التراب … ذاكرة من سبقونا/انطونيو الهاشم
انطونيو الهاشم (نقيب المحامين سابقًا):
لا تمشِ على التراب كأنك تعبر طريقاً، بل امشِ عليه كأنك تعبر تاريخاً. فما من حفنة تراب إلا وتحمل في ذراتها أعمار الذين سبقونا، وخطواتهم، وعرقهم، ودموعهم، وصلواتهم، وضحكاتهم التي ذابت في الزمن ولم تذب في الأرض.
فالتراب ليس ما تحت أقدامنا، بل ما بقي ممن كانوا قبلنا. كان يوماً بشراً مثلنا، وجوهاً تنظر إلى السماء، وقلوباً تحبّ وتتألّم، واياد تعمل وتعانق، وأجساداً امتلأت بالحياة ثم عادت إلى أصلها الأول.
حين أنظر إلى التراب، لا أرى فقط من سبقوني، بل أرى مصيري أيضاً. فأنا الذي أمشي عليه اليوم، سأكون يوماً جزءاً منه. ستعود خطاي إليه، ويهدأ جسدي في أعماقه، وربما تنبت فوقي شجرة، أو سنبلة، أو زهرة . وما أراه اليوم خارجاً عني، سأصبح يوماً بعضاً منه.
عندما يلمس الإنسان التراب، فهو لا يلامس مادةً صامتة، بل يلمس ذاكرة الحياة نفسها، وماضيه ومستقبله في آنٍ واحد. يلامس الذين كانوا، ويلامس صورته التي ستكون.
في التراب درسٌ مكتوب منذ بدء الخليقة، أن كل ما يرتفع يعود إلى التراب ليتحوّل إلى حياة جديدة. أن النهاية ليست إلا بدايةً أخرى.
فالإنسان حين يعود إلى التراب، لا يختفي تماماً، بل يدخل في دورة الحياة الكبرى. يصبح في جذور الأشجار، وفي عطر الأزهار، وفي لون الحقول، وهكذا يكون التراب رحماً خفياً يعيد تشكيل الحياة في صور جديدة.
وكلما اعتنيتَ بالتراب، فأنت تعتني بإنسانيتك. فالأرض مرآةٌ دقيقة. تعكس ما تضعه فيها. فإن زرعت فيها قسوةً، أعادت إليك القحط، وإن زرعت فيها حباً، أعادت إليك حياةً.
ولعل أجمل ما في التراب أنه لا يذكّرنا فقط من أين جئنا، بل يذكّرنا أيضاً إلى أين نعود، وكيف يجب أن نعيش قبل العودة ، بتواضع الشجرة، وصبر السنابل، وسخاء الغيمة، وصمت الجذور التي تبني الحياة من الأعماق بصمت و سكينة.الارض لا تحتاج الينا ، كانت قبلنا و ستبقى بعدنا .
الإنسان لا يقترب من ذاته إلا عندما يقترب من الأرض. ومن يفهم التراب، لا يعود يرى فيه غباراً يلتصق بيديه، بل يرى فيه وجوه الذين أحبّهم، وآثار الذين سبقوه، ووعد الذين سيأتون بعده. ويرى فيه أيضاً صورته المقبلة، فيتعلم ألّا يتكبّر، وألّا يظلم، وألّا ينسى أن جسده مهما علا، سيعود يوماً حفنةً من التراب. فالتراب كان يوماً بشراً، ونحن سنكون يوماً تراباً. وبين ما كان وما سيكون ، ليس التراب نهاية الإنسان، بل هو أكثر الأماكن امتلاءً بالحياة. ومن ادرك أنه سيعود إليه، عرف قيمة اللحظة، وتواضع أمام العمر. ومن عرف كيف يحني قلبه للأرض، عرف كيف يرفع روحه إلى السماء.
“محكمة” – الجمعة في 2026/7/17



