حقوق الأم العاملة بين قصور القوانين وتطلعات المجتمعات الحديثة: مقارنة بين قانوني العمل اللبناني والاماراتي/ميشال الخوري
المحامية ميشال طنوس الخوري:
“في داخل كلّ إمرأة حامل تنمو حياة، ويكبر معها حبّ لا يشبه أيّ حبّ آخر.”
ليس الحمل والانجاب تجربة بيولوجية فقط، إنّما مرحلة إنسانية تستلزم رعاية خاصة على مختلف المستويات لا سيّما في مكان العمل، خصوصًا في ظل استمرار الصور الذكورية في أذهان بعض أرباب العمل، الذين قد يُظهرون تفضيلاً لتوظيف الرجال تفاديًا لما يعتبرونه “عبئًا” ناتجًا عن الحمل وإجازة الأمومة.
هذه الصورة التي قد يعبر عنها بعض أرباب العمل تخلق توترًا لدى المرأة الحامل ممّا قد ينعكس سلبًا على صحتها الجسدية والنفسية، كما قد يؤثّر مباشرة على سلامة الجنين واستقرار الحمل، ممّا يفرض ضرورة توفير حماية قانونية خاصة للمرأة الحامل في مكان العمل.
وحمايةً للمرأة الحامل العاملة، منح المشرّع بعض الحقوق الخجولة لها منعاً من تعسف أرباب العمل، إلّا أنّها أصبحت مهترئة لا تواكب التطوّرات الحديثة لمفهوم الرعاية النفسية والصحية للأم والطفل.
مع اختلاف التشريعات المعمول بها في لبنان والإمارات، تتوزّع الحقوق القانونية الممنوحة للمرأة الحامل على مرحلتين أساسيتين: مرحلة الحمل، ومرحلة ما بعد الإنجاب، حيث يظهر تباين واضح في مستوى الحماية والتسهيلات في كلّ من النظامين.
أوّلًا: مرحلة الحمل
– المنع من الصرف
ينصّ القانون اللبناني بشكل صريح على أنّه لا يجوز صرف المرأة من الخدمة خلال فترة إجازة الولادة، إلّا أنّه لم ينصّ صراحةً على المنع من الصرف خلال فترة الحمل، بيد أنّه يمكن استنتاج ذلك من أحكام قانون العمل المتعلّقة بالإنذار التي تمنع توجيه إنذار للمرأة الحامل.
على عكس قانون العمل اللبناني، فإنّ قانون العمل الاماراتي منع بشكل صريح صرف المرأة الحامل من الخدمة بسبب الحمل أو خلال إجازة الولادة.
يتضح أنّ المرأة الحامل في الإمارات تتمتّع بحماية صريحة من الصرف، بخلاف الوضع في لبنان حيث تبقى الحماية عامة وتقديرية.
ثانياً: مرحلة ما بعد الانجاب
– إجازة الولادة
إنّ إجازة الولادة، أو ما يُعرف بإجازة الأمومة، وفقاً لكلٍّ من القانونين اللبناني والإماراتي، لا تكفي لمنح الأمّ العاملة فترة راحة فعلية، ولا تتيح للرضيع فرصة للنمو ولو جزئيًا في كنف والدته، بالشكل الذي يحقّق الحدّ الأدنى من متطلّبات الرعاية الأسرية والصحية. فوفقاً لقانون العمل اللبناني، إنّ إجازة الأمومة هي 10 أسابيع والتي يمكن أن تعادل 70 يومًا مدفوعة بأجر كامل.
أمّا وفقًا لقانون العمل الامارتي، فإجازة الأمومة هي 60 يومًا، 45 يومًا بأجر كامل والـ 15 يومًا التي تليها بنصف أجر.
– تسهيلات ما بعد فترة الولادة
لقد أعطى قانون العمل الاماراتي بعض التسهيلات للمرأة العاملة ما بعد الولادة لم يلحظها قانون العمل اللبناني، ألا وهي: حقّ العاملة بعد انتهاء إجازة الولادة في الانقطاع عن العمل بدون أجر لمدّة لا تتجاوز خمسة وأربعين يومًا، سواء كانت متصلة أو متقطعة، إذا كان الانقطاع ناجمًا عن مرض أصابها أو أصاب طفلها نتيجة الحمل أو الوضع، ويحول دون عودتها إلى العمل، وذلك على أن يُثبَت المرضُ بموجب شهادة طبّية صادرة عن الجهة الطبية المختصة. ولا تُحتسب هذه المدّة ضمن مدّة الخدمة التي تُستحقّ عنها مكافأة نهاية الخدمة أو مدّة الاشتراك في نظام التقاعد وفقًا للتشريعات النافذة.
كما حقها في حال إنجاب طفل مريض أو من ذوي الإعاقة ممن تستدعي حالتهم الصحية مرافقة مستمرّة، وفقًا لتقرير طبّي صادر عن الجهة الطبية المختصة، الحق في إجازة مدّتها ثلاثون يومًا بأجر كامل تبدأ بعد انتهاء إجازة الولادة ويجوز تمديدها لمدّة ثلاثين يومًا إضافية بدون أجر.
بينما قانون العمل اللبناني ووفقًا للتعديلات الصادرة حديثًا قد سمح للمرأة العاملة أن تطلب نقلها من دوام عمل كامل إلى دوام عمل جزئي لمدّة سنة واحدة بعد إجازة الأمومة، على أنّ هذا الأمر يخضع لتقدير واستسابية ربّ العمل، الأمر غير الملحوظ في قانون العمل الاماراتي.
– تسهيلات الرضاعة
على الرغم من تعدّد المبادرات والمقترحات التشريعية المقدّمة من جمعيات وهيئات داعمة لحقوق المرأة، إلا أنّ قانون العمل اللبناني لم يتضمّن أيّ نصّ يمنح العاملة تسهيلات خاصة بفترة الرضاعة.
وفي المقابل، نصّ قانون العمل الإماراتي على حقّ العاملة، بعد عودتها من إجازة الولادة ولمدّة لا تتجاوز ستّة أشهر من تاريخ الولادة، في التمتّع بفترة أو فترتي راحة يوميًا لإرضاع طفلها، على ألاّ تتجاوز مدّة الفترتين معًا ساعة واحدة.
وختاماً، يمكن القول إنّ كلّاً من القانونين اللبناني والإماراتي لا يزالان قاصرين عن توفير الحماية الكافية لحقوق المرأة والطفل، بما قد ينعكس سلبًا على استقرار الأسرة وتماسك المجتمع.
ففي حين اتجهت التشريعات في العديد من الدول المتقدمة إلى منح المرأة العاملة إجازة أمومة تصل إلى سنة كاملة من تاريخ الولادة، مقرونة بتسهيلات واسعة سواء في مجال حضانة الأطفال بعد انتهاء الإجازة أو في ممارسة حقّها بالرضاعة، ما زال قانون العمل اللبناني، ووفقًا لتعديلاته الأخيرة، يتعامل مع هذه المسألة بأسلوب متحفّظ يراعي مصلحة ربّ العمل أكثر من مصلحة العاملة. إذ اكتفى بمنحها الحقّ في طلب الإنتقال إلى دوام جزئي لمدّة سنة واحدة، تاركًا الأمر لمطلق تقدير صاحب العمل بالموافقة أو الرفض.
أمّا قانون العمل الإماراتي، فرغم تقدّمه نسبيًا على نظيره اللبناني بمنحه العاملة بعض التسهيلات في حال إصابتها بمرض ناتج عن الحمل أو مرض الطفل، إضافةً إلى تمكينها من فترات راحة للرضاعة، إلّا أنّ هذه الضمانات تبقى محدودة ولا تتناسب مع طبيعة بيئة العمل في الإمارات التي تتسم بطول ساعات العمل وضغطها الشديد.
على أمل أن تبادر هذه الدول، ولا سيّما العربية منها، إلى تطوير تشريعاتها العمّالية بما يكفل للمرأة العاملة حقوقًا وتسهيلات عادلة، إنطلاقًا من الإيمان بأنّ المرأة شريك أساسي في بناء الأوطان، ولولاها لما استقام المجتمع ولا ازدهر.
“محكمة” – الاثنين في 2025/9/15



