قراءة قانونية في قضية الشيخ خلدون عريمط: ملف يثير أكثر من علامة إستفهام!/رامي عيتاني
المحامي رامي عيتاني:
منذ بداية قضية الشيخ خلدون عريمط، آثرنا أن نلتزم الصمت احتراماً لاستقلال القضاء وإيماناً منا بأن المحاكم هي المكان الطبيعي لحسم النزاعات الجزائية بعيداً عن الضجيج الإعلامي والأحكام المسبقة.
إلا أن مرور الأشهر، واستمرار توقيف الشيخ خلدون عريمط، وما رافق هذا الملف من حملات إعلامية واسعة، دفعنا بصفتنا محامين وناشطين حقوقيين نتابع أوضاع السجون وحقوق الموقوفين، إلى إبداء رأي قانوني وحقوقي يستند إلى ما يصلنا من الاعلام أو على لسان وكلاء الدفاع بعيداً عن أي اعتبارات شخصية أو سياسية.
ونؤكد منذ البداية، أننا لا نبدي هذا الرأي للدفاع عن شخص بعينه، وإنما دفاعاً عن مبدأ أساسي هو أن العدالة لا تتحقق إلا عندما تكون الأدلة هي أساس الإدانة، لا الانطباعات ولا الحملات الإعلامية، ولا الضغوط، ولا المواقف المسبقة.
لقد رافقت هذه القضية منذ بدايتها حملة إعلامية غير مسبوقة تخللتها اتهامات خطيرة ومزاعم كبيرة أحدثت أثراً بالغاً في الرأي العام، حتى بدا للجميع وكأن الملف يتضمن أدلة دامغة لا تقبل النقاش،إلا أن مراجعة أوراق الملف ومحاضر التحقيق وإفادات الأشخاص الذين جرى الاستماع إليهم – بحسب ما وصلنا من وكلاء الدفاع – تقود إلى نتيجة مختلفة تماماً، إذ يظهر أن هناك فارقاً كبيراً بين حجم الحملة الإعلامية التي رافقت القضية، وبين ما تضمنته أوراق التحقيق من أدلة فعلية قابلة للمناقشة أمام القضاء.
وهنا يبرز أول تساؤل حقوقي مشروع حول حجم الحملة الإعلامية مقارنة مع ما تضمنه الملف من عناصر إثبات؟ أم أن الرأي العام سبق أن كوّن قناعته قبل أن تبدأ المحكمة بممارسة دورها الطبيعي؟
إن الأصل في العدالة أن يبقى كل متهم بريئاً حتى تثبت إدانته بحكم قضائي مبرم، وأن تكون المحاكمة هي المكان الوحيد لتقييم الأدلة، لا المنابر الإعلامية.
الا أنه ومن خلال ما وصلنا عن هذا الملف وجدنا أن هناك مجموعة من الوقائع القانونية التي تستحق التوقف عندها، لأنها تشكل برأينا علامات استفهام جدية حول مسار هذه القضية.
فأول ما يلفت الانتباه، أنه يتبين بصورة جلية من مجمل المستندات والمحاضر المبرزة في الملف – بحسب وكلاء الدفاع- ومن إفادات جميع الأشخاص الذين جرى الاستماع إليهم، أنه لم يثبت إطلاقاً وجود أي منفعة، سواء كانت مالية أو معنوية قد عادت على الشيخ خلدون عريمط من الوقائع موضوع التحقيق ، بل إن جميع الإفادات جاءت وفق ما يظهر في الملف متطابقة في هذا الشأن مؤكدة انتفاء أي مصلحة شخصية أو استفادة مباشرة أو غير مباشرة يمكن أن تُنسب إليه ، علما أن هذه المسألة ليست تفصيلاً، لأن وجود المنفعة غالباً ما يشكل أحد المؤشرات التي تستعين بها المحاكم في تقييم الوقائع والنية الجرمية، بينما يظهر في هذه القضية أن هذا العنصر بقي، بحسب ما هو ثابت في الملف، غير قائم.
ويضاف إلى ذلك أن التحقيقات نفسها تضمنت ما مفاده أن شخصية “أبو عمر” كانت على معرفة سابقة ببعض الساسة وبالمدعو خالد السبسبي، وذلك قبل تعرفها إلى الشيخ خلدون عريمط بمدة طويلة، الأمر الذي يضعف أي استنتاج بأن هذه العلاقات نشأت أو تمت بوساطته أو نتيجة تدخله، ويؤكد أن تلك الصلات كانت قائمة بصورة مستقلة عنه.
وهذه الوقائع، إذا ما نوقشت أمام المحكمة، سيكون لها أثر بالغ في تقييم الدور المنسوب إلى الشيخ خلدون عريمط، وفي تحديد مدى وجود أي علاقة قانونية مباشرة بينه وبين الوقائع موضوع الملاحقة.
أما السؤال الذي يطرحه معظم العامة حول كفاية هذه الأدلة لإقامة المسؤولية الجزائية للشيخ خلدون عريمط، فبرأينا أن المبادئ في القانون الجزائي اللبناني ثابتة وواضحة ومستقرة كما في مختلف الأنظمة القانونية الحديثة بأن الأحكام الجزائية لا تُبنى على الظنون أو الاستنتاجات أو الانطباعات وإنما على أدلة يقينية ومترابطة تكفي لإزالة الشك المعقول باعتبار أن الشك يفسر دائماً لمصلحة المتهم.
ومن هنا، يبرز عدد من المسائل الجوهرية التي أثارها الدفاع والتي تستحق المناقشة القانونية الهادئة أمام محكمة الجنايات خلال الفترة القريبة.
فقد تمحور جزء أساسي من الملف حول شخصية يشار إليها باسم “أبو عمر”، والتي نُسب إليها استعمال شرائح هاتف أجنبية مختلفة، فرنسية وسعودية وبريطانية، في سياق الوقائع موضوع التحقيق ، غير أن الدفاع تمسك بأن الملف، بحسب قراءته، لا يتضمن دليلاً تقنياً مباشراً يثبت أن تلك الشرائح كانت عائدة إلى السيد مصطفى حسيان، أو أنها كانت مسجلة باسمه أو تحت تصرفه بصورة قانونية أو فعلية، وإذا صح ما يورده الدفاع في هذا الخصوص، فإن هذه المسألة تطرح إشكالية قانونية بالغة الأهمية، لأن ربط شخص معين بوسيلة اتصال يفترض أن يستند إلى أدلة تقنية واضحة، كتسجيلات شركات الاتصالات، أو بيانات الاشتراك، أو تقارير خبرة رقمية، لا إلى مجرد استنتاجات أو فرضيات.
كما يتمسك الدفاع بأن الملف لا يتضمن دليلاً مباشراً يثبت أن الشيخ خلدون عريمط كان شريكاً في أي عمل غير مشروع، أو أنه شارك في التخطيط له، أو موّله، أو حرّض عليه، أو استفاد منه.
وبحسب ما يورده الدفاع أيضاً، فإن الملف يخلو من أي تسجيل صوتي أو مرئي، أو مراسلات إلكترونية، أو رسائل نصية، أو مستندات خطية، أو تحويلات مالية، أو أي دليل مادي مباشر يربط الشيخ خلدون عريمط بالأفعال المنسوبة إليه ، ولا يعني ذلك بالضرورة انتفاء المسؤولية، لأن تقدير الأدلة يبقى من اختصاص المحكمة وحدها، إلا أن غياب الأدلة المباشرة، إذا ثبت، يفرض على القضاء أن يتعامل مع الملف بأعلى درجات الحذر، وأن يزن كل قرينة بميزان القانون، لأن الحرية الشخصية لا يجوز أن تُقيد إلا بناءً على أدلة تتسم بالقوة واليقين.
وتزداد أهمية هذه المسألة عندما يؤكد الدفاع أن جميع التحقيقات لم تظهر وجود أي منفعة مالية أو شخصية أو معنوية عادت على الشيخ خلدون عريمط من الوقائع موضوع الدعوى، وهو عنصر قد يكون له أثر في تقييم الركن المعنوي والنية الجرمية، وإن لم يكن وحده حاسماً في قيام المسؤولية الجزائية.
ومن زاوية قانونية أخرى، يثير الدفاع مسألة في غاية الأهمية تتعلق بالتكييف القانوني للأفعال موضوع الملاحقة، مستنداً إلى الرأي المخالف الذي سجله رئيس الهيئة الاتهامية القاضي كمال نصار، والذي رأى، بحسب ما أورده الدفاع، أن الوقائع لا ترقى إلى مستوى الجناية، الأمر الذي يفتح باباً واسعاً للنقاش القانوني حول مدى انطباق الوصف الجرمي الذي اعتمدته الأكثرية.
ولا شك أن وجود رأي مخالف صادر عن قاضٍ في مرحلة الاتهام لا يحسم النزاع، إلا أنه يعكس وجود اجتهاد قانوني مختلف داخل الهيئة القضائية نفسها، وهو ما يؤكد أن الملف يثير مسائل قانونية قابلة للنقاش، وليست محسومة بصورة مطلقة.
وبعيداً عن الجدل المتعلق بأدلة الاتهام، تبقى مسألة التوقيف الاحتياطي من أكثر الجوانب التي تستحق التوقف عندها في هذه القضية من منظور قانوني وحقوقي ، اذ إنّ التوقيف الاحتياطي، وفق المبادئ القانونية المستقرة، ليس عقوبة، ولا يجوز أن يتحول إلى عقوبة مقنعة تسبق صدور الحكم النهائي ، فهو إجراء استثنائي تبرره ضرورات محددة، كالحفاظ على التحقيق، أو منع التأثير على الأدلة أو الشهود، أو الحد من خطر الفرار، على أن يبقى خاضعاً بصورة دائمة لمبدأ الضرورة والتناسب ، وفي هذه القضية، يثير الدفاع تساؤلات حول مدى استمرار توافر مبررات هذا التوقيف بعد مرور فترة طويلة، ولا سيما مع تقدم الإجراءات القضائية وسماع عدد من الأشخاص المعنيين بالملف. وهذه التساؤلات تبقى مشروعة في إطار النقاش القانوني، حيث يعود للمحكمة وحدها تقدير مدى استمرار توافر أسباب التوقيف أو انتفائها ، الا أن أن بطء سير الدعوى، أياً تكن أسبابه، يفرض دائماً على القضاء أن يوازن بين حق المجتمع في الملاحقة، وحق الفرد في الحرية والمحاكمة ضمن مهلة معقولة، وهو مبدأ كرسته التشريعات الحديثة والاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الإنسان.
كما ان من النقاط التي أثارت اهتمام الرأي العام أيضاً، ما نسب إلى الشيخ خلدون عريمط من أفعال قيل إنها تمس بالعلاقات مع المملكة العربية السعودية.
وهنا لا بد من التمييز بين الاتهام وبين ثبوته. فالدفاع يتمسك بأن الشيخ خلدون عريمط عُرف، على امتداد سنوات، بمواقفه العلنية الداعمة للمملكة العربية السعودية، وبخطابه الذي أكد في مناسبات عديدة أهمية العلاقات اللبنانية ـ السعودية، وهو ما يراه الدفاع عنصراً ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار عند تقييم الوقائع المنسوبة إليه ، وبطبيعة الحال، فإن هذه المواقف العامة لا تشكل بحد ذاتها دليلاً حاسماً على البراءة أو الإدانة، لكنها تبقى من العناصر التي يمكن للمحكمة أن تضعها في ميزان التقدير عند تكوين قناعتها، إلى جانب سائر الأدلة والقرائن.
إن احترام القضاء يقتضي ترك الكلمة الفصل للمحكمة، إلا أن احترام القضاء نفسه يقتضي أيضاً احترام حقوق الدفاع، وعدم استباق الأحكام، وعدم مساواة الاتهام بالإدانة ، ولذلك، فإن مناقشة هذا الملف ينبغي أن تبقى محكومة بقواعد القانون وحدها، لا بردود الفعل الإعلامية أو السياسية، لأن العدالة لا تقاس بحجم الضجيج الذي يرافق القضايا، وإنما بسلامة الإجراءات، وقوة الأدلة، وعدالة الأحكام.
لقد علمتنا التجارب أن كثيراً من القضايا التي حظيت بضجيج إعلامي واسع انتهت بأحكام مغايرة لما كان يتوقعه الرأي العام، ولذلك فإن الحكمة تقتضي انتظار الكلمة الأخيرة التي ستصدر عن المحكمة المختصة بعد استكمال جميع مراحل المحاكمة ، علمًا أن الدفاع عن ضمانات المحاكمة العادلة لا يعني الدفاع عن شخص، كما أن المطالبة باحترام قرينة البراءة لا تعني الطعن بالقضاء، بل هي في حقيقتها دفاع عن هيبة القضاء نفسه، لأن القضاء القوي هو الذي يبني أحكامه على الأدلة وحدها، ويصدرها بمنأى عن أي تأثير خارجي ، ومن هذا المنطلق، تبقى قضية الشيخ خلدون عريمط، مهما كانت نتيجتها النهائية، مناسبة للتأكيد على مبدأ قانوني ثابت هو أنه لا يجوز أن يحل الرأي العام محل المحكمة، ولا أن يحل الاتهام محل الحكم، ولا أن تتحول إجراءات التحقيق إلى إدانة مسبقة قبل أن تقول العدالة كلمتها الأخيرة.
ويبقى الأمل لنا أن تصل هذه القضية إلى خاتمتها بحكم يصدر بعد مناقشة جميع الأدلة، وتمكين جميع الأطراف من ممارسة كامل حقوقهم، بما يحقق العدالة للمجتمع، ويحفظ في الوقت نفسه حقوق الأفراد وضمانات المحاكمة العادلة، لأن العدالة الحقيقية هي التي تحمي المجتمع وتحمي القانون معاً.
إن قرينة البراءة ليست شعاراً نظرياً، بل هي قاعدة دستورية وقانونية ملزمة، تعني أن كل متهم يبقى بريئاً إلى أن تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي ، كما أن التوقيف الاحتياطي، في الفقه والاجتهاد، يبقى إجراءً استثنائياً لا يجوز أن يتحول إلى عقوبة تسبق صدور الحكم.
إنطلاقًا من ذلك كله، سيتمسك الدفاع خلال الجلسات القادمة بجملة من الدفوع القانونية، من بينها انتفاء أي منفعة مالية أو شخصية عادت على الشيخ خلدون عريمط، وطرح تساؤلات حول كفاية الأدلة المباشرة، وإثارة مسائل تتعلق بالأدلة التقنية والاتصالات، فضلاً عن الاستناد إلى الرأي المخالف الذي سجله القاضي كمال نصار بشأن التكييف القانوني لبعض الوقائع.
وسواء انتهت المحكمة إلى الأخذ بهذه الدفوع أو إلى ردها، فإن مجرد وجودها يؤكد أن الملف يتضمن مسائل قانونية قابلة للنقاش، وأن حسمها يجب أن يتم داخل قاعة المحكمة، لا في وسائل الإعلام أو على منصات التواصل ، كما يثير استمرار التوقيف الاحتياطي نقاشاً مشروعاً حول مدى استمرار مبرراته في ضوء تطور التحقيقات وسير المحاكمة، وهو نقاش لا يمس باستقلال القضاء، بل يندرج ضمن الرقابة القانونية الطبيعية على احترام مبدأ التناسب بين حماية المجتمع وصون الحرية الفردية ، مع التأكيد على أن استقلال القضاء لا يتحقق فقط بإبعاد الضغوط عنه، وإنما أيضاً بتمكينه من الفصل في القضايا استناداً إلى الأدلة وحدها، بعيداً عن أي تأثير إعلامي أو سياسي. وفي المقابل، فإن احترام القضاء يقتضي عدم تحويل الاتهام إلى إدانة مسبقة، وعدم مصادرة حق الدفاع في مناقشة الأدلة والطعن في كفايتها.
“محكمة” – الأحد في 2026/7/19



