حكمٌ يقرّ بتعطّل اللجان ثم يُسقط حقّ المستأجر لعدم مراجعتها: هل يشكّل 3 تشرين الأول 2019 المخرج القانوني لتوحيد الاجتهاد؟/مايا جعارة
المحامية مايا جعارة:
صدر حكم باسم الشعب اللبناني شرح من خلال إحدى حيثياته انه على المستأجر ان يقدّم خلال المهلة طلباً الى اللجنة تحت طائلة سقوط حقه.
وبعدها، شرح الحكم نفسه من خلال حيثيتين، ان اللجان لم تبدأ عملها فنصّ “علمًا انه لغاية تاريخه، لم تبدأ اللجان المختصة بممارسة مهامها”، كما ونص..” ولئن يبقى معلقا ما لم تباشر اللجان عملها طالما لم تباشر اللجان عملها آنفًا “، ليعود ويسقط حق المستأجر في الايجارة بناء لتقديمه طلبًا خارج المهلة الى اللجنة التي لم تباشر عملها .
يبدو أن هذا النوع من الاحكام، وخلافاً للمبدأ القانوني الراسخ القاضي بتفسير الشك لمصلحة الفئة التي أراد القانون حمايتها، قد اختار تحميل الحلقة الأضعف نتائج أزمة وتقاعس لم تكن مسؤولة عنها، وتريد بالوقت نفسه إعفاء اللجان من المسؤولية وغض النظر عن مساعدين استبدوا.
جمعت الأسئلة التي طرحها اليوم المستأجرون لـ ….. رب العالمين أوجزه لكم بالتالي:
كم مستأجرًا منع من تقديم طلباته؟
كم مستأجرًا ابلغوه انه لا تلقي لطلبات وان الموظف استقال؟
كم من مستأجر سخروا منه لأنّه يحاول التقدم وابلغوه ان الصندوق لن ولم يباشر عمله وان لا يضيع وقته؟
كم مستأجرًا لم يأخذوا منه طلبه بحجة الاضراب؟
كم مستأجرًا لم يقبلوا طلبه بحجة ان المساعد لا يتقاضى راتباً او أجرة؟
كم مستأجرًا عومل كنكرة وتجاهلوا حضوره وتعرض للقدح والذم لألف سبب، ومنها انه لم يدفع رشوة ثمن النموذج حيث منصوص قانون 2014 بدل 2017 بل أتى بنموذج لا يحب المساعد القضائي ” صاحبه”؟!
كم مستأجرًا منعوه من تقديم طلب إلا إذا كان منصوصًا عليه قانون 2014؟
والاخطر من كل ذلك كم مستأجرًا قيل له بأن المهل قد انتهت؟
كم مستأجرًا لم يسمح له منذ العام 2023 بتقديم طلبه لأنّ المساعد القضائي يعتمد اجتهادًا معيّنًا؟
كم من ممارسات إدارية متباينة من قلم إلى آخر ومن دائرة إلى أخرى؟
وكم مستأجرًا لم يسمح له الا التقدم بطلب واحد فقط في حياته الارضية؟
كيف للمستأجر ان يفقه متى تبدأ مهلة الشهرين امام اختلاف الاجتهادات والآراء الفقهية حول بدء المهل ان كانت لم تبدأ، او بدأت كل 28 كانون الاول او كل 28 شباط او كل 3 تشرين الاول، إذ إنّه وبتاريخ 2019/10/3 نشر مرسوم الصندوق اي المهلة الإفتراضية لبدء مهلة الـ12 سنة المنصوص عتها في المادة 15 ( 12 سنة من تاريخ نفاذ هذا القانون) او بين تاريخ فك اضراب القضاة وبدء اعتكاف المساعدين او انتهاء جائحة او بين الحربين، او و/او و/او …..
وماذا يفعل المستأجر الذي لا يعرف من هو المالك ؟ والمستأجر الذي لا يعرف عنوان المالك ؟ وما اكثرهم؟
المادة 58 لم توضع عبثاً، بل جاءت كنص آمر ذي طابع حمائي، هدفه حماية المستأجر ومنع تجزئة الغاية التشريعية أو تشويهها. وعندما يثور الشك حول مدى إمكانية ممارسة الحق أو حول أثر تعطّل الآليات التي استحدثها القانون، يفترض أن يفسّر هذا الشك بما يحفظ الحماية التي قصدها المشترع، لا بما يؤدي إلى إفراغها من مضمونها.
المادة 58 اقرت كي يطبق القانون البرنامج بتكامل لهذا السبب علقت تطبيق “احكام هذا القانون”، ومحاولة تفريغ المادة من مضمونها مستحيل، إذ إنّ موضوع تعليق دفع الزيادات كان اصلا قد حلَ بموجب المادة 8 “يؤدي تقديم الطلب الى تعليق مهلة دفع الزيادات على بدلات الايجار”، وبموجب المادة 10″ ان المساهمات التي يتوجب على الصندوق دفعها تبقى على عاتق هذا الصندوق ولا يمكن للمؤجر التذرع بها لأيّ سبب وامام اي مرجع …”
فمنطق الامور يقول انه لا داعي لتأكيدها مرة ثالثة، اذ تكون لزوم ما لا يلزم.
كيف لا؟ وان هذا القانون هو قانون برنامج يطبق بمنطقه الشمولي المتكامل، لا يجب تجزئته لأنّ ذلك يؤدي إلى تشويه غاية المشترع وتسقط فلسفة القانون وتوازنه وتفقده مبرره واهدافه.
أمّا إشارة الحكم إلى أنّ قوانين تعليق المهل قد استثنت الإيجارات القديمة، للاستدلال على أنّ المهل تبقى سارية تجاه موجبات المستأجر، فهي قراءة مجتزأة للنصوص ومخالفة للغاية التي ابتغاها المشترع من هذا الاستثناء.
ذلك أنّ استثناء الإيجارات القديمة لم يأتِ لتأكيد سريان المهل رغم الظروف الاستثنائية، بل مردّه إلى طبيعة هذه المهل ذاتها وإلى استحالة إخضاعها لمنطق “التعليق على التعليق”، “suspension sur suspension ne vaut” وهذا مبدأ قانوني بديهي، إذ لا يجوز قانوناً إنشاء نظام يقوم على مهلة معلّقة تصبح بدورها خاضعة لتعليق جديد، لأنّ ذلك يفقدها عنصر التحديد واليقين ويجعل استحقاقها مرتبطاً بأجل غير معلوم، خلافاً للمبادئ العامة التي ترعى المهل القانونية وتفسيرها.
ويؤكد صحة هذا التفسير أنّ فهم الاستثناء خارج هذا السياق يؤدي إلى نتائج عبثية وغير منطقية تتعارض مع الواقع الذي استدعى أصلاً إصدار قوانين تعليق المهل. فكيف يمكن، على سبيل المثال، اعتبار مهلة الشهرين المنصوص عليها لإجراء الخبرة أو المعاينة قائمة ومنتجة لآثارها خلال فترة جائحة كورونا، فيما كان دخول أي شخص ثالث إلى المنازل محظوراً أو مقيداً بموجب التدابير الصحية؟ وكيف يمكن اعتبارها سارية خلال فترات الحرب والأعمال العسكرية، حين كان الوصول إلى بعض المناطق، ومنها مناطق النزاع كأقضية الجنوب ومنطقة الضاحية الجنوبية وغيرها، متعذراً أو محفوفاً بمخاطر جدية؟ إنّ تبنّي هذا التفسير يفضي عملياً إلى تحميل المستأجر نتائج استحالة مادية وقانونية لا يد له فيها، وهو ما لا يمكن أن يكون قد قصده المشترع بأي حال من الأحوال.
حزينٌ هو القانون في وطنٍ أصبحت فيه الحماية سبباً للمؤاخذة، وانقلبت فيه المفاهيم، وأضحى الضعيف أول من يدفع ثمن اختلال الموازين القانونية.
أمام استمرار التباين في تفسير مهل المستأجرين المستفيدين من الصندوق، وما نتج عنه من تضارب في الأحكام وإرباك قانوني طال آلاف العائلات، بات من الضروري أن يُعاد الاحتكام إلى المبادئ الدستورية والقواعد القانونية الواضحة التي حسمت هذه المسألة منذ سنوات.
فالمجلس الدستوري، في قراره رقم 2017/3 المتعلق بالطعن بقانون الإيجارات رقم 2017/2، اعتبر صراحةً أن اعتماد المشرّع نقاط انطلاق مختلفة للمهل و كما جاء حرفياً في القرار ” بدء مهل غير موحدة ” لوضعيات قانونية مختلفة اي تبعاً لاختلاف الأوضاع القانونية للفئات المشمولة بالقانون هو أمر دستوري ومشروع يدخل ضمن السلطة التقديرية للمشرّع. ويكتسب هذا التفسير أهمية خاصة لصدوره عن أعلى مرجع دستوري في البلاد، علماً أن قرارات المجلس الدستوري ملزمة لجميع السلطات العامة.
وعليه، فإن القول بوحدة نقطة انطلاق جميع المهل يتعارض مع ما أقره المجلس الدستوري نفسه، الذي أجاز للمشرّع اعتماد تواريخ مختلفة تبعاً لاختلاف المراكز القانونية. فإذا كان القانون قد بدأ احتساب المهل بالنسبة إلى غير المستفيدين من الصندوق اعتباراً من 2017/2/28، فإنه يبدأ بالنسبة إلى المستفيدين من الصندوق من التاريخ الذي حدده القانون لهم صراحةً، أي من تاريخ النفاذ الفعلي لأحكام المساهمة والصندوق، اي تاريخ دخول التدبير حيز التنفيذ وهو في حالتنا تاريخ صدور مرسوم الصندوق اي المرسوم 5700 ” النظام المالي لحساب صندوق المساعدات للمستأجرين” اي تاريخ 2019/10/3 عملاً بحرفية المواد 15 و58 و60 وسائر النصوص المترابطة.
ومن هنا، وبعدما استقرّ سلوك غالبية المستأجرين طوال السنوات الماضية على اعتبار المادة 16 من المواد المعلقة اي التي لم تبدأ مهلها بعد ، كوننا امام قانون برنامج ، فإن العدالة والأمن القانوني يقتضيان وضع حدّ نهائي لهذا الجدل، واعتماد التفسير المنسجم مع نص القانون وغاية المشرّع وقرار المجلس الدستوري، حفاظاً على استقرار العلاقات القانونية ومنعاً لتحميل المواطنين نتائج تضارب التأويلات والاجتهادات لا سيما تطبيقاً للمبدأ القانوني المستقر القاضي بأن الشك يفسّر لمصلحة الفئة التي أراد المشترع حمايتها، لا لمصلحة الجهة التي حالت دون تمكينها من ممارسة حقوقها.”
“محكمة” – السبت في 2026/6/13



