علم وخبر

إيقاف تصاريح البناء يهدم حقّ المسكن ويعطّل الأمن الاجتماعي/جهاد اسماعيل

الدكتور جهاد اسماعيل (كاتب واستاذ جامعي متخصّص في القانون الدستوري):
بعدما قرّرت الدولة اللبنانية، عن سابق تصور وتصميم، صمّ آذانها، عن إرساء العدالة الاجتماعية، وبالتالي توفير أدنى مقومات العيش الرغيد، تنضم، اليوم، إشكالية ايقاف تصاريح البناء المخصّصة للسكن، على مدى سنوات ست، إلى قائمة إنجازات الدولة في صناعة الحرمان والتهميش، مما يفتح المجال إلى الاعتباطية والأساليب الملتوية ، ومن ثم إلى استجداء التواصل مع الجهات النافذة بهدف إجازة ممارسة أبسط الحقوق الطبيعية في بلدٍ تتخذ الدولة من مقتضيات التنظيم المدني ذريعةً لإيجاد عراقيل صنعتها السلطة بنفسها، لا سيما في بعلبك الهرمل، جرّاء تعطيل الضم والفرز بدءًا من الحكومة، وصولا إلى مجلس النواب الّذي يتوجّب عليه محاسبة الحكومة عن التقصير المتراكم ، وتاليًا في اقرار القوانين الملزمة لها للقيام بأدنى الواجبات اللصيقة بالمجتمعات المتخلّفة أصلًا.
ولمّا كانت الغاية من الدساتير تكمن في تنظيم العلاقات في مجتمع الدولة بما يضمن العيش الكريم للمواطنين والاستقرار والأمن، أوجد المشرّع الدستوري اللبناني نصًا في مقدمة الدستور يكرّس العدالة الاجتماعية في الفقرة “ج”، ويحقّق، في آنٍ، مندرجات الديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية الّتي التزمت بها الدولة اللبنانية من خلال الإنضمام، بموجب قوانين، إلى العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية عملًا بالفقرة “ب” من مقدمة الدستور، مما يُضفي على هذا الالتزام القيمة الدستورية، بحيث يجب أن تصدر السلطات الدستورية المقررات التي تؤمن متعلقات العدالة الاجتماعية ومن بينها حقّ المسكن، لكونه من ركائز النظام الديمقراطي ببعده الاجتماعي، وإلّا تخلّفت الدولة عن بسط سلطتها الخدماتية في جميع الأراضي اللبنانية، وهو مصطلحٌ لا يحصر في الشق العسكري الّذي تفاخر الدولة به مرارًا وتكرارًا، اعتقادًا منها أن السلطة تنحصر في القوة، وتنأئ عن الخدمات والإنماء، بينما هو من صميم الدولة حتّى في المجتمعات المتخلفة.
ولأهمية حقّ المسكن الّذي عطّلته الدولة بمنعها رخص او تصاريح البناء المخصصة للسكن، أكّد المجلس الدستوري اللبناني، في قرار رقم 2014/6، أن حقّ المسكن من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الّتي يتمتّع بقيمة دستورية، حيث يشكّل هدفًا ذا قيمة دستورية ينبغي على السلطتين التشريعية والتنفيذية رسم السياسات ووضع القوانين الآيلة إلى تحقيقه، في حين أن وزارة الداخلية تقر السياسات الهادفة إلى منع تحقيقه، وتمنع، بصورة اعتباطية، تصاريح البناء، بل وصل المجلس الدستوري، في القرار نفسه، إلى حد القول بأن المسكن عامل استقرار نفسي واجتماعي وعامل أمان وشرط أساسي لتحقيق الأمن الاجتماعي، مما يعني أن السلطة الادارية المشكو منها، في قرارها هذا، تصنع بنفسها الجريمة، وتمهّد إلى تهديد الأمن الاجتماعي، في وقتِ يجب عليها أن تبني مقوماته، لا أن تهدم عوامل تحقيقه.
جرّاء ما تقدّم، يتبيّن لنا أن إصرار السلطة الادارية في منع إجازة تصاريح أو رخص البناء يعطّل حق المسكن، وبالتالي يهدم الأمن الاجتماعي، وهذا أمرٌ يقوّض الاستقرار في المجتمع، مما يطرح تساؤلات دستورية مفتوحة الآفاق: فما هي وظيفة الدولة إذًا إن منعت تحقيق الأمن الاجتماعي من تلقاء ذاتها، بعدما حضرت فقط في هدم حائط أو في مخالفة سير؟!
“محكمة” – الخميس في 2026/5/14

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!