علم وخبر
سجينات وحوامل.. عندما تصطدم العقوبة بحقّ الجنين أو الطفل الرضيع/محمد مشيك
د. محمد مشيك:
إنّ الفلسفة الحديثة للعقوبة تنبع من مبدأ “شخصية العقوبة”، وهذا المبدأ يعني بأنّ ألم الجزاء يجب أنّ لا يتعدّى إلى غير الجاني أو المجرم. لذلك تنبثق أمامنا قضيّة مهمّة تضع السلطات أمام تحدّ كبير والموضوع يتمحور حول السجينة الحامل أو السجينة المرضعة. فيصبح خلف القضبان روح بريئة تتلقى العقاب لارتباطها البيولوجي بالأمّ، فتصبح حياة الجنين أم الرضيع على المحكّ وهذا ما يهدّد الحقّ في الحياة ويهددّ كرامتهم. فالسجن هو بيئة موبوءة وطبيعته تفرض أنّ يتمّ إبعاد السجينات الحوامل عن السجون المعروفة لدينا، لأنّ الحامل والسجينة المرضعة تحتاج إلى سكينة، لذلك لا بد من “أنسنة العقوبة”، وهذا ما تفرضه الأخلاق البشريّة، ولا بد من أنّ تتطور النصوص الدستورية والقوانين في ما يتعلق بالسجينات الحوامل والمرضعات.
شرعية حقوق السجينة الحامل أم المرضعة تنطلق من صلب الدستور اللبناني، حتى لو لم يتم النصّ عليها بشكل مباشر، حيث نصّت الفقرة (ب) من مقدمة دستور 1990، على الإلتزام الصريح بمواثيق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الأمر الّذي يجعل المبادئ العالمية لحقوق الإنسان جزءاً من الحقوق الدستوريّة بشكل غير مباشر. فالمادة (7) من دستور 1990 نصّت على مبدأ المساواة أمام القانون في الحقوق والواجبات، لذلك فإنّ السجينة الحامل أم المرضعة هي إنسانة قبل أي أمر أخر، إضافةً إلى وجود حقوق الجنين أو الطفل، مما يجعل وضع السجينة ضمن هذا الإطار وضعاً إستثنائياً. لذلك نجد بعض المواد في قانون العقوبات اللبناني، وكذلك في قانون الأصول الجزائيّة تتحدّث عن السجينة الحامل.
فمبدأ تراتبية القواعد القانونية معمول به في لبنان، وفي النصوص القانونية نجد أنّ المادة (2 من قانون أصول المحاكمات اللبنانية): “على المحاكم أنّ تتقيّد بمبدأ تسلسل القواعد عند تعارض أحكام المعاهدات الدوليّة مع أحكام القانون العادي، تتقدّم في مجال التطبيق الأولى على الثّانية”. وتجدر الإشارة إلى أنّ المعاهدات الدوليّة التي صادقت عليها الدولة اللبنانية، تدخل حيّز التنفيذ فور نشرها في الجريدة الرسميّة.
وفي السياق نفسه، نجد أنّ المبادئ التي نصّت عليها إتفاقية حقوق الطفل، على وجه الخصوص في ديباجتها على أنّ للطفولة الحقّ في الرعاية ومساعدة خاصتين، لأنّ الأسرة تشكّل البيئة الطبيعية لنموّ الطفل، لذلك في السجن يكون هناك وضع خارج عن المألوف بالنسبة للجنين أم للطفل. حيث تفرض مصلحة الطفل الفضلى، مثلما كرستها النصوص الدولية منذ إعلان جنيف عام 1924 وصولاً إلى بعض قواعد بانكوك، التي فرضت حماية حقوق الطفل، إن كان في الرعاية الصحيّة أو النفسيّة، فوق أيّ تدبير زجري قد يقع على الأمّ، وذلك بهدف حماية البيئة التي ينشأ فيها هذا الطفل.
وعليه، وبالرغم من أنّ لبنان ملتزم بالإعلانات الدوليّة والعهود لحقوق الإنسان، في الممارسة العمليّة يبقى هناك فجوة قانونية، وفجوة ميدانيّة في معاملة وظروف السجينات الحوامل أو المرضعات. ويبقى هناك مسؤولية على عاتق القضاء اللبناني من خلال استخدام سلطته التقديريّة في هذا الخصوص، وذلك لأنّ واقع السجون اللبنانية مأساوي.
لقد تضمّن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيّة والسياسيّة، قواعد تشكّل الحدّ الأدنى من الحماية للسجينات، إستناداً إلى أنّها إنسان قبل كل شيء.
فالمادة (6 البند 1) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بأنّ الحقّ في الحياة حقّ ملازم لكلّ إنسان، وأنّ القانون يجب أنّ يحمي هذا الحقّ، ولا يمكن حرمان أحد من حياته تعسقاً. وفي البند (5) من نفس المادة، نجد بأنّه لا يجوز الحكم بعقوبة الإعدام على جرائم ارتكبها أشخاص دون الثّامنة عشرة من العمر، ولا يمكن تنفيذ هذه العقوبة بالحوامل. على أنّ المعاملة الإنسانيّة يجب أن تطال الأشخاص المحرومين من حريتهم، بحيث يتم إحترام الكرامة الأصيلة في الشخص الإنساني.
فحمايةً للحقّ في الحياة، نصّت المادة (409) من أصول المحاكمات الجزائيّة اللبناني على نّه: “اذا كانت المحكوم عليها حبلى فيؤجل تنفيذ عقوبتها حتى انقضاء مدة عشرة اسابيع على الوضع”. وهذا النصّ يشير إلى فلسفة المشرّع اللبناني في حماية حياة الجنين.
تشكّل هذه المواد خطّ دفاع ضدّ الانتهاكات الجسديّة التي قد تتعرّض لها السجينات، فالمادة (6) من العهد المذكور، ربطت بين الحقّ في الحياة ومنع تنفيذ حكم الاعدام بالسجينات الحوامل، ليس حماية الأمّ بل صونا لحقّ الجنين في الحياة، وأمّا المادة (10) فأسّست للمعاملة الإنسانية، كمعيار إلزامي يتجاوز العقوبة.
وبالنسبة للرعاية الصحيّة والغذائية، وضعت “قواعد بانكوك 2010″، الدستوري الحقوقي المرتبط بحقوق السجينات وخصوا الحوامل والمرضعات منهنّ، لاعتبارات بيولوجيّة مرتبطة بالمرأة وعلاقتها بجنينها وطفلها.
فالقاعدة (48 من قواعد بانكوك 2010) نصّت على أنّ تتلقّى السجينات الحوامل واالمرضعات خدمات صحيّة وغذائيّة تحت إشراف أخصائي، وتأمين تمارين رياضيّة مجانية، إضافةً إلى إيجاد بيئة صحيّة. وأيضاً شّددت على أهميّة الرضاعة الطبيعية للطفل، فيجب عدم منعها إلاّ لأسباب صحيّة قاهرة. مع تأمين الاحتياجات الطبيّة والتغذوية للسجينات اللواتي وضعن حديثاً ولم يرافقهنّ أطفالهنّ.
فالمادة ( 27 من مرسوم تنظيم السجون وأمكنة التوقيف ومعهد اصلاح الأحدث وتربيتهم رقم 14310 لعام 1949) نصّت على أن: “يعود طبيب سجن الرمل السجينات المريضات ويعالجهن ضمن الشروط الموضوعة لسجن الرمل” .
فالمادة ( 80 من مرسوم تنظيم السجون وأمكنة التوقيف ومعهد اصلاح الأحدث وتربيتهم رقم 14310 لعام 1949) نصّت على أنّ: “للنساء الحوامل والمرضعات والمرضى الذين يعالجون في مستوصفات السجون او مستشفياتها ان يأخذوا وجبات طعام خاصة وفقا لاشارة طبيب السجن”.
إستناداً إلى القاعدة (48 من قواعد بانكوك 2010)، نجدّ أنّ مفهوم السجن خرج عن المفهوم التقليدي بكونه مكان حجز، بل تطوّر إلى الرعايا النوعيّة، حيث يفرض على السلطات تأمين إحتياجات صحيّة وغذائية وبدنيّة، فإنتهاك الحقّ في الرضاعة الطبيعيّة للطفل، يعتبر انتهاكاً للحقّ في الصحّة للأم المرضعة ولطفلها على حدّ سواء.
فالمادة (28 من مرسوم تنظيم السجون وأمكنة التوقيف ومعهد اصلاح الأحدث وتربيتهم رقم 14310 لعام 1949) نصّت على أن: ” يسمح لمندوبات الجميعات النسائية بزيارة سجن النساء في الساعات التي تعينها المديرة ويجب ان تقتصر زيارتهن على ارشاد السجينات وتدريبهن على العمل تحت اشراف المديرة وتكون خاضعة لرخصة خاصة يعطيها مسبقاً وزير الداخلية بعد اخذ رأي قائد الدرك مع الاحتفاظ بسحب الرخصة حسب الفقرة الاخيرة من المادة 56 من هذا المرسوم .
تقوم مصلحة الطفل الفضلى والمعايير المكانيّة على قواعد بنكون ومانديلا، حيث تمّ النصّ على تنظيم وجود الطفل داخل السجن وضمان عدم تأثيره ببيئة السجن، لذلك نجد بأنّ الطفل حديث الولادة لا يذكر بأنّه ولد في السجن. فالقواعد (49، 50، 51 من قواعد بانكوك)، تؤكّد أنّ مصلحة الطفل هي المعيار الأوّل لبقائه مع والدته، مع وجود تأكيد بأنّ الأطفال لا يعاملون كسجناء، وإيجاد بيئة نمو تشبه البيئة كما لون كان في منزل والديه.
لذلك يجب أن تكون أماكن الاحتجاز مزوّدة بمرافق رعاية قبل وبعد الولادة، وأن تكون الولادة خارج أماكن الاحتجاز(مستشفيات خارجية) عند القدرة على ذلك، والتشديد بعدم ذكر السجن كمكان ولادة في شهادة ميلاد الطفل، هذا ما أكّدته القاعدة (28 من قواعد مانديلا لعام 2015). وأمّا القاعدة (29 من قواعد مانديلا) فأشارت إلى ضرورة توفير دور حضانة سواء أكانت هذه الدور داخلية أو خارجية، مع توفير فحوصات دورية لنمو الطفل.
نجد بأنّ قواعد بانكوك ومانديلا، قد تقاطعت بموضوع جوهري ألا وهو أنسنة مكان الولادة، من أجل حماية مستقبل الطفل الاجتماعي، لأنّ ذكر مكان ولادة الطفل “مثل السجن” يضع مستقبل الطفل في خطر إجتماعي لا يمكن تحمّله، وهو كائن لا علاقة له بذلك.
وأمّا بالنسبة إلى قضية فصل الطفل عن أمّه السجينة، فإنّ القاعدة (25 من قواعد بانكوك)، حدّدت معايير الفصل الأسري، حيث يجب أنّ يستند قرار الفصل إلى تقييم فردي لكل حالة، وذلك حماية لمصلحة الطفل. ويجب أنّ يتم مراعاة مشاعر الطفل عند مغادرته للسجن وتأمين رعاية بديلة. مع توسعة فرص اللقاء والتواصل إنّ حصل الفصل، وذلك ضماناً للاستقرار النفسي للطفل.
فالقاعدة (25 من قواعد بانكوك)، وضعت معايير صارمة لعملية الفصل بين الأم وطفلها، فلكي يتمّ الفصل يجب أنّ يكون هناك بديل آمن، لذلك يصبح للسجن كمكان عقاب، إلى مكان يؤمّن الرفاه الاجتماعي لنزيل ليس بمجرم، وذلك تأمين لحقوق الطفل.
فالحماية القانونية الشاملة التي لا بد من أنّ يتمتع بها الطفل، وخاصّة الأطفال أبناء السجينات، هذه الحماية التي أمنتها إتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، حيث جعلت مصلحة الطفل هي الفضلى وهذا ما نصّت عليها المادة (3)، وأمّا المواد (7و8) من الاتفاقية نصّت على حقوق مرتبطة بالطفل، مثل الحقّ في الإسم، والجنسيّة، والحفاظ على الهويّة والصلات العائليّة، دون تدخلات غير شرعيّة. فالمبدأ العام هو بعدم فصل الطفل عن والديه إلا للضرورة القصوى وبمراجعة قضائيّة هذا ما تضمنته المادة (9). وبالنسبة لحماية الطفل من كافة أنواع العنف أو الإهمال أثناء وجوده في رعاية الوالدين أو غيرهم تضمنتها المادة (19).
وفي حال الحرمان من البيئة العائليّة، هناك إلتزام على السلطات بأنّ تقوم بتوفير رعاية بديلة مثل حضانة أو كفالة أو مؤسسات مناسبة، للطفل وهذا ما تضمنته المادة (20 من إتفاقية حقوق الطفل لعام 1989).
فالدولة مسؤولة عن الاستمرارية في تربية الطفل، فإذا تمّ حرمان الأمّ من حريتها، وحكم بسجنها (الحرمان المؤقت)، يقع على عاتق الدولة إلتزام توفير أنظمة الكفالة أو الرعاية البديلة، التي تحترم خلفية الطفل الثقافية والدينية، صوناً لعدم ضياع هويّة الطفل عند توقيع عقوبة السجن على الأمّ.
إنّ الشرعية الدولية المتعلقة بالسجينة الحامل، لا تعتبرها شخصاً مسجوناً محروماً من الحريّة فقط، بل تنظر إليها امتداداً لعلاقة بيولجيّة مقدّسة بين الأمّ والطفل، ويجب حمايتها، وبالتالي توفير الرعاية الصحيّة لها ولطفلها، إضافةً إلى إيجاد بيئة سليمة للسجينة المرضعة، ليتم الارتقاء بمعاملتها إلى معاملة إنسانيّة.
بالرغم من أنّ لبنان وضع نصوصاً قانونية تنظّم وضع السجون، وايضاً هناك بعض المواد القانونية المتفرقة التي تنظّم وضع السجينات الحوامل، إلاّ أنّ ذلك يضع لبنان في وضع متأخر عن مواكبة التطور القانوني وركب وضع السجون المتطورة التي ترعى هذه الفئات في السجون، ونعني بذلك المرأة الحامل والمرأة المرضعة. وبناء على كلّ ما سبق نقترح إيجاد بدائل ترعى حقوق هذه الفئة، ويكون ذلك عبر:
استحداث السوار الإلكتروني؛ هذا الأمر يمنح القاضي خيارات أوسع في محاكمة النساء الحوامل أو المرضعات. خاصة في ما إذا كانت العقوبة التي تواجهها هذه الفئة من النساء هي عقوبة قصيرة أو متوسطة الزمن. بإعمال السوار الألكتروني، يسمح للسجينة الحامل أو المرضعة بتلقي غذاء مناسباً، ورعاية طبيّة جيّدة، خصوصاً أنّ الوضع النفسي للمرأة ينعكس على الجنين أو الطفل، نظراً لخصوصية العلاقة البيولوجية التي تربط الطفل بالأمّ.
ما زال لبنان يكافح إكتظاظ السجون، وايضاً في ظلّ الأزمة الاقتصادية التي يمرّ بها لبنان منذ العام 2019، تكون الحاجات الغذائية والصحيّة للسجينات المرضعات والحوامل في خطر.
وأمّا إذا كانت العقوبة قليلة ولا تتعدّى السنة، فمن الممكن تفعيل العمل من أجل المنفعة العامة، كبديل للسجن، حيث تبقى الأمّ في محيطها الاجتماعي والأسري، وفي نفس الوقت تؤدّي واجبها تجاه المجتمع. فتنظيم وتطوير وضع السجينات في لبنان يجب أنّ يقوم على مبدأ إنسانية العقوبة، لذلك لا بد من أنّ تكون الإرادة السياسية في لبنان تهتمّ بالأطفال الذين يولدون خلف القضبان لذنب لم يرتكبوه.
وفي السياق نفسه، فقد صدر القانون رقم 138 بتاريخ 2019/7/9 ، بموضوع استبدال العقوبات بعقوبة العمل الاجتماعي المجاني، إلاّ أنّه لم ينصّ بشكل مباشر على السجينات الحوامل أو المرضعات، وبالتالي يجب تعديله، ويكون التعديل يتضمن نصوصاً خاصة بهذه الفئات.
فاستراتيجية الاصلاح دون الاعتقال، تنصب بشكل أساسي نحو حماية الأسرة وبالتالي حماية المجتمع، فالقانون 2019/138، جاء عاماً، وهذا ما يعني بأنّ المساواة في العقوبة، قد يؤدي بطريقة أو بأخرى إلى ظلم في النتائج، بسبب التكوين البيولوجي والمسؤولية تجاه الرضيع. فالمرأة الحامل بشكل عام عاملها قانون الموظفين وقانون العمل اللبناني بوضع خاص، خصوصاً عند وضع حملها، وهذا ما يجب أنّ ينسحب على السجينة الحاملة أو المرضعة.
“محكمة” – الجمعة في 2026/1/30


