دولة على الورق… غابة على الأرض/انطونيو الهاشم
انطونيو الهاشم (نقيب المحامين سابقاً):
في لبنان، لا يكاد المرء يفتح عينيه على مشهد من مشاهد الحياة العامة إلا ويصطدم بازدواجية فاقعة: نحن بلد القانون وبلد اللا قانون في آنٍ واحد. بلد الدستور الذي يُستحضر عند الحاجة، ويُنسى عند اللزوم. بلد المحاكم التي تصدر قرارات تُجمَّد إن لم توافق ميزان المصالح، وبلد الغابة حيث يسود الأقوى، لا الأعدل.
هنا، تُطبّق القوانين بانتقائية مذهلة: مواطن بسيط يُسجن لأنه لم يدفع غرامة سير، بينما كبار النافذين يسرحون ويمرحون وقد نهبوا الخزينة وأفلسوا المؤسسات.
نحن بلد إذا خالفت القانون من دون غطاء، فالعقاب فوري وقاسٍ؛ أما إذا امتلكت الحصانة السياسية أو الطائفية، فكل شيء مباح: من التعدي على الأملاك العامة إلى ارتكاب الجرائم الاقتصادية. قوانين البناء تُطبَّق على من لا سند له، بينما تُشيّد الأبراج على الأملاك البحرية برخص استثنائية وتواقيع سريعة.
نعيش في بلد يُرفع فيه شعار “كلنا تحت سقف القانون”، ولكن هذا السقف يُفتح ويُغلق بحسب المقامات والمصالح.
نُدرّس طلابنا مبادئ حقوق الإنسان، ثم يشهدون في الشارع على إذلال الموقوفين، واحتقار الفقراء، وحماية المعتدين.
لبنان ليس بلا قانون، بل فيه قوانين راقية، ودستور يُحسد عليه… لكنه، ويا للمفارقة، بلد بلا عدالة. لأن العدل لا يُقاس بالنصوص، بل بمن يطبقها وبمن يخضع لها. والقانون لا قيمة له إن لم يكن فوق الجميع.
إنه بلد الازدواجية بامتياز، حيث يتحول القانون إلى أداة سياسية، واللا قانون إلى عرف مقبول. وبين هذه وتلك، يُسحق المواطن العادي، وتُغتال العدالة على مذبح الطائفية والفساد والمحاصصة.
لكننا لا نحتاج إلى قوانين جديدة، بل إلى ضمير جديد.نحتاج إلى قضاة لا يخشون إلا الله، وإلى مسؤولين لا يختبئون خلف الحصانات، وإلى شعب لا يساوم على كرامته مقابل خدمة، ولا يسكت عن الظلم لأنه اعتاد عليه.
إذا أردنا أن نستحق اسم “الدولة”، فعلينا أن نؤمن أولًا أن العدالة لا تُجزّأ، وأن الكرامة لا تُصنّف، وأن القانون لا يُفاوض عليه.
فلنصرخ بوجه هذا الازدواج القاتل: لسنا عبيدًا في وطنٍ يحتكم إلى الزعيم، ولسنا قطعانًا تُساق إلى الصمت.
لبنان لا يحتاج إلى أعجوبة…
يكفيه أن يكون بلد قانونٍ واحد، يُطبّق على الجميع، بلا خوف، بلا تمييز، بلا استثناء.
وحينها فقط… نبدأ بالخروج من ظلمة “اللا قانون”، إلى نور الدولة.
“محكمة” – الأحد في 2025/7/13


