لا تعبد ربَّين… الله والمال!/أنطونيو الهاشم
انطونيو الهاشم (نقيب المحامين سابقًا):
حين يتحوّل المال من وسيلة للحياة إلى غاية تتحكّم بالإنسان.
ليس المال خطيئة، ولا الغنى رذيلة، ولا الفقر فضيلة بحدّ ذاته. فالمال عصب الحياة، ووسيلة لتأمين الحاجات وصون الكرامة وتحقيق الاستقلال والأمان. لكنّ المأساة تبدأ عندما يتحوّل من وسيلة إلى غاية، ومن خادم للإنسان إلى سيّد عليه.
لقد ابتكر الإنسان المال ليحرّره من الحاجة، فإذا به يصبح، في كثير من الأحيان، أسيراً لجمعه، قلقاً على خسارته، عاجزاً عن الاكتفاء منه. وهنا يبرز السؤال: هل نحن نملك المال، أم أنّ المال هو الذي يملكنا؟
إنّ الحاجة إلى المال مشروعة، بل ضرورية. فلا يجوز مطالبة الجائع بالزهد، ولا المريض بالاستخفاف بثمن الدواء، ولا ربّ العائلة بالتعالي على حاجات أبنائه. لكنّ الحاجة تعرف حدودها، أمّا الجشع فلا يعرف الاكتفاء. وحين يصبح جمع الثروة هدفاً بحدّ ذاته، قد يستهلك الإنسان عمره في تأمين وسائل العيش، وينسى أن يعيش.
وللمال سلطان خفيّ على النفوس والعلاقات. فكم من عائلة مزّقها إرث، وكم من صداقة أنهتها مصلحة، وكم من علاقة إنسانية تحوّلت إلى حسابات ربح وخسارة! والأخطر أن يصبح المال معياراً لقيمة الإنسان، فيُحترم الغنيّ لثروته، ويُهمَّش الفقير لفقره، ويُقاس النجاح بحجم الممتلكات لا بمقدار العلم والأخلاق والعطاء.
وهنا تكمن أزمة مجتمع يخلط بين ما يملكه الإنسان وما يساويه الإنسان. فالثروة قد تمنح النفوذ والمكانة، لكنها لا تمنح بالضرورة الحكمة أو الفضيلة أو السعادة. والإنسان ليس مجموع ممتلكاته، بل هو فكره وضميره وأعماله وما يتركه من أثر في حياة الآخرين
ومن الناحية الفلسفية، يبقى السؤال، هل السعادة في أن نملك أكثر، أم في أن نحتاج أقل؟ إنّ الحرية الحقيقية لا تكمن فقط في القدرة على الشراء، بل أيضاً في القدرة على الاستغناء، وفي ألّا يصبح الإنسان عبداً لرغبات لا تنتهي. فقد يكون المرء غنياً بماله، فقيراً في طمأنينته، وقد يكون محدود الموارد، غنيّاً بكرامته وقيمه وعلاقاته الإنسانية.
أمّا حين يتحالف المال مع السلطة، فإنّ الخطر يتجاوز الفرد ليصيب المجتمع والدولة. فعندما يصبح المال طريقاً إلى السياسة، والسياسة طريقاً إلى الثروة، تختلط المصلحة العامة بالمصالح الخاصة، وتتحوّل الحقوق إلى امتيازات، والولاءات إلى سلع، والسلطة إلى وسيلة للإثراء.
ولبنان شاهد مؤلم على ما يمكن أن يخلّفه هذا التداخل من انهيار اقتصادي واجتماعي وأخلاقي. ففي وطن ضاعت فيه مدّخرات المواطنين، وتراجعت قيمة العمل، وهاجرت الكفاءات، بقيت المحاسبة أضعف من النفوذ، والمصالح أقوى من المؤسسات. وهنا لا تعود الأزمة مالية فحسب، بل تصبح أزمة ضمير وعدالة ومسؤولية. فأخطر أنواع الفقر ليس فقر الخزينة، بل فقر الضمير لدى من يتحكّمون بمصائر الناس.
ومع ذلك، ليس المال شرّاً بطبيعته. فهو قد يكون وسيلة للبناء والإنتاج والعلم والإحسان، كما قد يصبح أداة للاستغلال والفساد وشراء الذمم. والفارق لا يكمن في مقدار الثروة، بل في مصدرها وطريقة استعمالها، وفي القيم التي تحكم صاحبها.
وهنا تتجلّى الحكمة العميقة في القول الإنجيلي: «لا تقدرون أن تخدموا الله والمال». فالمقصود ليس رفض الغنى، بل رفض تأليهه. وعبادة المال لا تحتاج إلى معابد أو طقوس ،إنّها تبدأ عندما يصبح المال القيمة العليا التي تُضحّى من أجلها المبادئ، وتُبرَّر باسمها الوسائل، ويُباع في سبيلها الضمير.
فقد يملك الإنسان الملايين ويبقى متحرّراً من سلطانها، وقد لا يملك إلا القليل ويظلّ أسيراً لهاجس المال. فالعبودية هنا ليست مسألة مقدار، بل مسألة انقياد.
ثمّة، في النهاية، ثروة لا يستطيع المال شراءها ، الزمن. فالأموال قد تُعوَّض، والممتلكات قد تُستعاد، أمّا العمر الذي يمضي فلا يعود. وكم من إنسان أفنى حياته في جمع المال، ليكتشف متأخّراً أنّه خسر في سبيله صحته وراحته وأجمل سنواته!
ليست الدعوة إذاً إلى احتقار المال أو تمجيد الفقر، بل إلى إعادة المال إلى مكانه الطبيعي، والإنسان إلى مركز الحياة. فالعمل فضيلة، والنجاح مشروع، والثروة المكتسبة بجهد شريف تستحقّ الاحترام، شرط ألّا تصبح أغلى من الكرامة، وأعلى من المبادئ، وأقوى من الضمير.
فالإنسان يأتي إلى الدنيا بلا مال، ويرحل تاركاً وراءه كلّ ما جمعه. وما يبقى منه ليس حجم ثروته، بل قيمة أعماله، وما أعطاه من خير، وما تركه من أثر.
لا تعبد ربَّين… الله والمال.
اعمل، واجتهد، واغتنِ إن استطعت، ولكن لا تجعل ثروتك أكبر من ضميرك، ولا مصالحك أعلى من مبادئك، ولا ممتلكاتك أغلى من إنسانيتك.
فالغنى الحقيقي ليس أن تملك كلّ ما تشتهي، بل أن تبقى سيّد نفسك أمام كلّ ما تملك.
“محكمة” – الاحد في 2026/11/1



