مقالات

محاكم النبطية… عدالةٌ تُقاومُ على حافةِ النار/مريم الشامي

المحامي مريم الشامي:
في زمنٍ انكفأت فيه الجغرافيا تحت وطأة الحديد والنار، وتمدّد فيه الخراب على امتداد الجنوب، لم تكن الحربُ مجرّد مواجهةٍ عسكرية، بل امتحاناً قاسياً لجوهر الدولة ومعنى العدالة. هناك، حيث تفرّق الناس قسراً عن بيوتهم، بقيت قضايا المساجين والموقوفين عالقةً بين جدران القلق وأسئلة المصير، تتنازعها أروقة وزارة العدل ووجع الأهالي وقلق القضاة.
وسط هذا المشهد الملبّد، نهضت مبادرةٌ تشبه الضوء في آخر النفق. تحرّك القاضي منيف بركات، الرئيس الأول لمحاكم محافظة النبطية، بحسٍّ قضائيٍّ مشفوعٍ بضميرٍ إنساني، فكان قراره بنقل المساجين والموقوفين من ظلمات الخطر إلى فسحاتٍ أكثر أماناً، موزّعة بين رومية وصيدا وسواهما، خطوةً لم تكن إدارية فحسب، بل كانت صوناً لكرامة الإنسان في زمن الانكسار.
غير أنّ الحكاية لم تتوقف عند حدود النقل. إذ أصرّ على أن تبقى العدالة حيّةً، ولو في المنفى. فاستُحدثت غرفةٌ في قصر عدل بيروت، تحوّلت إلى نبضٍ بديل لمحاكم النبطية، تُعنى بملفات الموقوفين والمساجين، وبكل ما هو عاجلٌ وملحّ. هناك، لم يكن العمل مجرّد إجراءات، بل كان فعل مقاومةٍ هادئة، تُدار بأقلام القضاة قبل أصوات المدافع.
وفي مشهدٍ يختصر معنى الواجب، لبّى القضاة والموظفون النداء من أماكن نزوحهم، جاؤوا مثقلين بالمسافات ومرارة الفقد، لكنهم وقفوا كتفاً إلى كتف، يستقبلون المراجعات وينظمون الطلبات، يسعون لتيسير شؤون الناس ضمن حدود النصوص، دون أن يسمحوا لجمود القانون أن يخنق روحه. فكان لا بدّ من حلولٍ مرنة، كالتصريح بمحل إقامة مختار ضمن نطاق بيروت، أو القبول بالتبليغ عبر الهاتف، كي تستمر عجلة العدالة في الدوران.
وما بين جهدٍ إداري وتنسيقٍ إنساني، امتدّت الأيادي لتتواصل مع الصليب الأحمر والأجهزة الأمنية ووزارة العدل، في محاولةٍ لنقل الملفات القضائية من قصر عدل النبطية إلى بيروت، ليُبتّ فيها وفق الأصول، دون أن تُترك رهينة الفوضى أو النسيان.
إنّها ليست مجرّد قصة إدارة أزمة، بل شهادةٌ حيّة على أنّ العدالة، حين تتجذّر في ضمير من يحملها، قادرةٌ أن تصمد في وجه الحرب، وأن تفتح للناس نافذة أملٍ ولو وسط الركام.
ويبقى الرجاء معلّقاً على غدٍ يعود فيه الجنوب إلى أهله، ويعود قصر عدل النبطية ليضجّ بالحياة من جديد، وترتفع فيه أصوات المرافعات، لا كصدى بعيد، بل كنداءٍ أعلى من هدير الصواريخ، باسم الشعب اللبناني… وباسم العدالة التي لا تنكسر.
“محكمة” – الاثنين في 2026/4/6

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!