أبرز الأخبارعلم وخبر

قصص عن التحرّش الجنسي بالأطفال.. وحماية الأهل واجبة/نجوى العرب

تحقيق نجوى العرب:
كانت “آية”(إسم مستعار) في العاشرة من عمرها عندما كان أخوها يكبرها بـعشرة أعوام وقد اعتاد على أن يمارس معها عادات جنسية سيّئة بلمسات غير صحيّة.
“كان يستغلّ الفرص ليفعل ما يريد تحت ذهول شديد مني ولامبالاة منه.. إنّه أخي” تقول “آية” لـ“محكمة” بصوت متقطّع. لم يكن عالمًا بما كنت أشعر به ولا بمعاناتي اليومية ومشاعري التي تختلط ببعضها في كلّ دقيقة أراه فيها، من قلق ورعب وخوف وحزن وصدمة وكوابيس لا تفارقني. وجع نفسي يرافقني دومًا حتّى بتّ أعيش حياة كالجثّة، حياة لا أقوى فيها على البوح ولا على الرفض. ببساطة لأنّ مجتمعنا دائمًا يدين الضحيّة خاصة إذا كانت فتاة، فكيف إذا كان المتحرّش هو أخي، وهل سيقوى والدي على محاسبة أخي الذكر!”
وتضيف “آية”: لكنّني ارتحت من معاناتي بمجرّد أن تزوّج أخي من سنتين، وانفصل عنا، لكنّ آثار التحرّش لا تزال تلاحقني. أصبحت فتاة ضعيفة الشخصية، دائمًا أشعر بالخجل والخنوع والطاعة للجنس الآخر. أخاف دائمًا في إقامة أيّ علاقة مع رجل.
لولا الجارة
لقد كرهت الرجال يقول لـ“محكمة” “زين” الذي كان في التاسعة من عمره عندما “تعرّضت للتحرّش من ناطور بنايتنا وهو رجل ثلاثيني. كان ينتظرني يوميًا حتّى أنزل إلى الشارع لألعب مع أصدقائي. وفي أحد الأيّام أحضر لي هاتفًا صغيرًا. أجلسني على ركبتيه وجعلني أشاهد مقاطع مرئية غير أخلاقية. كنت أخاف أن أهرب منه لأنّه كان قوي البنية وصوته مرعبًا. حاول في المرّة الثانية أن يجبرني على أن ألمسه ويلمسني بطريقة غير أخلاقية. حاولت الهرب عدّة مرّات حتّى المرّة الرابعة حيث تمكّنت من الإفلات منه إذ استغللت قدوم جارتنا فلُذت بالفرار، لكنّني عانيت كثيرًا وأصبحت منطويًا وخائفًا وأحبّ الجلوس بمفردي دائمًا ولم أعد أخرج من المنزل، وما زلت لليوم أفكّر بماذا كان يشعر ذاك الرجل؟ لقد كنت طفلًا صغيرًا؟!
لا شكّ أنّ للتحرّش وقعًا ثقيلًا على آذاننا. ما هو التحرّش الجنسي بالأطفال؟ هل توجد قوانين تعاقب المتحرّش في لبنان؟ وكيف تتمّ معاقبة المتحرّش المبتزّ عبر مواقع التواصل الإجتماعي وخصوصًا “الفايسبوك” و”الانستغرام”؟
يطلق مسمّى التحرّش الجنسي على كلّ إثارة يتعرّض لها الطفل أو الطفلة عن عمد، وذلك بتعرّضه للمشاهد الفاضحة أو الصور الجنسية، أو ملامسة أعضائه التناسلية، أو حثّه على لمس أعضاء شخص آخر، أو تعليمه عادات سيّئة بالإضافة للإعتداء الجنسي المباشر في صوره المعروفة، الطبيعي منها والشاذ.
ثغرات قانونية
لغاية تاريخ 20 كانون الأوّل من العام 2020 لم يكن يوجد نصّ معيّن يجرّم التحرّش الجنسي بالأطفال، إلى أن صدر قانون بوضع عقوبة للمتحرّش تتراوح بين الحبس من شهر إلى عامين، أو دفع غرامة مالية تتراوح بين ثلاثة وعشرين ضعف الحدّ الأدنى للأجور 675 ألف ليره إلى 450 دولارًا أميركيًا بحسب سعر الصرف الرسمي ونحو 77 دولارًا بحسب السوق السوداء(إذا كان السعر المتداول عشرين ألف ليرة للدولار الواحد).
إعترت هذا القانون بعض الثغرات نذكر منها التالي:
1- يجب على الضحية أن تثبت وقوع فعل التحرّش ونتائجه.
2- وجوب المرور بالقضاء الجزائي (الضابطة العدلية والنيابة العامة الاستئنافية ثمّ قاضي التحقيق وقضاء الحكم)، وهذا ما يشكّل عائقًا أمام الضحية لرفع شكوى الإبتزاز الجنسي بحقّ القاصرات. ولا بدّ من الإشارة إلى ظهور أساليب وطرق جديدة في التحرّش، وهو التحرّش الجنسي يليه الإبتزاز عبر مواقع التواصل الإجتماعي بحيث يقوم المتحرّش بالتحدّث في مواضيع جنسية مع فتيات قاصرات ثمّ يجذبهنّ ويطلب منهنّ إرسال صور غير لائقة ممّا يجعل الواحدة منهنّ عرضة لابتزازه.
رقم قياسي
وقد قامت قوى الأمن الداخلي مرارًا وتكرارًا بالتحذير من الحسابات التي يملكها متحرّشون وعدم أخذ أيّ صور فوتوغرافية أو تصوير أنفسهنّ فيديو بطريقة غير لائقة تحت أيّ من الضغوطات التي قد تمارس عليهنّ من قبل المبتزّ.
وحثّت قوى الأمن الداخلي الأهالي على ضرورة توعية أطفالهم القصّر من مخاطر الانترنت بغية حمايتهم من الوقوع في حالات تهديد وابتزاز جنسي. وأشارت في بيان صادر في العام 2021 إلى أنّ نسبة الإبتزاز الجنسي قد تزايدت بشكل واضح بين عامي 2019 و 2020 بنسبة 754،50% حيث سجّلت 94 شكوى في العام 2020، بعدما كانت 11 شكوى في العام 2019، وطلبت من الأهالي والأشخاص الإبلاغ فورًا عن أيّ حَالة تَحرّش أو ابتزاز أو تهديد.
ولا شكّ أن الحجر المنزلي المتأتّي نتيجة انتشار جائحة “كورونا” والإغلاق العام للإدارات والمؤسّسات والمدارس، وملازمة الناس من مختلف الأعمار بيوتهم لضمان سلامتهم، زاد من ارتفاع حالات التحرّش بشكل غير متوقّع، إلى حدّ تسجيل رقم قياسي في العام 2020.
ولكنّ هذا الأمر ليس نهاية المطاف، ففي ظلّ هذه الظاهرة المنتشرة والمتزايدة يكون السؤال الأساسي كيف نحمي أطفالنا من التحرّش بهم؟
تشكّل علاقة الطفل بأبويه 70% من التربية الناجحة للطفل. من هنا يجب أن يحرص الأهل على أن تكون علاقتهم بأطفالهم علاقة صداقة قويّة بحيث يكون الطفل صريحًا معهم، يروي لهم أحداثه اليومية دون خوف أو تردّد بعيدًا عن أي عقاب أو محاسبة.
التوعية
ويجب توعية الطفل جنسيًا بأسلوب محبّب وودّي حول الآداب الجنسية وخصوصية جسده، والفرق بين اللمسة الآمنة واللمسة غير الآمنة، مع الإشارة هنا إلى أنّ جسمنا يخبرنا بنوع اللمسات التي نتعرّض لها، وما إذا كانت آمنة أو غير آمنة.
يمكن للواحد منا أن يقول للطفل “على الرغم من أنّه يجب ألّا ينظر أحد إلى أعضائك التناسلية الخاصة أو يلمسها أو يحدّثك عنها إلّا أّن أشخاصًا نثق بهم كالأمّ لا بأس أن تلمس هذه المناطق الخاصة وهي تساعدك في تبديل ملابسك أو تحميم نفسك أو دخول الحمّام. الطبيب أيضًا قد يلمس تلك المناطق عندما تكون مريضًا، ولكن ذلك يتمّ في حضور والديك. هذه اللمسات تبقيك نظيفًا وصحّيًا.
عندما يحبّنا أحد ما ويهتم بأمرنا ويلمسنا فهذه لمسة آمنة، كاحتضان ماما أو بابا أو أحد المقرّبين لنا، ونحسّ بشعور جميل. فاللمسات الآمنة أيضًا قد تكون من الأقارب عندما يصافحوننا، وتكون لليدين والكتفين والذراعين وبصورة سريعة، ودون الحاجة لكشف أيّ جزء من الجسم أو رفع ملابسه عنه”.
لمسات غير آمنة
أمّا بالنسبة للمسة غير الآمنة، فيمكن أن نشرحها للطفل قائلين له “قد تسبّب لك اللمسات غير الآمنة أمراضًا أو آلامًا أو شعورًا بالخجل أو الخوف أو عدم الراحة. بعض تلك اللمسات تشمل الضرب، أو عندما يقبّلك أحد على فمك، أو عندما يحاول شخص غريب أو من غير من يعتنون بك لمس أعضائك الخاصة، بعيدًا عن أعين الناس أو محاولًا ألّا يراه أحد. قد تشعرك هذه اللمسات بإحساس لطيف لكنّها لمسات غير آمنة، لأنّه لا يجوز لأحد أن يمسّ الأعضاء الخاصة لغيره. كما أنّك بعدها تشعر بالخزي والخوف. وربّما يصاحب تلك اللمسات أن يطلب منك الشخص خلع ملابسك أو يجبرك على كشف أعضائك الخاصة. يجب أن نخبر الآخرين فورًا عندما تُشعرنا لمستهم بعدم الإرتياح”.
كما أنّه يجب تعليم الطفل من له أن يقبّله، والأماكن التي يمكن التقبيل فيها.
خوف “ميرا”
تقول “ميرا” لـ“محكمة”: “عمري 27 سنه تعرّضت للتحرّش في عمر 11 سنوات في حفل زفاف تجرأ أحد أقاربي على لمسي لمسات غير صحيّة دون خجل. كانت لحظات سريعة عشت بعدها صدمة مؤلمة أصبحت أسرق أيّ شيء وفي أيّ مكان صرت عدوانية وسريعة الغضب. كنت أهدّد أهلي بقتل نفسي. أحببت العزلة والإنطواء. تخطّيت آثار التحرّش القديمه لكنّني ما زلت أعاني آثاره على المدى البعيد. تزوّجت لكنّني دائمًا ما أكون خائفة ومرتعبة من العلاقة الزوجية.
الصراخ بقوّة
يجب تلقين الطفل أنّ أفضل وسيلة عند تعرّضه للتحرّش هي الصراخ بقوّة والرجوع ثلاث خطوات إلى الخلف، ثمّ الهرب إلى أيّ مكان عام أو آمن أو إلى المنزل.
إنّ مراقبة الأهل الدائمة لأطفالهم ضرورية وواجبة حتمًا، وعدم ترك الطفل مع أشخاص غرباء أو أشخاص مشكوك بسلوكهم غير السوي، بالإضافة إلى مراقبة أجهزتهم الخلوية باستمرار وتوعيتهم حول مخاطر الإبتزاز الجنسي عبر الانترنت ومواقع التواصل الإجتماعي، وعدم قبول دعوة أشخاص أو حسابات مجهولة.
ما هي أسباب التحرّش الجنسي بالأطفال؟ وما هي العوامل التي تسهّل التحرّش بطفل؟
1- غياب دور الأسرة في التربية الصحيحة وخاصة التربية الجنسية في توعية الطفل أو الطفلة، بأنّ جسده له، ولا يحقّ لأحد لمسه، وأن لا يلمس جسد أيّ أحد.
2- الإبتعاد عن القيم الدينية.
3- سهولة الحصول على المواد الإباحية غير الأخلاقية.
4- إرسال طفل غير واع وغير مسؤول للعمل في مكان غير آمن.
5- عدم مراقبة الأهل لأطفالهم.
في المقابل، ثمّة عوامل يجب على الأهل مراعاتها ومنها:
أ‌- حماية الطفل غير المتزن عاطفيًا، أو الطفل المنبوذ غير المرغوب به، عن طريقة تشديد أواصر الحبّ والحنان والعطف والإحتواء، وإبعاده عن كلّ أساليب العنف الجسدي المعنوي الذي يضعف شخصيته ويجعل منه طفلًا مهزوزًا وخاضعًا.
ب‌- الطفل الذي لا يملك أيّ معلومة عن التحرّش.
ج‌- عدم قدرة الطفل الجسدية على مقاومة المتحرّش.
وفي حال وقع التحرّش بالطفل، فكيف يفترض أن يتعامل الأبوان معه؟
لا بدّ أوّلًا، أن يؤخذ كلام الطفل بجدّية وعدم مقاربته بسخرية أو التجاهل المقيت والقاتل، لأنّ هذا التصرّف الإبتعادي سيدفعه إلى عدم الكلام. ويجب إشعاره بالأمان والحبّ، والعمل على مدح شجاعته، وعلى التحدّث بالأمر بعقلانية ووعي، وتجنّب الضغط عليه مع التشديد على أنّه لا ذنب له في ما حصل.
الملاحقة القضائية
على أنّ النقطة الأهمّ التي تعتبر جزءًا من العلاج النفسي للطفل، فهي الإبلاغ عن المتحرّش ومعاقبته وملاحقته قضائيًا ليكفّ عن هذا السلوك ولكي يكون عبرة لآخرين.
لذلك كلّه، هناك أسئلة ضرورية، فإلى متى سيبقى أطفالنا عرضة للتحرّش؟ وهل سيسعى بعض الآباء والأمّهات إلى التخلّص من تفكيرهم الرجعي والتعامل مع المواضيع الجنسية بشكل علمي وصريح وواضح لحماية أبنائهم، والإبتعاد عن التكتّم المضرّ؟ وهل سيحدّ القانون الجديد من جرم التحرّش الجنسي، أم أنّ الأمر مرتبط بحياة الإنسان وما يتفرّع عنه من سلوكيات عامة؟
(نشر هذا التحقيق في النسخة الورقية من مجلّة “محكمة” – العدد 52 – آذار 2022، ونعيد نشره هنا على الموقع الإلكتروني لأهمّيته).
“محكمة” – الجمعة في 2022/5/6
*حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية، يمنع منعاً باتاً على أيّ شخص، طبيعيًا كان أم معنويًا وخصوصًا الإعلامية ودور النشر والمكتبات منها، نسخ أكثر من 20% من مضمون الخبر، مع وجوب ذكر إسم موقع “محكمة” الإلكتروني، وإرفاقه بالرابط التشعّبي للخبر(Hyperlink)، كما يمنع نشر وتصوير أيّ خبر بطريقة الـ”screenshot” وتبادله عبر مواقع التواصل الإجتماعي وتحديدًا منها “الفايسبوك” و”الواتساب”، ما لم يرفق باسم “محكمة” والإشارة إليها كمصدر، وذلك تحت طائلة الملاحقة القانونية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!