أبحاث ودراسات

قانون العفو العام في لبنان لعام 2026: بين معالجة أزمة السجون وحدود الإفلات من العقاب/سحر محسن

المحامية الدكتورة سحر سمير محسن:
ارتبطت قوانين العفو العام في لبنان، بصورة وثيقة، بمراحل الاضطراب السياسي والأمني والصراعات الداخلية التي شهدتها البلاد منذ الاستقلال. وقد تكررت هذه القوانين في محطات تاريخية مختلفة، بدءًا من الأحداث الأهلية التي شهدها لبنان عام 1958.
ففي 24 كانون الأول 1958، صدر قانون منح العفو العام عن الجرائم المرتكبة حتى 15 تشرين الأول من العام نفسه. ثم صدر القانون رقم 69/8 بتاريخ 17 شباط 1969، الذي منح عفوًا عامًا عن الجرائم المرتكبة قبل 1 كانون الثاني 1968، وشمل، من بين أمور أخرى، الجرائم التي وقعت على أثر حرب حزيران 1967.
وإلى جانب ذلك، صدرت قوانين متعددة منحت العفو العام عن بعض جرائم المطبوعات.
غير أن أبرز قوانين العفو العام في التاريخ اللبناني الحديث يبقى القانون رقم 91/84 الصادر في 26 آب 1991، نظرًا إلى صدوره في أعقاب الحرب الأهلية اللبنانية الطويلة التي اندلعت في 13 نيسان 1975 واستمرت حتى خريف عام 1990. وقد منح هذا القانون العفو عن الجرائم المرتكبة خلال فترة الحرب حتى تاريخ 28 آذار 1991، في محاولة لمعالجة الآثار الجزائية المترتبة على النزاع الأهلي ووضع حد للملاحقات المرتبطة به.
أقر مجلس النواب اللبناني بتاريخ 2026/8/12 اقتراح قانون منح عفو عام وتخفيض مدة بعض العقوبات بصورة استثنائية ، وهذا أثار نقاشًا قانونيًا واسعًا، ليس فقط بسبب عدد المستفيدين المحتملين منه، وإنما أيضًا بسبب الآثار التي يمكن أن يرتبها على السياسة الجزائية في لبنان. فالاقتراح لا يقتصر على إسقاط العقوبات عن فئات محددة، بل يتضمن أحكامًا تتصل بالحقوق الشخصية، والتكرار الجرمي، وجرائم المخدرات، وتعدد العقوبات وكيفية تنفيذها، وصولًا إلى تعديل استثنائي للمادة 205 من قانون العقوبات.
ومن هنا، فإن قراءة الاقتراح تقتضي تجاوز السؤال التقليدي: من سيستفيد من العفو؟ إلى أسئلة أعمق تتعلق بسبب إقراره، والجرائم المستثناة منه، ومصير حقوق الضحايا، وكيفية التعامل مع المكرر، وما إذا كانت بعض أحكامه قد تؤدي عمليًا إلى توسيع دائرة المستفيدين بما يتجاوز العفو بالمعنى التقليدي.
أولًا: لماذا العفو العام؟
ينطلق الاقتراح من واقع قضائي وسجني استثنائي، يتمثل بصورة أساسية في تراكم الملفات، وطول أمد المحاكمات والتوقيف، والضغط الكبير الذي تعاني منه السجون وأماكن الاحتجاز. وتربط أسبابه الموجبة هذه الأزمة بمجموعة من العوامل السياسية والمؤسساتية والأمنية والاقتصادية التي انعكست على انتظام عمل القضاء والسجون.
ويحمل الاقتراح، في هذا الجانب، بعدًا إنسانيًا واضحًا، إذ ينظر إلى استمرار توقيف بعض الأشخاص لفترات طويلة من دون حسم أوضاعهم القضائية باعتباره مسألة تمسّ ضمانات المحاكمة العادلة والحرية الشخصية. كما يتناول الاكتظاظ داخل السجون وما يترتب عليه من آثار على كرامة الموقوفين والمحكوم عليهم.
لكن أهمية الأسباب الموجبة تكمن أيضًا في أنها لا تقدم العفو باعتباره حلًا دائمًا لأزمة العدالة. فالاقتراح نفسه يقر بأن معالجة الأزمة تتطلب إصلاح القضاء والسجون وتسريع المحاكمات وتحسين ظروف الاحتجاز، أي أن العفو، وفق المنطق الذي يقوم عليه النص، إجراء استثنائي لمعالجة وضع استثنائي، وليس بديلًا عن الإصلاح القضائي والمؤسساتي.
ثانيًا: من هم المستفيدون؟
تبدو المادة الأولى من اقتراح القانون واسعة في تحديد المستفيدين؛ فهي تمنح عفوًا عامًا عن الجرائم المرتكبة قبل 1 آذار 2026، ولا تقصر الاستفادة على المحكوم عليهم الذين صدرت بحقهم أحكام مبرمة، بل تشمل، من حيث المبدأ، الجرائم سواء صدرت بشأنها أحكام أم لم تصدر، طالما كانت داخلة في النطاق الزمني ولم تكن من الجرائم المستثناة. كما أن العفو لا يقتصر على الفاعل الأصلي، بل يشمل جميع من ساهموا في ارتكاب الجريمة، وفق الصفات التي يحددها قانون العقوبات.
وهذا يعني أن نطاق المستفيدين يمكن تقسيمه إلى عدة فئات:
1- المحكومون بجرائم مشمولة بالعفو
الفئة الأولى والأكثر وضوحًا هي الأشخاص الذين صدرت بحقهم أحكام جزائية عن جرائم ارتُكبت قبل 1 آذار 2026، شرط ألا تكون هذه الجرائم واردة ضمن قائمة الاستثناءات. ولا يشترط النص أن يكون الحكم وجاهيًا أو مبرمًا، إذ يقرر سقوط الملاحقات والأحكام والقرارات، سواء كانت وجاهية أو غيابية أو بمثابة الوجاهية.
وبالتالي، فإن أثر العفو لا يتوقف على المرحلة التي بلغتها الدعوى، بل يمكن أن يستفيد منه المحكوم عليه حتى لو كان الحكم قد صدر بحقه في غيابه، متى كانت الجريمة مشمولة بالعفو.
2- الملاحَقون الذين لم تصدر بحقهم أحكام
لا تقتصر الاستفادة على المحكوم عليهم. فالنص يتحدث صراحة عن الجرائم التي «صدرت الأحكام أم لم تصدر»، كما أن المادة الأولى تقرر سقوط الدعوى العامة وسقوط الملاحقات والأحكام والقرارات بالنسبة إلى الجرائم المشمولة.
وهذا يعني أن الشخص الذي لا تزال ملاحقته الجزائية قائمة، ولم يصدر بحقه حكم بعد، يمكن أن يستفيد من العفو إذا كانت الجريمة التي يلاحق بسببها مشمولة به. وهنا تظهر إحدى أهم وظائف العفو العام: فهو لا يقتصر على تنفيذ العقوبة، بل يمكن أن يمنع استمرار الملاحقة الجزائية أصلًا بالنسبة إلى الأفعال التي يشملها.
3- الفاعل الأصلي والشريك والمتدخل والمحرّض والمخبّئ
لم يعتمد الاقتراح معيارًا شخصيًا ضيقًا، بل وسّع الاستفادة لتشمل كل من ساهم في ارتكاب الجريمة، سواء كان فاعلًا أو شريكًا أو متدخلًا أو محرّضًا أو مخبئًا، وفق التعريفات الواردة في قانون العقوبات. وهذه نقطة مهمة جدًا من الناحية القانونية؛ لأن العفو هنا يرتبط بالجريمة المشمولة وبمساهمة الشخص فيها، وليس بصفة الفاعل الأصلي وحدها. وبالتالي، فإذا كانت الجريمة داخلة في نطاق العفو، فإن الأصل أن يمتد أثره إلى الأشخاص الذين ساهموا فيها بالصفات التي حددها النص، ما لم ينطبق على حالتهم استثناء آخر وارد في القانون.
4- من استفاد من العفو رغم اختلاف المرحلة الإجرائية
يمكن أن يشمل الاقتراح أشخاصًا في أوضاع قضائية مختلفة، مثل شخص لا يزال ملاحقًا ولم يصدر بحقه حكم. وشخص صدر بحقه حكم غير مبرم، وشخص صدر بحقه حكم مبرم وينفذ العقوبة، وشخص صدر بحقه حكم غيابي، وشخص صدر بحقه حكم بمثابة الوجاهي. وذلك لأن المادة الأولى لم تربط الاستفادة بمرحلة محددة من مراحل الدعوى، بل رتبت سقوط الملاحقات والأحكام والقرارات بالنسبة إلى الجرائم المشمولة. وهذا يجعل الاقتراح أوسع من مجرد عفو عن العقوبة؛ فهو، في الجرائم المشمولة، يمس الدعوى العامة ذاتها والآثار الجزائية للحكم.
5- فئة خاصة: من تجاوز توقيفهم 14 سنة
أضاف الاقتراح معالجة استثنائية لفئة شديدة الخصوصية، وهي الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم قبل 1 آذار 2026، ولم يصدر فيها حكم بعد، وتجاوزت مدة توقيفهم 14 سنة سجنية. ففي هذه الحالة، يوجب النص على القاضي تخلية سبيل المدعى عليه حكمًا، مع استمرار محاكمته وفق الأصول القانونية.
6- المستفيدون من تخفيض العقوبة وليس العفو
فالمادة الثالثة تنص على أنه في الجرائم التي لا يشملها العفو، والتي حصلت قبل نفاذ القانون، تُستبدل بعض مدد العقوبات على النحو الآتي:
● عقوبة الإعدام تصبح 28 سنة سجنية.
● الأشغال الشاقة المؤبدة تصبح 17 سنة سجنية.
● سائر العقوبات المتبقية تخفض بمقدار الثلث.
وهنا نحن أمام نقطة جوهرية في فهم الاقتراح: ليس كل مستفيد من القانون مستفيدًا من العفو العام بالمعنى الفني للكلمة. فهناك مستفيد من العفو الكامل تسقط بحقه الدعوى العامة والعقوبات والآثار الجزائية التي حددها النص.
وفي المقابل: هناك مستفيد من تخفيض العقوبة تبقى الجريمة والحكم قائمين، لكن تخفّض مدة العقوبة وفق النسب التي حددها الاقتراح.
7- إسقاط الحق الشخصي كشرط للاستفادة من التخفيض
وضع الاقتراح قيدًا مهمًا على الفئة المستفيدة من تخفيض العقوبة، إذ نص على أنه في الجرائم التي اتخذ فيها المتضرر صفة الادعاء الشخصي قبل 1 آذار 2026، لا يسري التخفيض إلا بعد الحصول على إسقاط الحق الشخصي. وهذا يعني أن المحكوم عليه لا يستطيع، في هذه الحالات، أن يستفيد من التخفيض بصورة تلقائية، وإنما يجب أن تتحقق إرادة المتضرر وفق الشرط الذي وضعه النص. وهنا يظهر بوضوح أن الاقتراح حاول تحقيق توازن بين مصلحة المحكوم عليه ومصلحة الضحية.
8- المحكومون الذين أمضوا مدة عقوبتهم وبقوا في السجن بسبب الغرامات
من الفئات الخاصة التي عالجها الاقتراح الأشخاص الذين أمضوا مدة عقوبتهم قبل تاريخ نشر القانون، لكنهم ظلوا مسجونين بسبب عدم تسديد الغرامات المالية المحكوم بها. فالمادة التاسعة تمنحهم، بصورة استثنائية، إعفاءً من جميع الغرامات والرسوم من أي نوع كانت، بهدف إخراجهم من السجن. وهذه المادة تحمل بعدًا اجتماعيًا واضحًا، لأنها تستهدف أشخاصًا انتهت مدة عقوبتهم الأصلية، لكنهم بقوا محتجزين بسبب التزامات مالية مرتبطة بالحكم.
9- غير اللبنانيين
لم يغفل الاقتراح وضع غير اللبنانيين. فالمادة السابعة تنص على أنه بالنسبة إلى غير اللبناني، فإن الشخص الذي يستفيد من أحكام القانون يسلّم فور إخراجه من السجن إلى المديرية العامة للأمن العام لاتخاذ المقتضى وفق الأصول القانونية. وبالتالي، فإن الاستفادة من العفو لا تعني بالنسبة إلى غير اللبناني أن وجوده في لبنان يصبح قانونيًا تلقائيًا أو أن جميع الآثار المتعلقة بإقامته تسقط؛ إذ أحال النص أمره إلى المرجع المختص لاتخاذ الإجراءات القانونية.
ثالثًا: الاستثناءات… أين وضع الاقتراح الخط الأحمر؟
حرص الاقتراح على استبعاد مجموعة من الجرائم التي اعتبرها ذات خطورة خاصة. ومن أبرزها الجرائم المحالة إلى المجلس العدلي، والقتل العمد أو القصدي، والجرائم الإرهابية المرتكبة بحق المدنيين أو العسكريين وعناصر القوى الأمنية، إلى جانب مجموعة من الجرائم المتعلقة بأمن الدولة والجرائم العسكرية.
كما استبعد جرائم تتصل بالمال العام والفساد والإثراء غير المشروع وتبييض الأموال وتمويل الإرهاب والجرائم المصرفية وأموال المودعين، فضلًا عن بعض الجرائم المتعلقة بالآثار، والجرائم البيئية.
وفي المجال الاجتماعي والإنساني، استبعد الاقتراح جرائم بالغة الخطورة، من بينها الاغتصاب وسفاح القربى والاتجار بالبشر والعنف الأسري والاعتداء الجنسي على القاصرين، فضلًا عن الجرائم المشمولة بتشريعات التعذيب والإخفاء القسري. وهذا الاتجاه إيجابي من الناحية التشريعية، لأنه يحاول أن يضع حدودًا للعفو في الجرائم التي تمس بصورة مباشرة أمن المجتمع أو حياة الإنسان أو كرامته أو المال العام.
رابعًا: المخدرات والتكرار… بين الجريمة الفردية والنشاط المنظم
من أكثر الملفات حساسية في أي قانون عفو عام جرائم المخدرات، لأن وضع جميع الجرائم المرتبطة بالمخدرات في خانة واحدة قد يؤدي إلى مساواة أفعال متفاوتة جدًا من حيث الخطورة.
فثمة فرق بين المستهلك أو الحائز بقصد التعاطي، وبين المروّج، وبين المتاجر، وبين الشخص الذي يعمل ضمن شبكة منظمة تتولى الاستيراد أو التخزين أو النقل والتوزيع. كما ينبغي التمييز بين الترويج في صورته الفردية وبين الترويج الذي يشكل جزءًا من نشاط إجرامي منظم، وبين هذا الأخير وبين الاتجار المنظم الذي يقوم على بنية أكثر اتساعًا واستمرارية.
ومن المهم هنا عدم الخلط بين التكرار الجرمي والتنظيم الجرمي. فالتكرار يتعلق بعودة الشخص إلى ارتكاب الجريمة بعد تحقق شروط التكرار التي يحددها القانون، بينما يتعلق التنظيم ببنية النشاط الجرمي وتوزيع الأدوار داخله. وبالتالي، فإن كون الشخص «مكررًا» لا يعني بالضرورة أنه عضو في شبكة منظمة، كما أن ثبوت انخراطه في نشاط منظم لا يتوقف بالضرورة على تحقق التكرار بحقه.
وقد أخذ الاقتراح بالتكرار معيارًا لاستبعاد بعض جرائم المخدرات، إذ استثنى جنايات التكرار في جرائم المخدرات وأحال في تحديد مفهوم التكرار إلى أحكام قانون العقوبات.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين ثلاثة عناصر عند تطبيق القانون: طبيعة الفعل، ومدى تنظيم النشاط الجرمي، ووجود التكرار القانوني. فلا يجوز أن يتحول مجرد وصف الجريمة بأنها «مخدرات» إلى معيار وحيد للاستفادة أو الاستثناء.
باختصار يكمن الفرق بين االتريج المنظم، والإتجار المنظم في:
الأول: الترويج المنظم، ويقصد به الترويج الذي يتم ضمن نشاط منسق أو شبكة تتوزع فيها الأدوار بين عدة أشخاص، بحيث لا يكون المروّج فاعلًا منفردًا وإنما جزءًا من منظومة أوسع لتداول المخدرات.
الثاني: الاتجار المنظم، وهو مستوى أكثر اتساعًا من النشاط الجرمي، يرتبط بإدارة أو تنظيم عملية تداول المخدرات بصورة مستمرة، وقد يشمل تأمين المواد المخدرة ونقلها وتخزينها وتوزيعها وتسويقها، مع وجود تنظيم أو تنسيق بين عدة أطراف.
خامسًا: ماذا يعني «التكرار»؟
التكرار ليس مجرد ارتكاب الشخص أكثر من جريمة، ولا يعني بالضرورة وجود عدة ملفات بحقه. إنما يرتبط بتحقق الشروط التي يحددها القانون لاعتبار الشخص عائدًا إلى الجريمة.
ولهذا السبب اكتسب التكرار أهمية خاصة في اقتراح العفو. فقد استُبعدت جنايات التكرار في جرائم المخدرات، كما استُخدم معيار التكرار في بعض جرائم السرقة لتحديد الحالات المستثناة من العفو.
والفلسفة وراء ذلك واضحة: فالعفو يستهدف، في أحد أبعاده، معالجة أوضاع استثنائية ترتبط بالسجون والتوقيف وتأخر المحاكمات، لكنه لا يفترض بالضرورة أن يمتد إلى من تكشف سوابقه عن نمط إجرامي متكرر. وتأكيدا لذلك تضيف المادة السادسة من الاقتراح بعدًا آخر لمسألة التكرار، إذ تنص على تشديد العقوبة في الجريمة الجديدة إذا ارتكب المستفيد من القانون جنحة أو جناية خلال خمس سنوات من تاريخ نشر القانون، وذلك وفقًا لأحكام المادة 257 من قانون العقوبات. وهنا تبرز مفارقة قانونية مهمة: فالاقتراح لا ينظر إلى المستفيد من العفو باعتباره قد خرج نهائيًا من دائرة الاعتبار الجزائي؛ إذ يظل سلوكه اللاحق مؤثرًا في مركزه القانوني. فإذا عاد إلى ارتكاب جريمة خلال المهلة المحددة، ترتبت بحقه آثار تشديد العقوبة وفق النص.
لكن يجب الحذر من الخلط بين التكرار القانوني وبين مجرد تعدد الملاحقات أو الأحكام. فلكل منهما مفهومه وآثاره، وأي توسع غير منضبط في مفهوم التكرار قد يؤدي إلى استبعاد أشخاص من العفو من دون توافر شروطه القانونية، بينما قد يؤدي التضييق المفرط إلى استفادة أشخاص تتوافر في سلوكهم مؤشرات واضحة على الاعتياد الجرمي.
سادسًا: مصير الحقوق الشخصية… العفو لا يمحو حق الضحية
من أهم المسائل التي ينبغي التوقف عندها أن العفو عن الدعوى العامة لا يعني بالضرورة إسقاط الحقوق الشخصية للمتضررين.
فقد نظم الاقتراح بصورة خاصة مصير الدعاوى المتعلقة بالحق الشخصي، فأبقى النظر في بعض الدعاوى أمام المحاكم الجزائية إذا كانت قد قُدمت أو أُحيلت إليها قبل نفاذ القانون، بينما تحال الدعاوى الأخرى الناشئة عن الجرائم المشمولة بالعفو إلى المراجع المدنية أو الإدارية المختصة بحسب طبيعتها.
وهذا التمييز جوهري: العفو العام يستهدف الحق العام، وليس بالضرورة الحق الشخصي.
وبالتالي، فإن سقوط الملاحقة الجزائية لا يعني أن المتضرر فقد حقه في المطالبة بالتعويض عن الضرر الذي أصابه. بل إن الاقتراح حافظ على إمكانية تنفيذ الأحكام المتعلقة بالتعويض وفق الآليات التي حددها.
غير أن الاقتراح يضع، في المقابل، شرطًا يتعلق بإسقاط الحق الشخصي في بعض حالات تخفيض العقوبة، الأمر الذي يجعل موقف المتضرر عنصرًا مؤثرًا في الاستفادة من التخفيض.
سابعًا: المادة 205… التعديل الذي يتجاوز مفهوم العفو
من أكثر الأحكام إثارة للاهتمام في الاقتراح تعديل المادة 205 من قانون العقوبات. فالمادة العاشرة لا تعدّل المادة 205 بصورة دائمة، بل تنص على تعديلها لمرة واحدة وحصرًا لدواعي تطبيق قانون العفو. والغاية هي معالجة وضع الأشخاص الذين صدرت بحقهم عدة أحكام عن عدة جنايات أو جنح.
وبحسب النص المقترح، إذا ثبتت عدة جنايات أو جنح وقُضي بعقوبة لكل منها، تكون القاعدة هي تنفيذ العقوبة الأشد دون سواها. غير أن النص يجيز الجمع بين العقوبات ضمن سقف محدد، بحيث لا يتجاوز مجموع العقوبات المؤقتة الحد الأقصى للعقوبة المعينة للجريمة الأشد، مضافًا إليه ربع هذا الحد الأقصى. أما المحكومون بالإعدام أو بالعقوبات المؤبدة، فقد استُثنوا من آلية الجمع التي يقررها التعديل.
ما معنى ذلك عمليًا؟
لنفترض أن شخصًا لديه عدة أحكام جزائية. فبدل أن تؤدي هذه الأحكام، بصورة تلقائية، إلى تراكم كامل مددها وتنفيذها تباعًا، يصبح التنفيذ، وفق التعديل المقترح، قائمًا أساسًا على العقوبة الأشد، مع إمكانية الجمع ضمن السقف الذي حدده النص.
ومن هنا، فإن المادة 205 المعدلة لا تمنح عفوًا جديدًا عن الجريمة، وإنما تغير طريقة التعامل مع تعدد العقوبات وتنفيذها. وهذه نقطة مهمة جدًا؛ لأن أثرها قد يكون عمليًا كبيرًا على مدة بقاء بعض المحكوم عليهم في السجن، حتى عندما لا تكون جميع الجرائم التي أدينوا بها مشمولة بالعفو الكامل.
وبالتالي، فإن الاقتراح يتضمن مستويين مختلفين من المعالجة:
1. العفو: إسقاط الآثار الجزائية عن الجرائم التي يشملها النص.
2. إعادة تنظيم تنفيذ العقوبات: تخفيف الأثر التراكمي لتعدد الأحكام من خلال تعديل المادة 205 بصورة استثنائية.
وهذا يجعل المادة 205 واحدة من أكثر مواد الاقتراح تأثيرًا من الناحية العملية.
ثامنًا: الإيجابيات… لماذا يمكن الدفاع عن الاقتراح؟
يمكن تسجيل عدد من النقاط الإيجابية.
1، أن الاقتراح يتعامل مع أزمة فعلية في السجون والقضاء، ولا سيما الاكتظاظ وطول التوقيف وتأخر المحاكمات.
2، أنه لم يعتمد عفوًا مطلقًا، وإنما وضع قائمة واسعة من الجرائم المستثناة، ولا سيما الإرهاب والقتل والجرائم الواقعة على المال العام والفساد وتبييض الأموال والجرائم الجنسية.
3، أنه حافظ، من حيث المبدأ، على إمكانية المطالبة بالحقوق الشخصية، وهو أمر بالغ الأهمية في تحقيق التوازن بين المحكوم عليه والمتضرر.
4، أنه أخذ في الاعتبار التكرار الجرمي ولم يساوِ بصورة مطلقة بين من يرتكب الجريمة للمرة الأولى ومن تتكرر بحقه الإدانات، ولا سيما في مجال المخدرات والسرقة.
5، أن تعديل المادة 205 يمكن أن يعالج حالات التراكم المفرط للعقوبات بالنسبة إلى من لديهم عدة أحكام، بما يخفف الضغط على السجون في الحالات التي يراها المشرع جديرة بمعالجة استثنائية.
تاسعًا: الثغرات… هل يعالج العفو المشكلة أم نتائجها؟
رغم وجاهة بعض مبررات الاقتراح، فإن هناك مجموعة من الملاحظات التي تستحق النقاش.
أولها أن العفو يعالج النتيجة ولا يعالج السبب. فإذا كان سبب اللجوء إليه هو تأخر المحاكمات والاكتظاظ، فإن استمرار الأسباب التي أنتجت هذه الأزمة سيؤدي حتمًا إلى الحاجة إلى عفو جديد بعد سنوات.
وثانيها أن الجمع بين العفو الكامل وتخفيض العقوبات وتعديل قواعد جمع العقوبات يجعل الاقتراح أوسع أثرًا من مجرد قانون عفو تقليدي. فالشخص الذي لا يستفيد من العفو قد يستفيد من تخفيض العقوبة، والشخص الذي لديه عدة أحكام قد يستفيد من إعادة تنظيم طريقة تنفيذها.
وثالثها أن بعض المفاهيم تحتاج إلى صياغة شديدة الدقة، ولا سيما عند التمييز بين التكرار القانوني وتعدد الملاحقات والأحكام، وكذلك عند تقييم الأدوار المختلفة في جرائم المخدرات، من الحيازة والتعاطي إلى الترويج والاتجار والنشاط المنظم.
ورابعها أن أي قانون عفو يجب أن يحافظ على التوازن بين المحكوم عليه والضحية. فالتخفيف من العقوبة لا ينبغي أن يتحول إلى إضعاف للحق في التعويض، كما أن إسقاط الدعوى العامة لا ينبغي أن يفهم على أنه محو كامل لكل آثار الجريمة في المجال المدني.
أما خامس الملاحظات، فتتعلق بتعديل المادة 205 نفسه. فكون التعديل استثنائيًا ولمرة واحدة يطرح سؤالًا حول مدى وضوح المعايير التي ستُستخدم عند تطبيقه، ولا سيما في الحالات التي تتعدد فيها الأحكام وتختلف طبيعة الجرائم والعقوبات.
في الختام لا ينبغي اختزال اقتراح قانون العفو العام في صورة «إطلاق سراح السجناء». فالنص المقترح أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير. إنه يجمع بين العفو، وتخفيض العقوبات، وتنظيم حقوق المتضررين، واستثناء فئات من الجرائم، ومعالجة التكرار، وإعادة تنظيم تنفيذ العقوبات المتعددة من خلال تعديل استثنائي للمادة 205.
والتحدي الحقيقي أمام المشرّع ليس فقط تحديد من يستحق العفو، بل تحديد حدود العفو: متى يكون وسيلة إنسانية لتصحيح اختلال قضائي وسجني، ومتى يتحول إلى مدخل للإفلات من المسؤولية؟
فالعفو العام يمكن أن يكون أداة مشروعة واستثنائية لمعالجة أزمة استثنائية، لكن لا يمكن أن يصبح بديلًا عن القضاء. وإذا كانت أسباب الاقتراح نفسها تقر بأن الإصلاح القضائي والسجني هو الحل المستدام، فإن القيمة الحقيقية لهذا القانون، إن أُقر، ستقاس بما إذا كان العفو سيكون خاتمة لمرحلة من الخلل، أم مجرد بداية لدورة جديدة من العفو بسبب الخلل نفسه
“محكمة” – الخميس في 2026/8/13

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!