الطوابع الأميرية في لبنان: خطوة في مسار الإصلاح/قمر محيش
الدكتورة قمر محيش:
عاد الحديث عن الطوابع الأميرية الى الساحة مجدداً عقب ملاحقة المتورطين فيها مؤخراً. هذه الأزمة التي طال الحديث عنها في ظل المطالبات المتكررة في معالجتها سيما وأن المواطن اللبناني يعتبر الضحية الأولى لها، إذ يجد نفسه مضطراً لملاحقة طابع في السوق السوداء، و شرائه بأضعاف ثمنه لإتمام إنجاز معاملته بعد طول انتظار.
لذلك لا بًدّ لنا من تسليط الضوء مجدداً على هذه الأزمة ، بعد المبادرة التي اتخذتها الدولة لمكافحتها ما يفرض ضرورة متابعة هذه الخطوة المتأخرة وتكاملها مع إصلاحات جذرية تضع حداً نهائياً لهذه الظاهرة التي جاءت نتيجة الأزمة الاقتصادية الحادة التي عانى منها لبنان ولا يزال.
هذا وتحولت الطوابع الأميرية في لبنان والتي من المفترض أن تُسهل انجاز معاملات المواطنين، الى سلعة نادرة تُباع و تُشترى في السوق السوداء، حيث يعمد من يمتلك عدداً منها الى احتكارها وابتزاز المواطن بها وبيعها بأسعار تفوق قيمتها بأضعاف.
وأشير بهذا الصدد الى أن المرسوم الإشتراعي رقم 67 تاريخ 1967/8/5 وتعديلاته الذي يرعى تنظيم الطوابع الأميرية في لبنان، قد نص في المادة 6 منه، على أنه لا يجوز بيع الطوابع الا من قبل الدولة أو من وكلاء مرخص لهم رسمياً ، ويُعد كل بيع أو تداول للطوابع خارج هذه القنوات مخالفاً للقانون. وهنا يكمن السؤال :هل كل من يبيعون الطوابع مرخص لهم قانوناً بذلك؟ أضف الى أنه يمكن ملاحقة مرتكبي هذه الممارسات بجرم الإحتكار، وذلك استناداً الى المرسوم الإشتراعي رقم 1983/37 المتعلق بحيازة السلع والمواد والحاصلات والإتجار بها.
وفي خضم هذه الفوضى، اتخذ القضاء خطوات فعلية، حيث أعيد تفعيل تحقيق قضائي كبير استند الى تقرير ديوان المحاسبة، حيث كشف التقرير أن السوق السوداء توفر حوالي 97% من احتياجات السوق للطوابع، وأن معظم أصحاب الرخص لم يلتزموا بالبيع بالسعر الرسمي وكانوا مكتومين ضريبياً في ما يتعلق بنشاط بيع الطوابع .
ولا بد من القول إنّ أزمة الطوابع في لبنان لم تكن وليدة شُح مفاجئ، إنما هي نتيجة اهتراء الهيكل الإداري والبيروقراطية المتغلغلة والتعقيدات الإدارية، فالإدارات اللبنانية للأسف لا تزال رهن المعاملات الورقية المعقدة والتي تحتاج عشرات التوقيعات والأختام، بينما نرى معظم دول العالم قد وجدت آليات سهلت فيها على مواطنيها هذه المشقة، وانتقلت الى النماذج الرقمية السريعة. (والحديث يطول عن هذا الموضوع و سنفرد له طرحاً مستقلاً). وهذه البيروقراطية بحد ذاتها تغذي السوق السوداء نتيجة ازدياد الطلب على الطوابع مع كل معاملة أو ورقة.
لذلك، لا بُدّ من العمل الجدي على اتخاذ إجراءات أصلاحية وصولاً الى حل جذري لتنظيم مسألة الطوابع الأميرية بما يحول دون استغلالها في السوق السوداء وتحويلها من أداة إدارية – قانونية الى سلعة تجارية، ونقترح بهذا الصدد:
– إعتماد الطابع الإلكتروني كبديل حديث للطوابع الورقية.
– المراقبة المستمرة لنقاط البيع لمنع أي استغلال أو احتكار.
– تمكين المواطن من شراء الطوابع عبر منصات رسمية تابعة للدولة.
– الحد من التعقيدات الإدارية في ما خص كثرة الطوابع والتوقيعات والأختام.
وفي الختام ، نقول إنّ هذا الإجراء في ملاحقة عصابات الطوابع الأميرية وإن كان متأخراً، الاّ أننا نأمل أن يُستتبع بجميع الإجراءات القانونية اللازمة وأن تستمر الملاحقات بحق المتورطين حتى تتحول المواجهة من معالجة ظرفية الى سياسة راسخة ونهج ثابت يعيد الثقة بالإدارة العامة ويعزز الشفافية والنزاهة.
“محكمة” – الإثنين في 2025/9/8



