الحدود الدستورية للعفو الشامل/جهاد اسماعيل
الدكتور جهاد إسماعيل(كاتب واستاذ جامعي متخصّص في القانون الدستوري):
يعود مجلس النواب، عبر اللجان المشتركة، إلى التشريع من بوّابة اقتراح العفو العام، ويتجلّى، إثر ذلك، التساؤل حول حدوده الدستورية وفي ما إذا كان يجوز تخصيص الجرائم أم لا؟
من الثابت أن الفقرة التاسعة من المادة 53 من الدستور تميّز بين العفو الشامل والعفو الخاص لجهة أن الأول من اختصاص مجلس النواب، أمّا الثاني من اختصاص رئيس الجمهورية، من دون أن تحدّد معيار التمييز بينهما، لكن يُستفاد من مصطلح “العفو الشامل” من أنه يشمل عددًا من الجرائم من دون أن يخصّص أشخاصًا معيّنين، في حين أن العفو الخاص هو العفو الّذي يخاطب شخصًا معيّنا بالذات، والعلّة من وجوب إقرار العفو الشامل بقانون تكمن في أن ماهية أو أصل القاعدة القانونية يتسم بالتجرد والعمومية، دون أن تخصّص فردًا محددًا.
ما يعزّز هذا التفسير هو أن المجلس الدستوري، في قرار رقم 2012/2، حدّد محظورًا في شكل القانون عمومًا وهو أن لا يُفصّل او يُقاس على أشخاص محددين، وهذا الاجتهاد لا يعني أن القانون لا يجب أن يخاطب أشخاصًا محددين فحسب، بل لا يجوز أيضًا أن يستهدف القانون، بلباس العمومية، شخصًا بعينه او مجموعة من الأشخاص، وهو أمرٌ يجب التقيّد به في إقرار قانون العفو الشامل، لئّلا يتم إفراغه من شموليته، بدليل أن هذا القانون، في حال إقراره، يطبّق بشكل استثنائي، أيّ على نحو مؤقت لا دائم، بحيث أن تضييق مبدأ “الشمولية” من شأنه أن يؤدي إلى الخلط بين العفو الشامل والعفو الخاص، خلافًا لمقاصد المشرّع الدستوري، علاوةً على أن هذا القانون يجب ألا يخالف نصًا دستوريًا أو حقًا دستوريًا أو مبدأ ذا قيمة دستورية.
جرّاء ما تقدّم، يتبيّن لنا أن قانون العفو العام، كغيره من القوانين، يتضمّن قاعدة عامة ومجرّدة، إضافةً إلى سمة كرّسها المشرّع الدستوري في دائرته وهي الشمولية الّتي لا تحصر في الأوصاف العامة، بل تتلازم أيضًا بعدم جواز تخصيص أحكامه على أفراد أو على جريمة بعينها.
“محكمة” – الاثنين في 2026/5/4



