علم وخبر

في يوم المحامي نحمل بجرأة الحقيقة والعدالة كما حملوها زملاء لنا للدفاع عن ملك فرنسا حتى الموت/اديب زخور

اديب زخور:
في يوم المحامي تتطلع أنظارنا نحو شجاعة بعض المحامين الذين طبعوا التاريخ بجرأتهم واستقلال ضميرهم، حين يصبح الدفاع عن المتهم موقفًا محفوفًا بالخطر، وحين تكون العدالة امتحانًا حقيقيًا لا مجرد كلمات في قاعة المحكمة.
إنها قصة الملك لويس السادس عشر والمحامين الذين تولّوا الدفاع عنه معنويًا وقانونيًا في أحلك أيام الثورة الفرنسية، والتفصيل الأهم الذي يمنح الوقائع بعدها الإنساني والقانوني والمناقبي: لم يكن الدفاع عن الملك مجرد قضية قانونية عادية، بل كان دفاعًا عن حق الإنسان في أن يُسمع صوته، حتى عندما يصبح المتهم مكروهًا لدى السلطة السياسية السائدة.
حين يصبح الدفاع عن المتهم بطولة… من محاكمة لويس السادس عشر إلى رسالة المحاماة
أيها الزميلات والزملاء،
تخيّلوا أنكم تعيشون في باريس، في كانون الأول من عام 1792. الثورة الفرنسية في ذروتها، والملك الذي حكم البلاد سنوات طويلة أصبح سجينًا، والشارع يطالب برأسه، والمجلس الذي سيحاكمه هو نفسه مجلس سياسي يعيش تحت ضغط الثورة. وقد تكرر مع اي زميل في القضايا التي يتوكل عنها ولو بمستويات مختلفة،
في تلك اللحظة، لم يعد لويس السادس عشر ملكًا يتمتع بسلطانه، بل صار متهمًا يُحاكم باسم الشعب الفرنسي. ولم تكن القضية تتعلق بمصير رجل واحد فحسب، بل كانت تطرح سؤالًا خطيرًا: هل يستطيع المتهم أن يحصل على دفاع حقيقي، حتى عندما يكون الرأي العام قد أصدر حكمه مسبقًا؟
هنا يبرز اسم المحامي ريمون دو سيز (Raymond de Sèze)، ومعه رجلان من كبار رجال القانون، هما فرانسوا ترونشيه (François Tronchet) ومالزيرب (Malesherbes)، الذي كان قد تولّى مناصب رفيعة في الدولة الفرنسية.
والأكثر إثارة أن مالزيرب لم يكن يجهل الخطر الذي يواجهه. فقد تطوّع للدفاع عن الملك في وقت كان فيه هذا الموقف يُعدّ مغامرة قد تكلّفه حياته. لم يكن يجهل أن موكّله قد يُعدم، لكنه اعتبر أن واجبه لا يسقط لأن القضية خطرة، ولا لأن الدفاع عن صاحبها أصبح مكروهًا.
وهنا تبدأ العبرة التي تخصّنا نحن المحامين.
في 26 كانون الأول 1792، وقف ريمون دو سيز أمام المؤتمر الوطني ليترافع عن الملك. لم يكتفِ باستدرار العطف، بل تناول الاتهامات، وناقش المسؤولية القانونية، وتمسّك بالضمانات الدستورية، وحاول أن يفصل بين الوقائع المثبتة والاتهامات التي رأى أن الدليل عليها غير كافٍ.
وفي مستهل مرافعته، وردت عبارته الشهيرة:
“أيها المواطنون، سأكلّمكم بصراحة رجل حرّ: أبحث بينكم عن قضاة، فلا أرى إلا متّهمين!”
كانت هذه العبارة مواجهةً مع خطر أن تتحوّل المحاكمة إلى إدانة مقرّرة سلفًا، بدل أن تكون بحثًا في الوقائع والأدلة والقانون.
لكن المرافعة، مهما بلغت قوتها، لم تغيّر النتيجة. ففي كانون الثاني 1793، حكم المؤتمر الوطني بإعدام لويس السادس عشر، ونُفّذ الحكم في 21 كانون الثاني في ساحة الثورة، المعروفة اليوم بساحة الكونكورد.
وهنا يجب أن نتوقف عند حقيقة تاريخية لا تقلّ أهمية عن المحاكمة نفسها: لم يُعدم المحامون الثلاثة مع الملك. غير أن مالزيرب، الذي خاطر بالدفاع عنه، اعتُقل لاحقًا، وأُعدم بالمقصلة في 22 نيسان 1794 مع عدد من أفراد أسرته. وكان دفاعه عن الملك جزءًا بارزًا من سيرته، وإن لم يكن السبب الوحيد الذي أُدين على أساسه.
أيها الزملاء،
إن قيمة هذه القصة لا تكمن في أن الملك كان محقًا في كل ما فعل، ولا في أن المحامي يستطيع دائمًا إنقاذ موكّله من العقوبة. فقيمة المحاماة أعمق من نتيجة الحكم.
إنها تكمن في أن المحامي لا ينتظر شعبية القضية كي يدافع عنها، ولا يقيس حق المتهم بمقدار محبّة الناس له أو كراهيتهم إياه. إنه يطالب بأن تُفحص الوقائع، وأن يُحترم القانون، وأن يُمنح الدفاع فرصته، وأن تبقى المحاكمة محاكمةً لا انتقامًا.
فالمحامي لا يَعِد موكّله دائمًا بالنجاة، لكنه مدعوّ إلى ألّا يتركه وحيدًا أمام سلطة الاتهام.
وفي عيد المحامين، لعلّ الدرس الأهم الذي نستخلصه من تلك المحاكمة، بعد أكثر من قرنين، هو أن استقلال المحامي ليس امتيازًا شخصيًا، بل ضمانة للعدالة؛ وأن كرامة المهنة لا تُقاس بالقضايا السهلة التي نربحها، بل أيضًا بالقضايا الصعبة التي نجرؤ على تحمّل مسؤولية الدفاع فيها.
فحين يصبح الدفاع خطرًا، تظهر حقيقة الشجاعة. وحين يصبح المتهم او المدعى عليهم مكروهين ولا يطبق عليهم القانون بعدالة كما نرى في الكثير من الحالات، تظهر حقيقة الاستقلال. وحين يشتد ضغط السياسة والجمهور، يظهر الفرق بين محاكمة تبحث عن الحقيقة ومحاكمة تبحث عن إدانة.
تحية إلى المحامي الذي يدافع عن حق موكّله، وإلى المحامي الذي يواجه الظلم بالحجّة، وإلى كل محامٍ يؤمن بأن العدالة لا تكون عدالةً إلا إذا أُعطي الدفاع مكانه الكامل.
عيد محاماة يليق برسالة المحامي: أن يبقى صوت القانون حاضرًا، حتى عندما تعلو الأصوات كلّها فوقه.
المراجع التاريخية:
• وزارة العدل الفرنسية- محاكمة لويس السادس عشر

https://www.justice.gouv.fr/actualites/actualite/proces-louis-xvi
Ministère de la justice

• الجمعية الوطنية الفرنسية: محاكمة لويس السادس عشر وإعدامه.
https://www.assemblee-nationale.fr/dyn/histoire-et-patrimoine/revolution-francaise/proces-et-execution-de-louis-xvi

Assemblée nationale الأكاديمية الفرنسية: سيرة مالزيرب ووفاته
https://www.academie-francaise.fr/eloge-de-chretien-guillaume-lamoignon-malesherbes-lun-des-quarante-de-lacademie-francaise-lu-en
“محكمة” – السبت في 2026/10/10

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!