعلق بالإيجارات للأماكن غير السكنية، ولا سيّما المادة 10 منه.
(27) المجلس الدستوري اللبناني، القرار رقم 5 تاريخ 20 أيار 2025 (عدم نفاذ القانون لعدم مراعاة أصول الإصدار ولانقضاء مهلة الشهر الممنوحة لرئيس الجمهورية قبل النشر).
(28) المجلس الدستوري اللبناني، القرار رقم 15 تاريخ 22 تموز 2025 (ردّ الطعن في الأساس مع إبطال الفقرة (د) من المادة 10 لغموضها في تحديد نسبة التناقص في التعويض وعدم تمييزها بين فئات المستفيدين من التمديد).
(29) القانون رقم 24 لسنة 2025 المعدِّل للقانون رقم 11 لسنة 2025، المقرّ في جلسة 31 تموز 2025 والمنشور في 21 آب 2025: رفع مهل التمديد إلى خمس وستّ وسبع وثماني سنوات بحسب الفئات؛ تدرّج بدل المثل بنسب 30٪ و40٪ و50٪ و60٪ ثمّ البدل الكامل؛ وبقاء الدعاوى المقدَّمة قبل نفاذ القانون خاضعةً لأحكام القوانين التي أُقيمت بموجبها.
(30) المجلس الدستوري اللبناني، القرار رقم 6/2014 تاريخ 6 آب 2014: إبطال المادتين 7 و13 والفقرة (ب-4) من المادة 18 من قانون الإيجارات، وهي المتعلقة باللجنة المكلّفة تحديد بدل المثل وبالنظر في استفادة المستأجرين ذوي الدخل المحدود من الصندوق؛ ومن حيثياته وصف قوانين الإيجار القديمة بأنّ ما حصل طيلة أكثر من سبعين سنة «هو تعسّف مستمرّ في الحدّ من حقّ الملكية من خلال قوانين استثنائية متمادية التعرّض لحرّية التعاقد».
(31) الدستور اللبناني، المادة 15.
(32) القانون رقم 2 تاريخ 28 شباط 2017 (تعديل قانون الإيجارات): التمديد لتسع سنوات ولاثنتي عشرة سنة للمستفيدين من تقديمات الصندوق مع تدرّج بدل المثل؛ المادة 22 في التعويض عند الاسترداد للضرورة العائلية أو للهدم والبناء؛ المادة 34 في حالات إسقاط حقّ التمديد؛ والأفضلية المقرَّرة للمستأجر في الإفادة من قروض المؤسسة العامة للإسكان ومصرف الإسكان.
(33) قوانين الإيجارات الاستثنائية المتعاقبة، ومنها القانون رقم 1977/7 والقانون رقم 1982/20 والقانون رقم 92/160، وهي مصدر التمديد القسري المتجدّد للعقود المعقودة قبل 23 تموز 1992.
قائمة المراجع
أولاً — النصوص التشريعية اللبنانية
– الدستور اللبناني، المادة 15.
– المرسوم الاشتراعي رقم 11 تاريخ 11 تموز 1967 (المؤسسة التجارية)، معدَّلاً بالمرسوم الاشتراعي رقم 97 تاريخ 30 حزيران 1977.
– قانون التجارة البرية اللبناني، المادتان 40 و41 (ملغاتان بالمرسوم الاشتراعي 1967/11).
– القانون رقم 7 لسنة 1977، والقانون رقم 20 لسنة 1982، والقانون رقم 160 لسنة 1992 (قوانين الإيجارات الاستثنائية).
– القانون رقم 2 تاريخ 28 شباط 2017 (تعديل قانون الإيجارات — الأماكن السكنية).
– القانون رقم 11 تاريخ 12 حزيران 2025 (الإيجارات للأماكن غير السكنية).
– القانون رقم 24 لسنة 2025 المعدِّل للقانون رقم 11 لسنة 2025.
ثانياً — النصوص التشريعية الفرنسية
– Décret n° 53-960 du 30 septembre 1953 réglant les rapports entre bailleurs et locataires en matière de renouvellement des baux à loyer d’immeubles ou de locaux à usage commercial, industriel ou artisanal.
– Ordonnance n° 2000-912 du 18 septembre 2000 relative à la partie législative du code de commerce.
– Code de commerce, articles L. 145-1 à L. 145-60 (chapitre V : Du bail commercial).
– Loi n° 2014-626 du 18 juin 2014 relative à l’artisanat, au commerce et aux très petites entreprises (loi « Pinel »).
– Loi n° 2015-990 du 6 août 2015 ; Loi n° 2018-1021 du 23 novembre 2018 ; Ordonnance n° 2023-393 du 24 mai 2023.
– Loi n° 2026-403 du 26 mai 2026 de simplification de la vie économique, articles 61 à 63.
ثالثاً — المقال موضوع الردّ والمصادر الصحفية والتحليلية
– أديب زخور، «قانون الايجارات غير السكني يتطلب تعديلاً عاجلاً وهذه هي المخالفات للقانون والمجلس الدستوري الفرنسي»، مجلة محكمة، 14 آب 2026.
– تقارير صحفية عن جلسة مجلس النواب في 31 تموز 2025 وعن مضمون التعديلات وفئات المستأجرين ومهلها.
قائمة الاجتهاد
أولاً — الاجتهاد الدستوري اللبناني
– المجلس الدستوري، القرار رقم 2014/6 تاريخ 6 آب 2014 (قانون الإيجارات؛ إبطال المادتين 7 و13 والفقرة ب-4 من المادة 18؛ التوازن بين حقّ الملكية والحقّ في السكن؛ وصف قوانين التمديد بأنّها تعسّف مستمرّ في الحدّ من حقّ الملكية).
– المجلس الدستوري، القرار رقم 2014/5 تاريخ 13 حزيران 2014 (عدم نفاذ قانون الإيجارات لعيبٍ في النشر).
– المجلس الدستوري، القرار رقم 5 تاريخ 20 أيار 2025 (عدم نفاذ قانون الإيجارات للأماكن غير السكنية لعيبٍ في أصول الإصدار).
– المجلس الدستوري، القرار رقم 15 تاريخ 22 تموز 2025 (ردّ الطعن في قانون الإيجارات للأماكن غير السكنية مع إبطال الفقرة (د) من المادة 10).
ثانياً — الاجتهاد الدستوري الفرنسي
– Cons. const., décision n° 2020-837 QPC du 7 mai 2020, Société A.D-Trezel — conformité du dernier alinéa de l’article L. 145-34 du code de commerce.
– Cons. const., décision n° 2020-887 QPC du 5 mars 2021 — conformité de l’article L. 145-14 du code de commerce (indemnité d’éviction non plafonnée).
– Cons. const., décision n° 2018-743 QPC du 26 octobre 2018 — formule de principe sur la faculté du législateur de modifier ou d’abroger les textes antérieurs et sur la protection des situations légalement acquises.
ثالثاً — اجتهاد محكمة النقض الفرنسية
– Cass. 3e civ., 10 décembre 2020, n° 20-40.059 — renvoi de la QPC relative à l’article L. 145-14 du code de commerce.
“محكمة” – السبت في 2026/8/15


