مقالات

أهمية العمل في الصباح الباكر: الذهب في فمه/ناضر كسبار

ناضر كسبار (نقيب المحامين في بيروت سابقاً):
منذ الصغر كانت نصائح اهلنا بعدم السهر للتمكن من الاستيقاظ باكراً، ويرددون دائماً المثل الفرنسي Le monde appartient à celui qui se lève tôt ما معناه العالم لمن يستيقظ مبكراً. اذ ان من يبدأ عمله في الصباح الباكر تكون له الفرص الكبيرة في تحقيق اهدافه، ومن الاستفادة من وقت اطول مع صفاء ذهني واضح. فالامل والبدايات الجميلة يمنحها الصباح، لأنّ من يبادر في الصباح يدرك فرصته قبل غيره. ففي الصباح قد تكون هناك فرص للعمل لا يدركها من يصل متأخراً. فمنذ بدء تدرجي، كنت احضر الى المكتب الساعة السادسة صباحاً، فأحضر ملفاتي، واكتب اللوائح والاستداعاءات ومن ثم انطلق لحضور الجلسات.
وبعض الزملاء يحضرون الى قصور العدل في السابعة صباحاً، ومنهم الزميل النشيط جداً اندريه نهرا، فينجزون اعمالهم بسرعة قصوى من دون عجقة او منافسة على الافضلية في انجاز المعاملات. ومقابل العبارة الفرنسية اعلاه، عبارة انكليزية بالمعنى عينه The early bird catches the worm.
من يبدأ عمله باكراً، يسبق غيره ويكون اوفر حظاً في النجاح. والمثل الشعبي يجسد هذه النظرية بقوله:”البكور بركة”.
وفي هذا المجال، كان معالي النقيب ادمون كسبار يستيقظ في الصباح الباكر، ويبدأ بكتابة لوائحه في منزله في الثالثة صباحاً. والقاضي المرحوم الياس نمور، يوم كان رئيساً لمحكمة جنايات جبل لبنان كان ينام في تمام الساعة السادسة مساء ويستيقظ الساعة الواحدة صباحاً بعد منتصف الليل، ويبدأ بكتابة الاحكام التي كانت تأتي مدروسة وتصح بأن تشكل اجتهاداً مهماً للمحاكم. والامر ذاته مع القاضي المرحوم عاطف النقيب والمحامي المرحوم سليم عثمان. فالجيل القديم كان ينام باكراً ويستيقظ في الصباح الباكر على طريقة: نام بكير وقوم بكير وشوف الصحة كيف بتصير.
اليوم تغيرت العادات، وبات السهر موضة. روى لنا المحامي الالمعي المرحوم عيسى صقر انه عاد الى المنزل بعد العشاء عند الساعة الثانية عشرة ليلاً مع زوجته فوجد إبنه مرتدياً ثيابه فبادره قائلاً: برافو Papi  رجعت اليوم بكير. فاجابه إبنه:  No Papiهلق رايح عالسهرة وهذا ما يحصل مع ابنائنا من الجيل الجديد.
اليوم ارسلت في الصباح الباكر مقالتي في صحيفة الديار حول السفير ميشال عيسى واندماجه في المجتمع اللبناني، الى الصديق العزيز رجل الاعمال في ليبيريا شوقي قدوح. فاتصل بي وهنأني انني استيقظ في الصباح الباكر، وروى لي انه عندما كان لا يزال تلميذاً في مدرسة العاملية في بيروت، كان يذهب الى المدرسة مشياً على الاقدام لقربها من منزله. وانه كان يقرأ يافطة صغيرة على باب باتيسري مكتوب عليها: ألذهب في فم الصباح.
ليتنا نعود الى عادات ايام زمان، ونخفف السهر مع ما يجلبه من حوادث وتضعضع في التفكير، ونعود الى نقاوة الصباح مع كل شروق شمس.
“محكمة” – الأحد في 2026/8/23

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!