غزة… جرح الإنسانية المفتوح/أنطونيو الهاشم
انطونيو الهاشم (نقيب المحامين سابقاً):
أيّها الأحياء الذين ما زالوا يملكون قلبًا يخفق، اسمعوا…
نحن أبناء لبنان نحمل ذاكرة سوداء مثقلة بالدم والدموع. نعرف جيدًا ما عانيناه يوم تحوّل الفلسطيني إلى سيفٍ على رقابنا، يوم اجتاح القرى والمناطق ، خطف وقتل وذبح وهجّر، وحوّل أرض الأرز إلى مسرحٍ للألم. نحن لم نقرأ ذلك في كتب التاريخ، بل عشناه باللحم الحيّ يوما بيوم ، رأيناه في وجوه أحبائنا المذبوحين، وفي بيوتٍ سُويت بالأرض، وفي طفولةٍ مسروقة. هذه الذاكرة لا تمّحى، وهذه الجراح لا تلتئم.
لكننا، نحن أنفسنا، الذين ذقنا المرّ على أيديهم، نقف اليوم بإيماننا العميق المتسامح، أمام مشهد غزة ونصرخ: لا، هذا غير مقبول!
ليس لأننا نسينا ما جرى، بل لأنّ معتقدنا الراسخ و إنسانيتنا تأبى أن نصمت أمام ما يحدث هناك.
غزة اليوم ليست مدينة، بل سجنٌ كبير، قبرٌ مفتوح على السماء.
أطفالها يتضورون جوعًا، يمدّون أياديهم الصغيرة بحثًا عن لقمة خبز، عن جرعة ماء، عن حضنٍ يقيهم برد الموت. أمهات يلدن تحت القصف بلا دواء ولا ضوء، شيوخ يخرجون من تحت الركام مثقلين بالغبار والخذلان.
أيّ لغة تستطيع أن تصف شعباً يُقصف ليلًا ونهارًا؟ أيّ كلمات تكفي لصور الرضّع الموتى في أحضان أمهاتهم؟
لقد ذبحونا يومًا في لبنان، نعم.
لكننا اليوم نعرف أنّ الدم حين يُراق بهذه الوحشية يتجاوز الحسابات، ويتخطّى الثأر، ويفرض علينا أن نكون أوفياء لجوهر الإنسان فينا. ما معنى أن نكون بشرًا إن كنّا نختار أي دم نبكي وأيّ دم نتجاهل؟
غزة اليوم مرآة تكشف العالم.
تكشف أنّ العرب قد خذلوها، أنّهم صامتون في قصورهم المذهّبة، منشغلون بنفطهم وأسواقهم، وكأنّ غزة كوكبٌ بعيد لا يمسّهم.
تكشف أنّ الغرب الذي ملأ الدنيا بشعارات الحرية وحقوق الإنسان، قد صمت، وتواطأ، وكأنّ دم الفلسطيني أقل قيمة من دمٍ آخر. أي حضارة هذه التي تسمح بإبادة مباشرة تُنقل لحظة بلحظة على الشاشات؟
أيّها العالم، يا من تدّعي التحضّر: غزة ليست قضية سياسية، غزة اختبار أخلاقي لك. فإمّا أن تُثبت أنّك ما زلت إنسانًا، أو تسقط في هاوية التواطؤ والعار.
ونحن، أبناء لبنان، نقولها بوجع التجربة: نحن الذين ذُبحنا يومًا منهم ،لا نرضى أن يُذبحوا بصمت. نحن الذين عشنا الحصار، نصرخ اليوم ضد حصار غزة. نحن الذين عرفنا طعم العطش والخوف، نمدّ صوتنا نحو أطفالها.
غزة اليوم ليست فقط قضية الفلسطينيين، بل قضية الإنسانية جمعاء. ومن يتخلّى عنها يتخلّى عن ضميره.
غزة تصرخ، والعالم أصمّ.
غزة تجوع، والعرب شبعى.
غزة تُذبح، والبشرية تضع أقنعتها وتكمل سيرها كأن شيئًا لم يكن.
لكن التاريخ لا ينسى، والدم لا يُمحى. وغزة ستبقى وصمة عار على جبين عالمٍ فقد إنسانيته.
“محكمة” – السبت في 2025/8/23



