مقالات

جلسةٌ مع كبير!/جمال الحلو

القاضي م. جمال الحلو:
قد يستغرب البعض عنوان هذا المقال، لكنّه، ما إن يقرأه، سيتعرّف إلى كبيرٍ من بلادي، اسمه القاضي حسن رضا الحاج، أمدّ الله في عمره، وأسبغ عليه موفور الصحة والعافية.
في كلّ مرة أجلس إليه، أكتسب شيئًا جديدًا، وأتمنّى لو أنّ الجلسة تطول… وتطول.
ففي حضرة الكبار، لا يكون الوقت مجرّد ساعاتٍ تمضي، بل يكون عمرًا إضافيًا نتعلّم فيه، ونراجع أنفسنا، ونرى الحياة من زاوية أكثر نضجًا واتزانًا.
منذ نحو أسبوع، زرته في بيته المتواضع، وهو الذي أفنى زهرة شبابه في خدمة الوطن والمواطن، وأعطى العدالة من عمره وفكره ونبله، حتى ترك فيها أثرًا مضيئًا لا تزال ومضاته تشعّ إلى اليوم.
وفي تلك الجلسة العطرة، أفاض الله على هذا الرئيس الكبير من معين فضله، وأخذ يحدثني عن قواعد الحياة، وعن فنّ التعامل مع الآخرين، وعن أشياء كثيرة لا تُكتب في الكتب، بل تُكتسب من تجارب العمر وخبرات السنين.
وسأختصر، قدر الإمكان، حديثه الشيّق منعًا للإطالة، وإن كنت أميل إلى كتابة المطوّلات عن هذا الإنسان الراقي، لأنّ بعض الأشخاص لا تكفيهم الكلمات، ولا تفيهم المقالات حقّهم.
ومن كلامه العطر، نستزيد ونكتسب شيئًا من حكمة الكبار:
“من يتحدّث معك عن حياته الخاصة، ويشاركك تفاصيلها، فاعلم أنّه بلغ بك من الثقة مبلغًا عظيمًا، فلا تخذله ولا تخسره”.
“لا توجد طاولة في مطعم بكرسيّ واحد؛ لأنّ الحياة لا تُعاش من دون مشاركة”.
“نعتقد دائمًا أنّ حياة الآخرين أفضل من حياتنا، بينما يعتقد الآخرون أنّ حياتنا أفضل من حياتهم. وكلّ ذلك لأنّنا نفتقد القناعة”.
“الدنيا قوسان: القوس الأول هو الولادة، والقوس الثاني هو الموت؛ فاصنع بينهما شيئًا نافعًا”.
“مهما كنت مثاليًّا، ستجد من يكرهك؛ فالملائكة تكرهها الشياطين”.
“عندما تعجبنا عقلية أحدهم، تعجبنا ملامحه مهما كانت”.
“اعمل الخير بصوت هادئ، فغدًا سيتحدّث عملك عنك بصوت عالٍ”.
“كلّ شيء يصبح جميلًا عندما نريد أن نراه جميلًا؛ فنحن سادة أفكارنا”.
“دع الماضي يمضي، ودع أحاديث الناس تمضي؛ فهل سمعت يومًا بشخصٍ ربح سباقًا وهو ينظر خلفه؟”
وأخيرًا، لا تحزن إذا لم يتذكّرك أحدهم إلا وقت الحاجة، بل ابتسم؛ لأنّك كالشّمعة، ما إن تُظلم حياتهم حتى يهرعوا إليك”.
كلمات تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنّها، حين تصدر عن رجلٍ خبر الحياة وعركته الأيام، تصبح أكثر من مجرّد حكم؛ تصبح خلاصة تجربة، وإشارات طريق، ومرايا يرى الإنسان فيها نفسه على حقيقتها.
ولعلّ أجمل ما في مجالسة الكبار أنّهم لا يقدّمون لك إجابات جاهزة بقدر ما يعلّمونك كيف تنظر إلى الأسئلة. فالحكمة ليست في أن تعرف كلّ شيء، بل في أن تعرف ما يستحقّ أن يُقال، وما يستحقّ أن يُصمت عنه، ومتى تمنح، ومتى تعفو، ومتى تمضي من دون أن تلتفت إلى الوراء.
ولذلك، أستحضر هنا قول أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، كرّم الله وجهه:
“من نعم الله عليك حاجة الناس إليك، فلا تملّ هذه النعم”.
وما أعمقها من عبارة؛ فالإنسان لا تُقاس قيمته بما يملك فحسب، بل بما يستطيع أن يمنح، وبالأثر الذي يتركه في حياة الآخرين. وربما كانت أعظم النعم أن يشعر المرء، في آخر المطاف، أنّ وجوده لم يكن عابرًا، وأنّ يده امتدّت يومًا لتخفّف عن إنسان، أو كلمته أضاءت طريقًا، أو موقفه ترك في قلب أحدهم شيئًا من الطمأنينة.
وبعد هذا الكلام الصادر عن كبيرٍ من بلادي، لا أجد أجمل من أن أختم بهذه العبرة:
تيقّنوا تمامًا أنّ مكيالكم سيُكال لكم به، وأنّ ما تزرعونه في قلوب الناس ستجدونه يومًا في طريقكم. فالحياة، مهما بدت طويلة، قصيرة بما يكفي لأن نندم على قسوةٍ قلناها، أو خيرٍ أخّرناه، أو إنسانٍ خسرناه.
عندما كنّا صغارًا، كنّا نتّصنع البكاء كي لا ننام…
واليوم، وقد كبرنا، صرنا نتّصنع النوم كي لا يعلم أحد أنّنا نبكي.
وبين بكاء الطفولة وبكاء الكبار، تمضي الحياة، ويتغيّر كلّ شيء إلا حاجة الإنسان إلى قلبٍ يفهمه، ويدٍ تسنده، وكلمةٍ صادقةٍ تقول له: لست وحدك.
لهذا، حين تجد كبيرًا يهبك من عمره كلمة، ومن تجربته حكمة، ومن قلبه مودة، فلا تعتبرها جلسةً عابرة؛ فقد تكون بعض الجلسات القصيرة أطول عمرًا من أعمارٍ كاملة.
وهكذا كانت جلستي مع القاضي حسن رضا الحاج…
جلسة مع كبير، خرجتُ منها وأنا أشعر أنّني لم أضيّع وقتًا من عمري، بل ربحت شيئًا منه.
“محكمة” – الثلاثاء في 2026/10/6

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!