رفض التطويع إختياري.. والتذكير بواقعة شهدتها بيروت/ فؤاد مطر
المحامي فؤاد مطر:
إنّ التطبيع هو التطويع لإرادة العدو الإسرائيلي والإذعان لمطالبه وشروطه والرضى التام بهيمنته والإستسلام لغطرسته والتسليم بمصالحه التي تتعارض مع حقوقنا ومصالحنا، ويستهدف من خلاله تغيير منظومة قيمنا وإضعاف جهاز مناعتنا وشطب هويتنا والإستيلاء على ثرواتنا ونقل مسؤولية قمع جذوة المقاومة على الدولة المطبّعة.
والمطبّع هو كل شخص يسهم من خلال قول أو فعل أو إقرار بشكل مباشر أو غير مباشر، في إزالة حالة العداء مع الكيان الصهيوني، أو في الإعتقاد بإمكانية التعايش معه أو يفضي إلى منفعة مباشرة أو غير مباشرة له، وإنّ المطبّع يضع نفسه في أحط المستويات التي توصف بالجبن والخزي والعار.
إنّ السلام الذي يصرح به العدو الإسرائيلي هو إستسلام لأنّه مشروط بتحقيق السيطرة وتحكّم العدو بنا جميعًا، وهو يبحث عن أمنه من خلال التطبيع قبل التوقيع، تارة بإغراءات، وتارة بضغوطات، ومهما كان، فإنّ السلام مرتبط بمشاعر المواطنين والهواجس من عدم إمكانية الدفاع عنه، فيتحوّل إستسلامًا، وفي كلّ الأحوال هو أمر لا يأتي بإتفاق ولا يتحقّق بقرار، كما التطبيع لا يخضع لقرار أية سلطة كانت، فهو أمر إرادي إختياري يقرّر به المواطن قبوله أو رفضه.
والتسويات لا تكون بين لصوص وأصحاب الحقوق، بل يفترض أن تكون بين طرفين من أصحاب الحقوق وان القبول بمبدأ التسوية مع العدو الإسرائيلي يعني القبول بمبدأ وجوده نفسه وكأنّ له حقوقًا وحدودًا، في حين لا اعتراف بوجوده أصلًا، وهذه مسألة إستراتيجية رئيسية في الصراع معه، وإنّ أيّ تسوية تعني الإعتراف بشرعية الإحتلال وتشكّل مكافأة له على عدوانه وتحقّق له الغلبة.
وكما أنّ التطبيع في مصر لم يمح من ذاكرة شعبها الراسخ في وجدانه الوفاء لشهدائها الذين يفوق عددهم المائة ألف شهيد سقطوا في مواجهة الجيش الإسرائيلي عام ٥٦ و٦٧، وحرب الألف يوم بين ٦٧ و٧٠، وحرب ٧٣، فإنّ الشعب اللبناني لن ينسى شهداءه وتضحيات الأيام التاريخية بنصوص لا تجدي ولا تلغي جذوة الكرامة والعنفوان الوطني.
إنّ سلاح مقاطعة العدو هو وسيلة من وسائل المقاومة المشروعة، وهو تدبير أقرت بها الشرائع والقوانين الدولية وميثاق الأمم المتحدة لقمع الأعمال التي تهدّد السلام، أو تخلّ به، أو تسبّب في وقوع عدوان، وإنّ المواثيق الدولية وأعرافها تؤكّد أنّ المقاطعة هي عقوبة تفرضها دولة أو مجموعة دول على دولة أخرى إرتكبت عملًا غير مشروع، أو اقترفت جرمًا ضدّ الإنسانية، وقد اتخذت الأمم المتحدة قرارات عدة بهذا الشأن أشهرها مقاطعة النظام العنصري في جنوب أفريقيا.
إنّ قرارات مقاطعة العدوّ الإسرائيلي لا تزال قائمة، وإنّ اي دعوة لإنهائها سيواجه برفض شعبي.
نذكّر من تخونهم طباعهم عندما افتتحت شركة “استي لودر” لمستحضرات التجميل التي يملكها الصهيوني أرنولد لودر، فرعًا لها في محلات “أيشتي” اللبنانية في الوسط التجاري في بيروت عام ٢٠٠٢ والصادر بحقها توصية بمقاطعتها من المكتب الرئيسي لمقاطعة إسرائيل وتمّ إدراجها على اللائحة السوداء مع سائر شركاتها الفرعية وعلاماتها التجارية، وبعد إجراء التحقيقات الدقيقة بشأنها حيث تبيّن أنّ صاحبها لودر يشغل منصب رئيس الصندوق القومي الصهيوني وهو القائل :”لو ساوم شارون على القدس لحاربته”.
في ذلك الحين، تداعت على الفور قوى شعبية وازنة لإجتماع طارئ، وعلى أثرها تم تأسيس لجنة مكافحة الإختراق الصهيوني في لبنان ضد شركات صهيونية تتسلل الى لبنان تحت غطاء من أطراف رسمية ونشطت هذه اللجنة في تقصي عمليات التطبيع الإقتصادي وكشفها وتعبئة الجهود في مواجهتها، وقادت حملة ناجحة لمقاطعة الشركات التي تساعد العدو الإسرائيلي وتظاهرت أمام متجر “الأيشتي” الذي يبيع منتجات “استي لودر” وطالبت مقاطعته ودعت لإغلاقه وسحب الترخيص من وزارة الإقتصاد وتوجّهت بطلب من النيابة العامة التمييزية لفتح تحقيق حول كيفية دخولها إلى لبنان وخرقها لقرار المقاطعة وتطبيق أحكام قانون مقاطعة إسرائيل وملاحقة المتهمين وأحالتهم أمام المحكمة العسكرية وفق الأصول ومحاكمتهم بجرم جناية وفق أحكام المادة السابعة من قانون مقاطعة إسرائيل.
بعد فترة وجيزة وبينما كنت متوجّهًا نحو هيئة القضايا في وزارة العدل فوجئت بأحد الناشطين فسألته ماذا تفعل؟! فأجابني بأنّ المباحث الجنائية استدعته فاستدركت بأنّ الأمر يتعلق بالتظاهر أمام الشركة المذكورة واتصلت بالمنسق العام للجنة مكافحة الإختراق الصهيوني الأستاذ عماد عكاوي شارحًا له خطورة الموقف. وبعد ساعتين حضر محامو اللجنة يتقدّمهم المحامي حسن مطر ومعه الاساتذة نعيم القلعاني ومحمد عفرة ووليم صعب وفؤاد مطر، وتوجّهوا إلى غرفة النائب العام التمييزي القاضي عدنان عضوم وقال له الاستاذ حسن مطر: “…. إذا كان إستدعاء أحد الناشطين بناء لإشارتكم للتحقيق معه أمام المباحث الجنائية بسبب التظاهر أمام محل تجاري يبيع منتوجات إسرائيلية، فإنّ تدبيركم مخالف للدستور وقوانين المقاطعة واغتيال لضمير الناس……”. وإذ قاطعه الرئيس عضوم وتأهب واقفًا قائلًا: “يا أخ حسن إعتبروا أنّ هنالك خطأ قد حصل والملف إنتهت تداعياته”.
سردنا هذه الواقعة لنؤكّد أنّ الارادة الشعبية هي الدرع الواقي لإحباط محاولات التطويع.
“محكمة” – الخميس في 2026/6/4


