التطور… في خدمة العدالة!(عن إجراءات التبليغ وتعديل القوانين لخدمة المصلحة العامة)/ برلا الجردي
القاضي برلا الجردي:
تتألف المحاكمة من إجراءات شكلية ومن قواعد تتعلق بأساس النزاع، ويتربع على عرش الإجراءات الشكلية “التبليغ” الذي يرافق الدعوى منذ تقديمها لما بعد صدور الحكم بها. وباحتلاله هذا المركز، فإنّ أيّ مشكلة تطاله تؤثر على المحاكمة، إنْ لجهة صون حق المتقاضي بالدفاع عن حقه عندما يصل الى علمه النزاع، وإنْ لجهة السرعة في المحاكمة. لذا لا بدّ من أن نستفيد من أي تطور إلكتروني وتكنولوجي ممكن أن يشكل قيمة مضافة على اجراءات التبليغ وتعديل القوانين بما يخدم المصلحة العامة والمجتمع ويحقق العدالة.
والغاية من التبليغ هي اعطاء العلم للمتقاضي ان هناك دعوى بحقه، وتمكينه من الدفاع عن حقه، وتحقيق مبدأ الوجاهية طيلة السير بالمحاكمة لما بعد صدور الحكم.
ونلاحظ أنّ الدول الاجنبية كفرنسا وغيرها من الدول الاوروبية، وكذلك بعض الدول التي تعتمد الـ common law بدأت اعتماد التبليغ بواسطة البريد الالكتروني في بعض الحالات، وأنّ ذلك يساعد في التسريع في المحاكمة وتفادي التهرب من استلام التبليغ. ورغم أنّ هذه الوسيلة في التبليغ تعتبر سهلة وتزيل الكثير من العقبات لجهة التنقل من مكان الى آخر ولجهة الاجراءات الورقية، غير أنّ اعتمادها لا يجب أن يتمّ بدون قيود متشدّدة تحفظ الغاية الجوهرية من التبليغ ألا وهي تمكين المتقاضي من الدفاع عن حقه عبر وصول الإجراء القضائي الذي يطاله إلى علمه والتأكّد من ذلك.
ومن هنا، وبمقارنة بسيطة للحالات التي تعتمد فيها قوانين الدول الاجنبية البريد الالكتروني كوسيلة في التبليغ، وانطلاقاً من الغاية الجوهرية للتبليغ، يمكن اقتراح اعتماده في الحالات التالية:
1- بين المحامين: فوفق قانون اصول المحاكمات المدنية اللبناني، بمجرد توكيل المحامي يصبح مكتبه مقاماً مختاراً لموكله في كل ما يتعلق بإجراءات المحاكمة التي استعمل وكالته فيها، وبإجراءات تنفيذ الأحكام الصادرة بنتيجة هذه المحاكمة.
وإنّ اعتماد التبليغ بواسطة البريد الالكتروني كوسيلة قانونية للتبليغ بين المحامين يساعد في تسريع اجراءات المحاكمة، على أن يكون البريد الإلكتروني العائد لكلّ محامي مسجل ومحفوظ لدى نقابة المحامين.
2- في حال موافقة المطلوب إبلاغه المسبقة الصريحة: أيّ عندما يتضمّن العقد موضوع النزاع موافقة مسبقة من المطلوب ابلاغه على أنّه في حال حصول نزاع قضائي يجوز إبلاغه بواسطة البريد الالكتروني. ويمكن أن يطبق ذلك على ابلاغه استحضار الدعوى وثمّ أيّ إجراء من إجراءاتها، شرط طبعاً ان يكون المطلوب ابلاغه مقيماً في لبنان (وألّا يقتضي مراعاة قواعد القانون الدولي)، وعلى أن يحدّد القانون إجراءات واضحة تثبت ارسال المدعي التبليغ إلى المطلوب إبلاغه وتاريخه ومضمونه.
3- في حال موافقة المطلوب ابلاغه اللاحقة الصريحة: أي عندما يتبلغ المطلوب إبلاغه أوراق الدعوى أو إجراءاتها وفق ما هو محدّد في قانون أصول المحاكمات المدنية اللبناني ويصرح بعد ذلك بقبوله أن يتمّ إبلاغه بعد ذلك كلّ إجراءات الدعوى عبر بريده الالكتروني، وعلى أن يحدّد القانون إجراءات واضحة لتصديق تصريحه، ولاحقاً لإثبات ارسال التبليغ اليه عبر البريد الالكتروني.
في الخلاصة، جئنا بهذا المقال بهدف وحيد وهو، بشكل عام، تسليط الضوء على أهمية تطوير القوانين بما يتلاءم مع مصلحة المجتمع والعدالة، وبشكل أخص تسليط الضوء على أهمية اعتماد البريد الالكتروني كوسيلة من وسائل التبليغ في قانون أصول المحاكمات المدنية، على أن يبقى من الأساسي إجراء دراسة موسعة وعميقة حول كيفية اعتماده والشروط القانونية الواجب أن تترافق مع ذلك بغية التوفيق، من جهة، بين تسهيل اجراءات التبليغ والحد من التهرب منه وتسريع المحاكمة، ومن جهة أخرى بين الحفاظ على مبدأ الوجاهية.
“محكمة” – الاربعاء في 2026/8/12



