الإحساس… لغة القلب التي لا تُكذّب/انطونيو الهاشم
انطونيو الهاشم (نقيب المحامين سابقاً):
الإحساس، هو ذاك الزائر الخفي الذي يدخل إلى أعماقك دون استئذان.
يمشي على أطراف الحواس، يهمس في نبضك، ويتركك معلقًا بين الدهشة والحنين، بين الفرح الذي لا يُفهم، والحزن الذي لا يُقال.
ما الإحساس؟
هو دمعة تسقط دون أمر، وابتسامة تنفرج رغم الجرح، وارتجافة خفية عند مرور عطرٍ يشبه مَن رحلوا… هو تلك اللحظة التي تقف فيها صامتًا، فيما العالم يشتعل من حولك، لكن قلبك هو من يتكلم.
الإحساس لا يُرى، لكنه يُحسّ.
لا يُلمس، لكنه يلمسنا نحن.
قد يكون أغنيةً، أو نظرةً، أو حتى صمتًا ثقيلاً…
هو أن تمرّ على طريقٍ مشيتَه مع أحدهم، فتشعر أن الأرض نادته قبل أن تناديك.
هو أن تقرأ رسالة قديمة، وتشعر أن الحروف ما زالت دافئة، كأنها كُتبت الآن.
إنه حضور الغائب، وصوت الأشياء التي لا تنطق.
هو الرائحة التي تأتي من الذكرى، والنغمة التي تعود من الماضي، وتستقرّ في الحاضر كأنها لم ترحل.
ما أشدّ فقر الإنسان الذي لا يحسّ!
الذي يمرّ على الجمال فلا يتوقف،
وعلى الحزن فلا ينكمش،
وعلى الناس دون أن يترك فيهم شيئًا أو يتركوا فيه أثرًا.
الإحساس هو ما يجعل من الحجر قصيدة،
ومن العتمة شوقًا إلى النور،
ومن وجع القلب أغنيةً، نغنّيها كي لا نموت.
أحيانًا، لا نحتاج إلى الكلمات بقدر ما نحتاج إلى الشعور.
فكم من كلمة قيلت بلا إحساس، فماتت على الفور،
وكم من نظرة صامتة كانت أبلغ من ألف حديث.
الإحساس هو الشعر الذي لا يُكتب،
هو الفن الذي يسكن داخلنا دون أن نعرضه في معارض،
هو النبض حين نحبّ، والخوف حين نشتاق،
والأمان حين نجد من يربّت على وجعنا دون أن نسأله.
في زمنٍ صار الناس يتفاخرون باللامبالاة،
صار الإحساس رفاهية نادرة،
عملًا فنيًا مهدّدًا بالانقراض.
لكننا، رغم الضجيج، لا نزال نملك تلك القدرة العجيبة على أن نُحبّ، ونخاف، ونشتاق، ونحلم…
فلنحفظ فينا هذا النور.
فلنُحِسّ، مهما كانت الحياة قاسية،
لأن الإحساس هو ما يجعلنا أحياء،
لا مجرّد عابرين في صحراء الوقت.
“محكمة” – الأحد في 2025/8/31



