حين تتحول المشكلة التنفيذية الى عقبة أمام تنفيذ الأحكام الشرعية/نرمين الأحمد
المحامية نرمين الأحمد:
إنّ الواقع العملي يُظهر أنّ الأحكام الشرعية، تواجه عراقيل ناجمة عن “المشاكل التنفيذية” التي تُثار أمام قاضي التنفيذ، ومنها ما يتجاوز نطاقها القانوني الذي لا يجوز ان يتخطّى الإجراءات الشكلية، لتصبح المشاكل وسيلة تهدف دون نتيجة الى المماطلة بالتنفيذ تحت غطاء غير قانوني هو إعادة مناقشة أساس الحق المحكوم به في الحكم النهائي المبرم.
فالمشرع اللبناني، قد حدّد بموجب المادة /829/أ.م.م. اختصاص رئيس دائرة التنفيذ بشكل دقيق وحصري يقتصر على “الفصل في أساس المشاكل المتعلقة بإجراءات التنفيذ”، أي الأمور الشكلية مثل صحة التبليغات أو سائر الإجراءات التنفيذية،
وله أن يقرر، وفق الأصول المتبعة في القضايا المستعجلة، وقف التنفيذ وتكليف مقدم المشكلة غير المتعلقة بالإجراءات مراجعة محكمة الموضوع ضمن مهلة يحددها له تحت طائلة متابعة التنفيذ في حال عدم تقديم المراجعة في خلال المهلة.
إذا لم تكن المشكلة ترتبط بالإجراءات الشكلية، بل تتعرّض لأصل الحق أو جوهر النزاع، فإن دور قاضي التنفيذ يقتصر على اتخاذ تدبير مؤقت يتمثل في وقف التنفيذ وإلزام المستشكل بمراجعة محكمة الموضوع المختصة ضمن مهلة محددة، غير أن بعض الخصوم، بدافع المماطلة والتعسف في استعمال الحق، يلجأون إلى إثارة ما يُسمّى بمشاكل تنفيذية للطعن عمليًا في السند التنفيذي نفسه، حتى لو كان حكمًا نهائيًا مبرمًا وصالحًا للتنفيذ، الأمر الذي يُعطّل العدالة ويُفرغها من مضمونها في الوقت الذي يُفترض فيه أن تتحقق.
إنّ هذه الإشكالية تتزايد بشكل خاص في الأحكام الصادرة عن المحاكم الشرعية في لبنان التي تُشكل احكامها سندات صالحة للتنفيذ امام القضاء اللبناني.
فالحكم الشرعي المبرم في قضايا الأحوال الشخصية، ولا سيما في دعاوى المهر، يُعد حكماً نهائياً فاصلاً في أساس الحق والالتزام، بحيث يكتسب حجية القضية المحكمة ولا يقبل أي إعادة مناقشة لموضوعه بمجرد صدوره وصيرورته قابلاً للتنفيذ لِما تم الحكم به، حتى ولو أُرجئ تحديد قيمة الموجبات أو نوع العملة المعتمدة للتنفيذ إلى دعوى لاحقة.
وتُمنح هذه الأحكام، بحكم إبرامها، قوة السند التنفيذي المباشر، بما يعني أنّ المحكمة المختصة قد فصلت نهائياً في أصل الحق، وأنه لا يجوز في مرحلة التنفيذ إثارة أي منازعة قانونية أو واقعية من شأنها المساس بما تم حسمه من حقوق وموجبات.
وإنّ مثل هذا الاعتراض، متى انصبّ على أساس الحق المحسوم بموجب حكم شرعي مبرم، يؤدّي عمليًا إلى تعطيل تنفيذ الحكم رغم وضوحه في تحديد قيمة المهر والالتزام الناجم عنه، وخاصة اذا حصل امام محكمة الموضوع غير المختصة وظيفياً. فهو، من ناحية أولى، يُحوّل المشكلة التنفيذية من وسيلة إجرائية خُصصت لضمان سلامة إجراءات التنفيذ إلى أداة لعرقلة الحقوق المقررة قانونًا، ومن ناحية ثانية، يُفرغ الحكم من مضمونه عبر إطالة أمد النزاع وتآكل القيمة الاقتصادية للحق. ويزداد الأثر خطورة بسبب وجود البطء القضائي كعامل مساعد يشكّل منفذًا للمماطلين لاستغلاله في إطالة أمد الخصومة، بما يُفاقم من حجم الإشكالية ويُنشئ دائرة مفرغة تُناقض مقتضيات العدالة الناجزة والغاية من حجية الأحكام القضائية المبرمة.
وفي ظل سوء استعمال المنفذ عليه لوسائل دفاعية اعطاه اياها القانون، يأتي دور القاضي في في وضع حد سريع لسوء هذا الاستعمال من اجل حماية الحقوق الواردة في الأحكام المبرمة وضرورة البت العاجل بمشكلاتها او البت بسرعة في رد الاعتراض الوارد على الحق فيها طالما ان القانون قد اعطى الحق للقاضي، في مثل هذه المشاكل والاعتراضات، ان ينظر على وجه السرعة بالملف، اي البت بها حسب الاصول المستعجلة من تحديد الجلسات وتقريب المواعيد ولو من يوم الى يوم، او من ساعة الى ساعة، لأن التأخير المعمول به حالياً في القضايا المستعجلة بتعيين جلستين في السنة، هو تأخير قاتل للحق ولا قيمة له بعد سنوات من تاريخ صدوره، إن كان بسبب تآكل العملة او بسبب تدني قيمتها او بسبب ارتفاع بدلات المعيشة حتى تجاه العملة.
نحن لا نمنع المتقاضين من استعمال حقوقهم القانونية، بل ندعو الى عدم التوسع في قبول الاعتراضات التي تتعلق بالأساس، وإن قُبلت، يجب أن تكون محكمة الموضوع المختصة وظيفياً، شرعية كانت أم مدنية بحسب طبيعة النزاع، كما ندعو الى سرعة البت بها كي لا يتحول التأخير الى وسيلة لتعطيل حقوق أقرّها حكم مبرم، وإن الالتزام بالاصول والأخلاقيات المهنية بين المتقاضين يضمن سرعة تنفيذ الأحكام، ويعزز استقرار القضاء الشرعي، كما ندعو الى تعزيز الاجتهاد القضائي في تنفيذ الاحكام الشرعية وتطوير الأطر القانونية لضبط نطاق المشكلة التنفيذية، ومنها بما يحفظ حجية الأحكام ويحقق العدالة في الممارسة العملية.
“محكمة” – الاثنين في 2025/9/8



