مقالات
مخاطر ومساوئ تعاطي الشأن العام في لبنان/ناضر كسبار
ناضر كسبار (نقيب المحامين في بيروت سابقاً):
لم يكن الكاتب والاديب سعيد تقي الدين على خطأ عندما قال عن الرأي العام إنّه بغل كبير. إذ أحياناً يتحوّل إلى قوّة عمياء لا تفكر ولا تحلل. تنقاد بلا وعي ومن دون تفكير واضح ومنطقي.
لفتني في كل حفلة تعيينات، سواء وزارية أو إدارية أو دبلوماسية أو غيرها (وركزوا على كلمة حفلة)، أنّ هناك من يبدأ بإطلاق الاشاعات أو الخبريات ضد من ترد أسماؤهم، لدرجة أنّني قرأت مرّة لأحد الظرفاء ما كتبه حول هذا الموضوع فقال: إذا أردت نبش سجّل أحدهم، أو التشهير به، أو بهدلته، أذكر اسمه بأنه مطروح لهذا المنصب أو المركز، وسوف تقرأ عشرات التعليقات التي تنسب إليه أعمالاً وأقوالاً، منها ما هو صحيح ومنها ما هو غير صحيح وكاذب.
في لبنان، الرأي العام في غالبيته مضلل. وما يساعد على التضليل هي وسائل التواصل الاجتماعي التي ترمي الاشاعات والخبريات ولا من يحاسب. ونخشى أن تكون قساوة قانون الإعلام الأخير بسببها. بعضها يستعمل ألفاظاً وعبارات مهينة ضدّ المسؤول وضدّ من يتعاطى في الشأن العام والشغل العام، خصوصاً إذا كان هناك من يعمل بصدق وإخلاص، وأخطأ في أمر بسيط جدّاً جدّاً تقوم القيامة عليه. فالمثل الفرنسي الذي نستشهد به دائماً واضح لهذه الجهة:
Celui qui ne fait rien ne fait pas d’erreur
فالذي لا يعمل لا يخطئ. ونخشى ان يضطر المسؤول الى التخفيف من نشاطه وعدم اتخاذ أيّ قرار في المعاملات التي ترده، خوفاً من إتهامه بالخطأ أو بالرشى أو بمخالفة القانون، خصوصاً وأنّ الجهات النافذة في بلد مثل لبنان، الحزبية وغير الحزبية، لا تتوقف عن المطالبة بإنجاز معاملات مناصريها والتي قد تكون بمعظمها غير مستوفية الشروط.
منذ حوالي الخمس عشرة سنة، وفي زيارة إنتخابية إلى صيدا، وبحكم وجودي في قصر العدل، طلب مني الزميل العزيز اسكندر حداد زيارة زميل دراسته في المدرسة والجامعة القاضي أنطوان فرحات وكان يشغل مركز مدعي عام صيدا. فوجئت بقوله إنّه طلب نقله ليصبح قاضياً في التفتيش القضائي، معلناً عن استيائه من بعض تصرّفات المحامين والمتقاضين. مضيفاً: إذا تركت المدعى عليه تقوم القيام عليّ، وإذا أحلته موقوفاً أمام قاضي التحقيق أو القاضي المنفرد الجزائي تقوم القيامة أيضاً. أريد أن أذهب إلى التفتيش لأرتاح. وهذا ما حصل وتم تعيينه في التفتيش القضائي.
وحول قساوة المواقف ضد من يتعاطى الشأن العام. كان النائب المرحوم اوغست باخوس يردد دائماً أمامي بأن الرأي العام لا يرحم مهما فعل المسؤول. وأحياناً يشمل جميع المسؤولين من دون تفريق ويجعلهم متساوين غير آبهين بالآية الكريمة: وهل يتساوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟ وكنت أراقب طوال مدة وجودي معه في المكتب والتي تجاوزت الثماني والثلاثين سنة، كيف كان يتابع شؤون أبناء منطقته في المتن الشمالي من دون كلل او ملل. وكانت لديه عادة معروفة وهي الطلب من طالب الخدمة أن يرافقه إلى المرجعية المختصة ليسمع بنفسه الجواب، وما اذا كانت معاملته قانونية أم لا. وفي هذا المجال، كان أحد أبناء المنطقة محتجزاً في أواخر الثمانينات في العراق. فذهب مع والده للقاء السفير في مركز السفارة في يسوع الملك، وهي الفيلا العائدة حالياً للسيدة النائب ستريدا جعجع. واجتمعا مع السفير، الذي أبلغهما أنّ هناك حكماً قضائياً بحق الشاب. وبعد اتفاق الطائف، قامت مظاهرة تحت مكتبنا قبل تفجيره، وكان الوالد على رأس المظاهرة. وإذا دخلنا في باب الأمثلة، فهناك الآلاف منها على مر السنوات. فالقاضي السابق عباس الحلبي، المعروف بوطنيته واعتداله وصدقه وشفافيته، عُين وزيراً للتربية. وكان كلما اتخذ قراراً مهما كان نوعه، نجد من يؤيده ويمدحه، ومن يلصق به عبارات مهينة هو بغنى عنها لو لم يكن وزيراً.
والامر ذاته يحصل حالياً مع وزير الدفاع اللواء ميشال منسى. فأنا اعرفه منذ أكثر من أربعين سنة يوم كان لا يزال ملازماً في الجيش اللبناني، وكنا نزوره في قاعدة المطار لأنّه ضابط طيار، ونزوره في منزله في زوق مصبح لنودعه يوم كان يخضع لدورات أركان في ايطاليا، ونستقبله لدى عودته. وكنا نلقبه بقديس الجيش اللبناني. وكذلك في حياته الخاصة الجميع يحبه ويحترمه. وهو غير تابع لأحد وكان في العهد الماضي سيُعين وزيراً للدفاع ولم ينجح الأمر، فعينه الرئيس الحالي وزيراً للدفاع وهو الذي يعرف شفافيته وكفاءته. طلب منه التوجه الى إيران لتقديم التعازي بوفاة المرشد. انتقوا له صورة يبدو فيها حزيناً لأنّ الإنسان يمر خلال فترة دقيقة بتعابير على الوجه يبدو فيها مبتسماً أو متجهماً أو عابساً أو حتى كأنه يبكي. ليبدأ البعض باستعمال مئات العبارات المهينة بحقه وكأنه أحد أقرباء المرشد. ولأنّه حصل سوء تفاهم بخصوص إلقاء كلمة في البرلمان، قامت القيامة عليه واستعملوا ضده الألفاظ النابية وبسخرية لا مبرر لها على الاطلاق. وعندما التقى الرئيس سلام في الجنوب، عادت السخرية وكأنه كان يقوم بتمثيلية للإعراب عن محبته للجيش اللبناني.
نعم. هذه هي مخاطر ومساوئ تعاطي الشأن العام في بلد مثل لبنان، كيفما تصرف المسؤول الآدمي (وانا اتكلم في هذه المقالة عن الأوادم واصحاب الكفاءة وليس عن غيرهم)، سوف يلصقون به النعوت التي تدل على سوء تربية المعلقين بحيث باتت وسائل التواصل الاجتماعي تفضحهم وتفضح سؤ تفكيرهم وسخافتهم.
فهل المطلوب من اصحاب الكفاءة والصادقين الابتعاد عن تحمل المسؤوليات. وهل يكون التطنيش مفيداً في مثل هذه الحالات؟
“محكمة” – الاثنين في 2026/8/24



