مقالات

هذه الرحلة التي تُسمّى الحياة/ انطونيو الهاشم

انطونيو الهاشم (نقيب المحامين سابقاً):
ما أغرب هذه الرحلة التي نُسمّيها الحياة!!!
نأتي إليها من دون أن نختار موعد الوصول، ونسير في دروبها من دون أن نعرف إلى أين تقودنا، ثم نغادرها من دون أن نستأذن أحداً. وبين مجيءٍ لا نذكره ورحيلٍ لا نعرفه، نمضي أعمارنا باحثين عن معنى، عن حبّ، عن طمأنينة، وعن شيءٍ لا نعرف اسمه، لكنّنا نشعر دائماً أنّه ينقصنا.
نولد وأيدينا فارغة، فنقضي العمر نحاول ملأها، ولا ندرك إلّا متأخّرين أنّ أجمل ما في الحياة لا تستطيع اليد أن تقبض عليه، حبٌّ صادق، وحنينٌ إلى غائب، وراحةُ ضمير، وذكرى لا تموت.
في بداية الرحلة، نظنّ أنّ الوقت ملك أيدينا. نستعجل أن نكبر، وأن ننجح، وأن نملك، وأن نصل. ثم نكتشف أنّنا كلّما بلغنا غايةً لاح لنا أفقٌ آخر. نقضي النصف الأوّل من العمر نركض وراء المستقبل، والنصف الثاني نلتفت إلى الماضي، وفي زحمة الركض والالتفات يفلت منّا الحاضر، وهو وحده الحياة التي نملك.
وما أعجب الإنسان! يُتعب نفسه ليجمع ما قد لا يحتاج إليه، ويؤجّل فرحه إلى يومٍ قد لا يأتي، ويُبدّد وقته كأنّ العمر قابلٌ للاسترداد. ثم يكتشف أنّ الكلمات التي لم يقلها كانت أهمّ من الخطب التي ألقاها، وأنّ الأيدي التي لم يمسك بها كانت أثمن من المكاسب التي سعى إليها.
في هذه الرحلة، نلتقي وجوهاً كثيرة. بعضها يعبر حياتنا فلا يترك إلّا ظلاً عابراً، وبعضها يدخل أعماقنا ويقيم فيها إلى الأبد. فليس كلّ من رافقنا بقي معنا، وليس كلّ من غاب رحل عنّا. ثمّة أشخاص يعيشون فينا أكثر ممّا عاشوا معنا، وغائبون يملأون الأمكنة بحضورهم أكثر من الأحياء.
ونتعلّم أنّ الحبّ ليس امتلاكاً، وأنّ الوفاء ليس كلاماً يُقال، بل ذاكرةٌ لا تخون وقلبٌ لا يتنكّر. وأنّ الألم ليس دائماً عدوّاً، ولا الخسارة دائماً هزيمة، فبعض الانكسارات تفتح في الروح نوافذ لم نكن نعرف بوجودها.
ومع مرور السنوات تتبدّل نظرتنا إلى الأشياء. ما كان يُدهشنا في الشباب يصبح عادياً، وما كنّا نعدّه عادياً يغدو مع الزمن معجزةً صغيرة. نكتشف أنّ السعادة ليست حدثاً عظيماً ننتظره، بل لحظاتٌ بسيطة كنّا نعبرها من دون أن ننتبه إليها، وأنّ الغنى الحقيقي ليس في وفرة ما نملك، بل في قلّة ما نحتاج إليه.
ومع مرور الزمن ، تتغيّر الأسئلة. لا نسأل كم ربحنا، بل ماذا بقي ممّا ربحناه؟ ولا كم شخصاً عرفنا، بل من أحبّنا بصدق؟ ولا كم باباً فُتح أمامنا، بل كم قلباً فتحناه بحضورنا؟
ولعلّ أعمق ما في هذه الرحلة أنّنا نمضيها محاولين فهم الحياة، فإذا بنا في نهاية المطاف نحاول فهم أنفسنا.
من نحن حقّاً؟ أَنحن ما حقّقناه، أم ما حلمنا به؟ أَنحن ما أظهرناه للناس، أم ما أخفيناه في صمتنا؟ أَنحن انتصاراتنا، أم تلك الجراح التي لم يرها أحد؟
ثم تأتي الحقيقة التي نهرب منها ، أنّنا نعيش وكأنّ الموت شأن الآخرين، إلى أن يطرق باب قريب منّا، فنكتشف هشاشة كلّ ما حسبناه ثابتاً.
كم من كلمة حبٍّ تأخّرت حتّى صار قولها مستحيلاً! وكم من اعتذارٍ ابتلعه الكبرياء فأصبح ندماً! وكم من لقاءٍ أُجّل إلى الغد، فجاء الغد من دون صاحبه!
وهنا تكمن مفارقة الإنسان ، يعرف أنّه عابر، لكنّه يعيش كأنّه باقٍ، ويعرف أنّ كلّ شيءٍ زائل، لكنّه يتعلّق بالأشياء كأنّها خالدة.
ومع ذلك، ليست الحياة مأساةً، فالموت لا ينتقص من قيمتها، بل يمنح لحظاتها فرادتها. إنّ قيمة الحياة ليست في طولها، بل في عمقها، وليست في عدد السنوات التي نضيفها إلى أعمارنا، بل في مقدار الحياة التي نضيفها إلى سنواتنا.
قد يعيش المرء عمراً مديداً ولا يترك وراءه سوى اسمه على حجر، وقد يعبر آخر سريعاً فيترك في القلوب أثراً يعجز الزمن عن محوه. فليس الخلود أن نبقى، بل أن يبقى منّا شيءٌ جميل بعد أن نرحل.
هذه هي الرحلة التي تُسمّى الحياة…
رحلةٌ تبدأ بصرخة طفل، وتمضي بين ضحكةٍ ودمعة، ولقاءٍ ووداع، وأملٍ وخيبة، وتنتهي بصمتٍ طويل .
وبين الصرخة الأولى والصمت الأخير، تُكتب حكايتنا.
فهنيئا لمن عرف أن يعيش قبل أن يموت، وأن يحبّ قبل أن يفقد، وأن يُعطي قبل أن يُسأل، وأن يترك وراءه قلوباً تذكره وعيوناً تبكيه .
فالحياة، في جوهرها، ليست ما نأخذه من هذا العالم، بل ما نتركه فيه. وما أجمل أن نغادرها، حين يحين الرحيل، وقد اطمأنّت ضمائرنا، وبقي لنا في قلب إنسانٍ مكان، وفي ذاكرة الحياة أثر.
“محكمة” – السبت في 2026/11/7

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!