المجلس الدستوري اللبناني يرسم حدود التسوية بين العدالة والإنسانية في قانون العفو/سحر محسن
المحامية الدكتورة سحر سمير محسن (دكتوراه في القانون الجنائي الدولي – دكتوراه في العلوم السياسية- محاضرة في الجامعة الإسلامية – محامية في الاستئناف):
(قراءة في قرار المجلس الدستوري اللبناني رقم 2026/12، الصادر في 12 تشرين الأول 2026، بشأن الطعن بالقانون رقم 2026/70 المتعلق بمنح عفو عام وتخفيض مدة العقوبات بصورة استثنائية)
يُعدّ المجلس الدستوري اللبناني، الذي أُنشئ فعلياً عام 1993 استناداً إلى المادة 19 من الدستور المعدّلة في 21 أيلول 1990، بموجب القانون رقم 250 الصادر في 14 تموز 1993، إحدى الضمانات الأساسية لاحترام مبدأ سمو الدستور، من خلال رقابته على دستورية القوانين. وتكتسب هذه الرقابة أهمية خاصة في مجال العفو العام، حيث يتعين التوفيق بين الاعتبارات الإنسانية ومقتضيات العدالة الجنائية وحماية حقوق الضحايا، بما يمنع تحول العفو إلى وسيلة للإفلات من المساءلة.
في قرار دستوري بارز صدر في 12 تشرين الأول 2026، وضع المجلس الدستوري اللبناني ضوابط جديدة لتطبيق قانون العفو العام رقم 70 الصادر في 4 أيلول 2026، ويثبت المجلس من جديد أنه آلية رقابية قانونية يمارس عمله بموضوعية بعيدأ عن التجاذبات السياسية. هذا القرار، الذي صدر بالإجماع، لم يتجه إلى إبطال القانون بكامله، كما طلب النواب الطاعنون، بل انتهى إلى إبطاله جزئيًا وإخضاع عدد من أحكامه لتحفظات تفسيرية ملزمة. وتكمن أهمية القرار في أنه لا يتعامل مع العفو العام بوصفه امتيازًا تشريعيًا مطلقًا، ولا ينكر في المقابل قدرة الدولة على اتخاذ تدابير استثنائية لمعالجة أزمات قضائية وإنسانية مزمنة. إنما يضع هذه الصلاحية ضمن إطار دستوري يوازن بين المصلحة العامة، والمساواة أمام القانون، وحماية الحقوق، وضرورة بقاء المساءلة هي الأصل والعفو استثناءً.
التذرع بأزمة السجون لا يبرر تجاوز الدستور
استند القانون المطعون فيه، وفق أسبابه الموجبة، إلى معالجة التأخير المزمن في إصدار الأحكام الجزائية، واحتجاز الموقوفين مددًا طويلة، واكتظاظ السجون وسوء أوضاع أماكن التوقيف، بما يمس كرامة الإنسان ومعايير معاملة السجناء. وهي أهداف اعتبر المجلس الدستوري أنها مشروعة، وترتبط بحسن سير العدالة وصون الكرامة الإنسانية.
غير أن المجلس ميّز بوضوح بين مشروعية الغاية وسلامة الوسائل المعتمدة لتحقيقها. فوجود أزمة قضائية وإنسانية لا يمنح المشرّع صلاحية غير محدودة في تحديد الجرائم المشمولة بالعفو أو في إسقاط آثار قانونية تتجاوز نطاق الدعوى الجزائية. كما أن معالجة التأخير في المحاكمات لا ينبغي أن تؤدي إلى إلغاء دور القضاء أو الانتقاص من حقوق المتضررين.
الفساد خارج مظلة العفو
ربط المجلس تفسيره بالالتزامات الدولية للبنان، ولا سيما اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد واتفاقية مكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية. وبذلك، لم يكتفِ بقراءة حرفية لبعض الاستثناءات الواردة في القانون، بل اعتمد قراءة متكاملة لأحكامه، تمنع استخدام الغموض التشريعي لتوسيع نطاق العفو عن جرائم أراد المشرّع استبعادها. لذلك رفض حصر الجرائم المستثناة من العفو بما ورد تحديدًا في البندين التاسع والعاشر من المادة الثانية من القانون، وقرر أن الاستثناء يشمل جميع جرائم الفساد المنصوص عليها في القوانين اللبنانية والاتفاقيات الدولية التي التزم بها لبنان، سواء وقعت في القطاع العام أو القطاع الخاص.
ولا يقتصر هذا الاستثناء على الموظف العام وحده، بل يمتد إلى جميع المتورطين في الجريمة، أياً كانت صفتهم أو أدوارهم، بما في ذلك الشركاء والوسطاء والراشون والمستفيدون. فالقول بخلاف ذلك قد يؤدي إلى نتيجة غير متوازنة، يستفيد بموجبها أحد أطراف جريمة الفساد من العفو بينما يبقى الطرف الآخر خاضعًا للملاحقة عن الفعل نفسه.
الجرائم الدولية وقوانين العفو
امتد القرار إلى تحديد حدود العفو في ضوء قواعد القانون الدولي وحماية الحقوق الأساسية. فقد قرر المجلس أن كل فعل يشكل جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية أو تعذيبًا أو إخفاءً قسريًا يبقى خارج نطاق العفو.
ويعكس هذا الموقف إدراكًا للفارق بين العفو الذي قد تلجأ إليه الدولة لمعالجة أوضاع اجتماعية أو قضائية استثنائية، وبين منح إعفاء من المسؤولية عن أفعال بالغة الخطورة ترتبط بالتزامات الدولة في التحقيق والملاحقة. فليس كل ما يستطيع المشرّع إدراجه في قانون العفو يمكن أن يصمد بالضرورة أمام مقتضيات الدستور والمواثيق الدولية.
حقوق الضحايا
وفي السياق نفسه، حافظ القرار على التمييز بين إسقاط الدعوى العامة أو العقوبة الجزائية من جهة، والحقوق الشخصية والتعويضات المستحقة للمتضررين من جهة أخرى. كما وضع حدودًا لتأثير العفو في القرارات الإدارية الصادرة بحق الموظفين، فحصر إسقاطها بالتدابير التي تشكل نتيجة مباشرة للمالحقة أو الإدانة الجزائية المعفو عنها، مستبعدًا العقوبات التأديبية المستقلة، مع صون حقوق الغير.
وهنا تتضح إحدى أهم نتائج القرار: العفو لا يعني محو جميع الآثار القانونية للفعل، ولا يجوز أن يتحول إلى وسيلة لإعادة ترتيب المراكز القانونية على حساب أشخاص لم يشملهم العفو أو على حساب حقوق ثبتت لهم بموجب القانون.
بين سلطة المشرّع ورقابة المجلس الدستوري
لم يقتصر القرار على جرائم الفساد والجرائم الدولية، بل تناول عددًا من أوجه الغموض في القانون، وأخضعها لتحفظات تفسيرية ملزمة. ومن ذلك توحيد الحد الزمني للجرائم المشمولة بالعفو عند الأول من آذار 2026، وإزالة عبارة كانت تربط بعض جرائم المخدرات بتاريخ صدور القانون، فضلًا عن توضيح مفهوم التكرار الذي يشترط فيه وجود حكم قضائي سابق مبرم وليس مجرد مباشرة الملاحقات، ونطاق استثناء جرائم المخدرات المرتكبة من العسكريين وعناصر المؤسسات الأمنية، ومعنى الجرائم الخاضعة للملاحقة وجرائم التزوير.
كذلك عالج المجلس أحكام تخفيض العقوبات، فقرر أن تطبيق القانون لا يعيد إحياء عقوبة الإعدام التي ألغيت بموجب القانون رقم 68/2026، وحدد كيفية تطبيق التخفيض على المحكومين الذين استُبدلت عقوبة الإعدام بحقهم بالأشغال الشاقة المؤبدة. وأبطل أيضًا عبارة تربط استفادة بعض المحكومين في جرائم القتل المشددة باتخاذ صفة الادعاء الشخصي قبل الأول من آذار 2026، لما تنطوي عليه من إخلال بالمساواة بين المتضررين.
وتكشف هذه المعالجات عن اعتماد المجلس الدستوري وسيلة تتجاوز الاختيار الثنائي بين إبطال القانون بكامله والإبقاء عليه دون قيود. فقد أبقى على جوهر التشريع حيث أمكن تفسيره بما يتفق مع الدستور، وأبطل أجزاء محددة منه حين رأى أن المخالفة لا يمكن معالجتها بمجرد التفسير.
قرار تاريخي يتجاوز قانون العفو
إن الأهمية الحقيقية لقرار المجلس الدستوري رقم 2026/12 لا تكمن فقط في مصير المستفيدين من قانون العفو العام، بل في المبادئ التي كرّسها بشأن حدود السلطة التشريعية. فهو يذكّر بأن معالجة الأزمات الاستثنائية لا تعفي الدولة من احترام القواعد الدستورية، وأن الضرورات الإنسانية والقضائية يجب أن تُعالج بوسائل تحافظ على الثقة بالقانون بدل أن تضعفها.
كما تكمن أهمية هذا القرار أنه وضع الكرة بملعب المحاكم اللبنانية التي يجب عليها الاهتداء بهذا النهج التفسيري والحدود الموضوعية التي رسمها المجلس، بحيث أن تطبيق المحاكم لقانون العفو رقم 2026/70 وفقا لقرار المجلس الدستوري سيحقق المساواة في المعاملة القضائية ويجنبها الكثير من التناقضات التي كانت ستنتج فيما لو فسرت كل محكمة قانون العفو بشكل مختلف عن الأخرى.
“محكمة” – الاثنين في 2026/10/12



