لمن يدين الرئيس بكرسيه؟ مأزق السيادة في النظام اللبناني.. أيّهما يحكم الدولة حقاً: الدستور أم صُنّاع الرؤساء؟/ آية ياسين
الدكتورة آية ياسين:
في السياسة، لا يكمُن السؤال الأخطر في: مَن يحكُم؟ بل في: لِمَن يدينُ من يحكُم؟
فالرئيس الذي يصل إلى سدة الرئاسة بإرادة شعبية حُرة، يَدين بكرسيه للشعب، فيصبح همه الأول حماية سيادة الوطن وصيانة الدستور، لأنه يعلم أن مصدر شرعيته هو المواطن، وأن نهاية ولايته يحكمها رضى الناس عنه.
أما الرئيس الذي يصل نتيجة التسويات والمحاصصات والتفاهمات الداخلية والخارجية، فإنه يجد نفسه ـشاء أم أبى مديناً لمن صنع وصوله. وهنا تبدأ المعضلة الدستورية الحقيقية، إذ تتحول الرئاسة من موقع سيادي مُستقل إلى موقع محكوم بشبكة من الإلتزامات السياسية التي قد تتقدم على مصلحة الوطن.
وهنا لا يصبح السؤال: هل الرئيس قادر على حماية السيادة؟ بل: هل يستطيع أصلاً أن يتخذ قراراً سيادياً إذا تعارض مع مصالح الذين أوصلوه إلى الحكم؟
الرئيس بين عظمة التكليف وأثقال التسوية
جاءت المادة التاسعة والأربعون (49) من الدستور اللبناني لترسم لرئيس الجمهورية مكانةً تكاد تسمو به فوق صراعات السياسة اليومية، فهو رئيس الدولة، ورمز وحدة الوطن، والساهر على إحترام الدستور، والمؤتمن على إستقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه. وهي مهام تبدو، في سموّها وثقلها، أقرب إلى التكليف شبه الملائكي إذ يُطلب من الرئيس أن يكون فوق الخصومات، وحَكَماً بين المؤسسات، وحارساً للدستور، وصوتاً للوطن حين تتنازع القوى على صوته.
غير أن الدستور، وهو يرسم هذه الصورة المثالية يفترض ضمناً أن يكون الرئيس حُراً في إرادته، مُستقلاً في قراره، غير مثقل بديون الوصول إلى السلطة، ولا مقيّداً بشروط القوى التي فتحت أمامه أبواب القصر.
وهنا يصفعنا الواقع اللبناني بسؤالٍ قاسم:
كيف لرئيسٍ حُمِل إلى سدّة الحكم على أسرّة المساومات السياسية، وعَبَر إلى القصر فوق جسور التفاهمات والمحاصصات والضمانات المتبادلة، أن يمارس دوره حارساً للدستور والاستقلال وسلامة التراب الوطني، من دون أن يصطدم يوماً باليد التي إمتدت لتصنع رئاسته؟
فالرئيس الذي يولد من رحم تسوية سياسية لا يدخل القصر وحيداً، بل تدخل معه الإلتزامات التي سبقت إنتخابه، والتوازنات التي رافقت تسميته، والوعود الصريحة أو الضمنية التي مهّدت لوصوله. وقد يجد نفسه، ولو كان حسن النية وصادق الإرادة، واقفاً بين صورتين متناقضتين: صورة دستورية تطالبه بأن يكون رئيساً للوطن كله، وصورة سياسية تذكّره بأنه ثمرة توافق قوى لم تمنحه أصواتها من دون حساب.
ومن هنا ينشأ المأزق الحقيقي: فالدستور يُكلّف الرئيس حماية السيادة، بينما قد تجعله آلية إنتخابه أسيراً لمعادلات تمنعه من ممارسة هذه الحماية بكامل حريته. ويطالبه بأن يكون حَكَماً، في حين أن الذين إختاروه قد يريدون منه أن يبقى ضامناً للتوازن الذي أوصله، ويحمّله مسؤولية سلامة الأراضي، بينما قد تصبح قضايا الأرض والحدود والأمن جزءاً من المساومة السياسية بين القوى نفسها.
وليست المسألة طعناً في شخص رئيس أو إنتقاصاً من شرعية إنتخابه، بل هي مساءلة لبُنية نظام تُلقي على رأس الدولة مسؤوليات كبرى، ثم تسلبه تحت وطأة التسويات جانباً من القدرة السياسية والمعنوية اللازمة للاضطلاع بها. إنها تمنحه عظمة التكليف لكنها لا تحرره دائماً من أثقال الوصول.
وتبلغ الأزمة ذروتها عندما تتحول السيادة، التي يفترض أن تكون حقاً ثابتاً لا يقبل المقايضة، إلى موضوع للتفاوض، أو بندٍ قابل للأخذ والرد، أو ورقة توضع على طاولة التوازنات الداخلية والخارجية. فالسيادة ليست إمتيازاً تملكه السلطة فتتنازل عن بعضه، ولا مساحةً رماديةً تخضع لحسابات اللحظة، بل هي أساس وجود الدولة والحد القانوني الذي تبدأ عنده شرعيتها أو تنتهي.
وعندما تصبح الأرض محل مساومة، أو أمن المواطنين موضع مفاضلة، أو حماية الحدود خاضعةً لحسابات التحالفات، لا نعود أمام خلاف سياسي مشروع، بل أمام مساسٍ مباشر بفكرة الدولة وبالعقد الدستوري الذي يمنح السلطة شرعيتها.
وهنا تكتسب الفقرة «ي» من مقدمة الدستور معناها الأعمق، إذ تقرر أنه “لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك”. وليس العيش المشترك، في جوهره الدستوري مُجرد معادلة حسابية لتوزيع المناصب بين الطوائف، ولا هدنة دائمة بين زعاماتها، ولا محاصصةً تضمن لكل فريق نصيبه من الدولة، بل هو عقد حماية متكافئ بين اللبنانيين جميعاً، يساوي بينهم في الحق بالأمن والكرامة والأرض والانتماء.
فالميثاقية لا تتحقق بمجرد تمثيل الطوائف داخل مجلس الوزراء أو توزيع الرئاسات والمقاعد بينها، وإنما تتحقق عندما يشعر كل لبناني، في أي منطقة أو طائفة كان، بأن الدولة تراه مواطناً كامل الحقوق، وأن أرضه جزء لا يتجزأ من الوطن، وأن دمه لا يقل قيمةً عن دم غيره، وأن أمنه ليس بنداً مؤجلاً إلى حين توافق القوى.
ومن هنا، فإن شعور منطقة كالجنوب اللبناني، بكل ما حملته عبر العقود من أعباء المواجهة والإحتلال والإعتداءات والتضحيات، بأن أرضها أو أمنها أو مصير أبنائها بات قابلاً للأخذ والرد في كواليس التوازنات، لا يمثل مجرد أزمة ثقة بين منطقة والسلطة، بل يكشف خللاً عميقاً في جوهر الميثاق الوطني نفسه.
فالجنوب ليس طرفاً بعيداً عن مركز الدولة، ولا جغرافيا ملحقةً بالجمهورية، ولا ساحة يمكن إدارة أخطارها بالبيانات والتمنيات، إنه جزء مؤسس من وحدة الوطن التي أقسم رئيس الجمهورية على صونها. وأي انتقاص من أمنه أو حقوق أهله هو انتقاص من وحدة لبنان، وأي تعامل مع أرضه بإعتبارها ورقة تفاوض هو مساس بمبدأ سلامة الأراضي الذي وضعه الدستور في صميم مسؤوليات رئيس الدولة.
ولا يجوز في المقابل، أن يتحول ما قدمه الجنوب من تضحيات إلى ذريعة لإبقائه خارج السيادة الفعلية للدولة، أو لجعله ساحةً مفتوحةً لقرارات لا تصدر عن مؤسساتها الدستورية. فحماية الجنوب لا تكون بالتخلي عنه، كما لا تكون بفصله عن الدولة، بل بإدخاله كاملاً في صلب مشروع وطني تكون فيه حماية الأرض وقرار الدفاع عنها مسؤوليةً واحدةً لا تتجزأ.
إن ميثاق العيش المشترك لا يعني فقط أن تتعايش الطوائف في السلطة، بل أن تتساوى المناطق في الحماية، والمواطنون في الكرامة، والدماء في القيمة، والأرض في القداسة الوطنية. فإذا عجزت السلطة عن الوفاء بهذا العقد، أو خضعت فيه حقوق منطقة لموازين التفاوض، فإنها تفقد جوهر ميثاقيتها وأخلاقيتها قبل أن يُثار النقاش حول سندها القانوني.
وعندئذ لا يعود السؤال: هل احترمت السلطة شكليات الدستور؟
بل يصبح السؤال الأكثر خطورة:
هل بقيت هذه السلطة أمينةً على الغاية التي وُجد الدستور من أجلها؛ أي حماية الوطن والإنسان وصون وحدة المصير؟
ذلك أن الشرعية لا تُقاس فقط بصحة الانتخاب والتكليف، بل بوفاء السلطة بالعهد الذي يربطها بالشعب. وقد تكون السلطة قانونيةً في نشأتها، لكنها تفقد معناها الأخلاقي والوطني حين تعجز عن حماية الأرض، أو تتعامل مع المواطنين بمعايير متفاوتة، أو تسمح بأن تصبح السيادة موضوعاً للمساومة.
وفي هذه اللحظة تحديداً، يظهر الفارق بين رئيسٍ يحرس الدستور بما يمليه عليه الوطن، ورئيسٍ يحرس التسوية بما يمليه عليه صانعوها، بين رئيسٍ يرى في كل شبر من الأرض أمانةً في عنقه، ورئيسٍ لا يستطيع الاقتراب من بعض الملفات خشية أن تهتز المعادلة التي حملته إلى الحكم.
إن رئيس الجمهورية لا يُمتحن في خطاب القسم وحده، بل في اللحظة التي يتعارض فيها واجبه الدستوري مع رغبة القوى التي ساهمت في انتخابه. هناك فقط يتحدد ما إذا كان الرئيس رمزاً فعلياً لوحدة الوطن، أم رمزاً لتوازن القوى؛ وما إذا كان حارساً للدستور، أم حارساً للتسوية التي جاءت به.
فالحارس الحقيقي للدستور ليس من يكتفي بتلاوة مواده، بل من يملك شجاعة الوقوف عند حدودها، ولو اصطدم بمن صنعوا رئاسته. والسيادة لا يحميها رئيس مدينٌ لصانعي التسويات، بل رئيس يشعر أن دينه الوحيد هو للشعب، وأن ولاءه الأول والأخير للأرض والدستور والجمهورية.
“محكمة” – الاثنين في 2026/7/27



