بهيج طبارة… آخر الحكماء يغادرون/رامي عيتاني
المحامي رامي محمد خير عيتاني:
برحيل معالي الوزير السابق بهيج طبارة، لا يخسر لبنان وزيرًا سابقًا أو رجل قانون فحسب، بل يخسر واحدًا من آخر كبار رجال الدولة، وقامةً وطنيةً استثنائيةً شكّلت على مدى عقود مرجعيةً موثوقةً في القانون والدستور والسياسة.
كان بهيج طبارة الاسم الذي يُستحضر كلما استعصى تفسير دستوري، أو احتدمت أزمة سياسية، أو احتاجت الدولة إلى رأي قانوني رصين بعيد عن الشعبوية والانفعال ، لم يكن مرجعية لفريق دون آخر، بل كان مرجعيةً للجميع، يثق بحكمته المختلفون قبل المتفقين، ويحترم علمه الخصوم قبل الحلفاء.
في زمن الانقسامات، كان رجل التلاقي ، وفي زمن الاصطفافات، كان رجل الاعتدال. جمع اللبنانيين ولم يفرّقهم، وجمع الطوائف ولم ينحز لطائفة، وجمع القوى السياسية على احترامه مهما اختلفت مواقفها. كان يؤمن أن الدولة هي المظلّة التي تحمي الجميع ، وأن القانون يجب أن يبقى فوق الجميع.
ومنذ مرحلة اتفاق الطائف، كان حاضرًا بعلمه وخبرته ورؤيته، مساهمًا في ترسيخ مفاهيم الدولة والمؤسسات، ومدافعًا عن الدستور، ومؤمنًا بأن الحوار والاحتكام إلى القانون هما السبيل الوحيد لحماية لبنان.
ولعلّ من أبرز المحطات في مسيرته الوطنية، تلك التي جمعته بالرئيس الشهيد رفيق الحريري، حيث كان من أقرب مستشاريه وأكثرهم ثقةً وتأثيرًا. عاصره في مختلف مراحل بناء الدولة بعد اتفاق الطائف، وكان شريكًا في صياغة الكثير من الرؤى القانونية والدستورية التي واكبت تلك المرحلة ، وقد اعتمد عليه الرئيس رفيق الحريري في أدقّ الملفات وأصعبها، لما عُرف عنه من علمٍ راسخ، وحكمةٍ استثنائية، وقراءةٍ عميقة للدستور والقانون ، فكان المستشار الأول الذي يُلجأ إليه، والمرجع الذي تُؤخذ برأيه، والرجل الذي جمع بين الكفاءة القانونية وبعد النظر السياسي، حتى أصبح اسمه مقرونًا بكل محطة مفصلية من محطات بناء الدولة الحديثة.
لم يكن بهيج طبارة يبحث عن الأضواء، بل كانت الأضواء تبحث عنه، ولم يكن يرفع صوته، لأن قيمة الكلمة عنده كانت في مضمونها لا في حدّتها ، ترك إرثًا من الحكمة والنزاهة والرقي في العمل العام، سيبقى شاهدًا على زمن كان فيه رجال الدولة يُعرفون بأخلاقهم قبل مناصبهم، وبعلمهم قبل نفوذهم.
أما نحن، أهل القانون والمحاماة، فلا نرثي اليوم وزيرًا سابقًا أو فقيهًا دستوريًا فحسب، بل نرثي مرجعيةً قانونيةً ووطنيةً من الطراز الذي أصبح نادرًا. فبرحيل بهيج طبارة نشعر اليوم بأننا أصبحنا أكثر يُتمًا، وكأن مظلةً كبيرةً كانت تظلّل رجال القانون قد غابت ، لقد كان من آخر المرجعيات التاريخية التي أعادت إلى الأذهان الزمن الجميل؛ زمن كبار رجال الدولة، وكبار القضاة، وكبار المحامين، ووزراء العدل الذين صنعوا هيبة العدالة، وأساتذة الحقوق الذين خرّجوا أجيالًا على احترام الدستور وسيادة القانون.
كان وجوده يمنحنا شعورًا بالاطمئنان، لأننا كنّا نعلم أن هناك عقلًا قانونيًا استثنائيًا، وحكمةً وطنيةً، ومرجعًا نزيهًا يمكن العودة إليه عند كل استحقاق وطني أو دستوري.
واليوم، برحيله، نشعر أن صفحةً مشرقةً من تاريخ العدالة اللبنانية قد طُويت، وأن اليُتم الذي أصاب أسرة القانون في لبنان. هو يُتمٌ حقيقي، بفقدان قامةٍ لن تتكرر بسهولة، ورجلٍ بقي حتى آخر أيامه عنوانًا للعلم، والاعتدال، وهيبة الدولة ، وهيبة الرجل الصادق الجامع.
إن رحيل بهيج طبارة هو خسارة وطنية حقيقية، لأن الرجال الذين يجمعون ولا يفرّقون، ويبنون ولا يهدمون، ويحتكمون إلى العقل والقانون في كل الظروف، أصبحوا نادرين ، وخسارتهم لا تعوض للأسف.
رحم الله بهيج طبارة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم عائلته ومحبيه الصبر والسلوان، وحفظ لبنان الذي خدمه بإخلاص، والذي سيبقى مدينًا له بما قدّمه من فكرٍ وحكمةٍ ووطنية.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
“محكمة” – الجمعة في 2026/6/26



