أبرز الأخبارعلم وخبر

“محكمة المطبوعات” برئاسة رلى صفير تنتصر مجدّدًا لحرّية التعبير والنقد السياسي العام/علي الموسوي

كتب علي الموسوي:
يتناوب اللبنانيون تحديدًا دون سائر سكّان الكرة الأرضية على ما يتبّدى من المتابعة الحسيّة لاستغراقهم في المناكفات والخلافات السياسية إلى حدّ لا يطاق ويفوق الوصف ويؤذي المشاعر الوطنية، على التنابذ بكلّ شيء على المنبر السياسي العالمي المفتوح تحت مسمّى “تويتر” أكثر من موقع التواصل الإجتماعي الآخر “الفايسبوك”، حيث تبدو أغلبية المنشورات صارخةً في مضامينها وانتقاداتها ومخالفتها للقوانين المرعية الإجراء، وتستحقّ الملاحقة القانونية ولو عبر تحريك الحقّ العام من النيابة العامة الاستئنافية أو التمييزية، وهو أمر لم يحصل مثلًا عند التهجّم على السلطة القضائية في نيسان العام 2020 ووصفها بأبشع النعوت بأنّ “القضاء اللبناني بيسوى ص…”، ووضعها وسمًا أو”TREND” وتعمّد تعميمها وتكرار استخدامها وتنشيط التفاعل معها من كلّ المشاركين، حتّى أنّه يمكن القول إنّ الجميع على “تويتر” “فاتح على حسابو”، فلا حسيب ولا رقيب ذاتي من الشخص نفسه!
في المقابل، تصرّ بعض القوى والأحزاب والتيّارات السياسية من مختلف الإتجاهات والتوجّهات على ملاحقة أيّ صحافي ينبسّ بحرف واحد في كتاباته ومقالاته أو إطلالاته التلفزيونية، في سياق النقد السياسي المألوف والمتعارف عليه حتّى ولو جاء ضمن عبارات قاسية في معانيها ودلالاتها من دون أن تلامس حدّ النيل من الشرف والكرامة.
وفي أحيان كثيرة تتقصّد هذه الأحزاب إغراق القضاء بالدعاوى والشكاوى، ولا تكتفي بما ترسله من توضيح أو ردّ أو تعقيب إلى الجهة الإعلامية الناشرة، ولا خلاف على الإطلاق على حقّها القانوني في إتيان هذا التصرّف المشروع بحيث يمكنها أن تزاوله وأن تتمسك به وألّا تتنازل عنه وأن تصرّ على أن يكون النشر في مكان نشر المشكو منه وبالأحرف نفسها.
على أنّ الخطر في هذا الموضوع أنّه قد يتحوّل إلى نوع من الترهيب والتهديد المعنوي وأقلّه التهويل لمنع تكراره، أو بالأحرى استغلال القانون لإسكات الصوت وإطفاء القلم وتغيير جِلْد الحِبْر المستعمل، ومنعه من ملازمة هذا النوع من الكتابات أو الأحاديث في المستقبل، فيما يفترض بمن يمارس العمل السياسي سواء أكان جمعية حزبية أو شخصًا، أن يتلقى ما يُرمى به من سهام الإنتقاد الموضوعي بصدر رحب، وأن يسعى إلى تفنيدها واستغلال حصولها وتجييرها لمصلحته كنوع من الدعاية لنفسه ولتطلعاته وأهدافه، إنْ عرف كيف يُقْدم على هذه الخطوة التي تحتاج حنكة وحكمة وتعاليًا على ما لم يمسّ الكرامات أو يجرح عزّة النفس.
وإذا ما وردت معلومات خاطئة، أو تحمل افتئاتًا وافتراء لفظيًا غير قابل للإثبات مثلًا، فلا بأس من المبادرة إلى تصويبها بإيضاحات مقنعة تتجنّب معها الإحتكام إلى القضاء ومحكمة المطبوعات تحديدًا، غير أنّ “الأجندة” السياسية والكيدية السياسية المستحكمة بذهنية بعض الأحزاب والشخصيات السياسية لإظهار نفسها ضحية، واستغلال ما قيل بحقّها حتّى ولو كان صحيحًا كنوع من المظلومية، تحثّها على اللجوء إلى القضاء بداعي أنّها من مؤيّدي حلّ المنازعات والخلافات أمام القضاء المختص، وهو أمر يتعارض مع توجّهها الضمني الرافض للإعتراف بأنّ القضاء سلطة ومستقلّة، وذلك من أجل الإستمرار في التحكّم بالتعيينات والتشكيلات والمناقلات الرئيسية فيه متّى قيّض لها الوصول إلى السلطة أو استلام وزارة العدل على أقلّ تقدير.
وكثيرًا ما تلقى دعاوى الشخصيات والأحزاب السياسية نتيجة سلبية لدى محكمة المطبوعات لعدم توافقها مع النصوص القانونية المرعية الإجراء، وكثيرًا ما لا تحقّق المراد المرجو منها، لأنّ إطالة أمد المحاكمة في بعض الأحيان يؤدّي إلى نسيان الرأي العام مضمون الدعوى وواقعاتها وأسبابها، لذلك فإنّه من الأفضل أن يتمّ الإكتفاء بإصدار توضيح يحقّق الغاية المتوخّاة ويختصر المسافات والمحاكمات التي تكون في هكذا حالات من دون طائل حتّى ولو كانت المناكفات المنتشرة بكثرة على الساحة السياسية اللبنانية تستوجب نوعًا من “البطولات” و”الفقاقيع السياسية” باللجوء إلى القضاء، والتي تكون آنية ولحظوية ولا تعمّر طويلًا، وسرعان ما تتجاوزها أحداث أخرى أكثر أهمّية، وخصوصًا في بلد متقلّب مثل لبنان.
على أنّ أهمّ ممّا تقدّم أنّ الشخصيات والأحزاب السياسية المتنوّعة، وإنْ ادعت تقديرها لحرّية التعبير وإبداء الرأي التزامًا بالدستور والمواثيق العالمية والدولية التي تحضّ على هذه الجوهرة النفيسة في حياة الإنسانية جمعاء، إلّا أنّها تخفي في طيّاتها نوعًا من محاولة كتم الأنفاس والأصوات والترهيب المعنوي، أقلّه ولو لفترة زمنية محدودة حتّى تتكشّف حقائق الموضوع المحكى عنه من قبل الصحافي أو الكاتب أو السياسي المناوئ والواقف على الضفّة المقابلة من الرأي السياسي الحرّ والملتزم.
وأيضًا، هذا الأسلوب المتبع من بعض السياسيين والأحزاب والتيّارات اللبنانية لا يمرّ مرور الكرام أمام محكمة الاستئناف الناظرة بالدرجة الأولى في قضايا المطبوعات، أو محكمة التمييز الناظرة استئنافًا في دعاوى المطبوعات، ولكنّه قد يفعل ويعبر بحسب هيئتها القضائية، وهذا يقتضي ألّا يكون القضاة الثلاثة منحازين أو ساعين إلى ممالأة سياسية لأغراض لا تأتلف والعدالة الحقّة وتصبّ في إطار المصلحة الشخصية وإرضاء الزعيم والحزب والطائفة، ممّا يستوجب اختيار قضاة تتكسّر على أعتاب أقواسهم التدخّلات والوساطات والإنتهاكات المغلّفة بقانون تدوير الزوايا، وهناك شواهد كثيرة وفاقعة على هذه التصرّفات، والقرارات القضائية عن هذه الحالات تشهد على موقّعيها وخفايا الطموحات المستترة والظاهرة.
وفي هذا الإطار، جاء القرار الصادر عن محكمة المطبوعات في بيروت بهيئتها الإستئنافية المؤلّفة من القاضيات الرئيسة المنتدبة رلى صفير، والمستشارتين ناديا جدايل والمنتدبة أماني مرعشلي، ليؤكّد من جديد، أنّ لا شيء يتقدّم على حرّية الرأي والتعبير المنصوص عليها في الدستور اللبناني ما دامت تحت سقف القانون ولم تمسّ الكرامة ولم تنل من الشرف ولم تتضمّن تحقيرًا أو سبابًا، ولم تسجّل خرقًا لا لمقدّمة هذا الدستور الصريحة والواضحة، ولا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
وما دامت العبارات والكلمات الواردة في سياق المقال المشكو منه لم تتجاوز القانون، فلا بأس من اعتمادها والتشجيع عليها من دون اللجوء إلى إعطاء بعض العبارات التي قد تحمل إيحاءات متعدّدة ومطّاطة، تفسيرات كثيرة تتخطّى المقبول عقليًا وواقعيًا، وإلّا أصبح الأمر تضييقًا على الكلمة والرأي والتعبير.
ولا رجعة على الإطلاق إلى عهد الرقابة الأمنية والقضائية المسبقة على حرّية القول والكلمة كما كان في عهود غابرة مضى عليها الزمن وتجاوزها بأشواط كبيرة، خصوصًا وأنّه لم يعد بمقدور أيّ كان ضبط “السوشيال ميديا” ومواقع التواصل الإجتماعي والتحكّم بها في ظلّ الإنفتاح العالمي والتطوّر الهائل لوسائل التواصل والإتصالات، إلّا عن طريق حجبها والإنقطاع عنها، وهذا إنْ حصل يزيد رغبة الناس في الإقبال عليها، فكلّ ممنوع مرغوب!
ولم تجد محكمة المطبوعات في خبر أورده الصحافي غسّان سعود،وكيلته المحامية عليا المعلّم، على موقعه الإلكتروني المؤقّت عن الإنتخابات النيابية في العام 2018، عن زيارة رئيس حزب “الحوار الوطني” فؤاد مخزومي إلى رئيس حزب “القوّات اللبنانية” سمير جعجع وتقديمه هدية له، ما يستحقّ الإدانة، وذلك لخلو الخبر من أيّ ذمّ أو تحقير أو إساءة معنوية، واعتبرت أنّه يندرج في إطار النقد السياسي ويعبّر عن رأي الناس ويدخل ضمن حرّية التعبير، وانتهت إلى إبطال التعقّبات بحقّ سعود.
“محكمة” تتفرّد بنشر قرار محكمة المطبوعات لأهمّيته القانونية والمعنوية الحامية لحرّية الرأي والتعبير والحرّيات العامة:
باسم الشعب اللبناني
إنّ محكمة الاستئناف في بيروت، الغرفة العاشرة الناظرة بالدرجة الأولى في قضايا المطبوعات، والمؤلّفة من الرئيسة رلى صفير (منتدبة) ومن المستشارتَيْن ناديا جدايل وأماني مرعشلي (منتدبة)،
لدى التدقـيق والمذاكرة،
تبيّن أنّ جانب النيابة العامة الاستئنافية في بيروت ادعت أمام هذه المحكمة بتاريخ 2018/10/5، برقم أساس 2018/2301، بحقّ المدعى عليه:
– غسان بسام سعود، والدته هيلدا، مواليد العام 1983، لبناني، سجّل 47/ منياره،
لكي يُحاكم سنداً لأحكام المادتين 20 و21 من المرسوم الاشتراعي رقم 104/77 وذلك بناءً على الشكوى مع اتخاذ صفة الادعاء الشخصي، المقدّمة بتاريخ 30/1/2018، أمام جانب النيابة العامة التمييزية، من قبل المدعيين: 1) الدكتور سمير جعجع و2) “حزب القوّات اللبنانية” ممثّلاً برئيسه الدكتور سمير جعجع، ضدّ: 1) الموقع الالكتروني “www.elections18.com” و2) المدير المسؤول عن الموقع الالكتروني “www.elections18.com” و3) كلّ من يُظهره التحقيق فاعلاً، محرّضاً، شريكاً أو متدخّلاً،
وتبيّن أنّه بتاريخ 2020/2/27 أصدرت النيابة العامة الاستئنافية في بيروت قراراً أكّدت فيه على الادعاء تاريخ 2018/10/5، “سيّما وأنّه لم يتبيّن أنّ للموقع الالكتروني شخصية معنوية مستقلّة” وفقاً لما جاء في القرار، وذلك بعد ما أحيل الملفّ إليها بناءً على استدعاء تقدّمت به الجهة المدعية لتصحيح الادعاء،
وتبيّن أنّه في جلسة المحاكمة الختامية المنعقدة بتاريخ 2021/10/28، تمثّل المدعيان بوكيلتهما القانونية التي تبنّت موقف النيابة العامة الاستئنافية في بيروت تاريخ 2020/2/27، وكرّرت مآل الشكوى والمطالب الرامية إلى إلزام الجهة المدعى عليها أن تدفع لهما مبلغاً لا يقلّ عن عشرة مليارات ليرة لبنانية كتعويض عن الأضرار المادية والمعنوية اللاحقة بهما من جرّاء أفعالها الجرميّة، ومن جهة أخرى، لم يحضر أحد عن المدعى عليه وكان ممثّلاً أصولاً بوكيلته القانونية في الجلسة السابقة فجرت محاكمته بمثابة الوجاهي، أمّا ممثّل النيابة العامة الاستئنافية في بيروت فكرّر مآل الادعاء العام،
وتبيّن أنّه بتاريخ 2021/11/16 تقدّمت الجهة المدعية بمذكّرة كرّرت فيها أقوالها السابقة، طالبةً في خاتمتها قبول الدعوى شكلاً لورودها ضمن المهلة القانونية وإدانة المدعى عليه بجرمي القدح والذمّ سنداً للمواد 17 و19 و20 و21 من المرسوم الاشتراعي رقم 77/104 والمادة 385 من قانون العقوبات،
بناء عليه
وبنتيجة المحاكمة الابتدائية العلنية
أوّلاً: في الواقعات:
تبيّن أنّ الموقع الالكتروني “www.elections18.com”، الذي يديره المدعى عليه غسان سعود، عمد بتاريخ 2018/1/14 إلى نشر مقال بعنوان:”مخزومي يلتزم بتعليمات السفير السعودي: إلى معراب در” (بالخطّ العريض)،
وقد ورد في متن المقال المذكور، ما يأتي:”علم موقع www.elections18.com أن زيارة رئيس الحوار فؤاد مخزومي لرئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع أتت بإيعاز من السفير السعودي الجديد في لبنان وليد اليعقوب، أو هذا ما قاله مخزومي أقله في مجالسه الخاصة جداً. وأشار مخزومي في المجلس نفسه إلى أن اليعقوب أشار خلال لقائهما إلى وجوب تفاهمه مع جعجع انتخابياً، باعتباره الحليف الأول للسعودية في لبنان. وكان مخزومي قد حجز موعداً وانتقل إلى معراب بعد أقل من 48 ساعة على لقائه اليعقوب. ولا شك أن مخزومي لا يتقن بعد ألاعيب السياسيين فهو قال بعد لقائه جعجع إن بحثهما تناول الانتخابات النيابية وعلاقة لبنان بالمملكة العربية السعودية.
وأشار مصدر www.elections18.com إلى أن المخزومي حمل معه هدية لجعجع بكيس صغير أبيض، لكن لم يعرف إن كان بداخله هاتف iPhone10 على غرار ما وزعه في بيروت بمناسبة الأعياد أو شيء آخر أهم بكثير.”
ثانياً: في الأدلّة:
تأيّدت هذه الواقعات بـ: الشكوى، إدعاء النيابة العامة، التحقيقات، نسخة المقال، مجمل الأوراق ومجريات المحاكمة،
ثالثاً: في القانون:
1- في الشكل:
حيث يتبيّن أنّ الخبر المشكو منه نُشر بتاريخ 2018/1/14، وأنّ الشكوى الراهنة -الناشئة عن قضيّة من جرائم المطبوعات- قُدّمت أمام النيابة العامة التمييزية بتاريخ 2018/1/30، فتكون الشكوى مقبولة شكلاً لورودها ضمن المهلة القانونية المحدّدة بثلاثة أشهر من تاريخ نشر الخبر موضوعها، وذلك سنداً للمادة 17 من قانون المطبوعات، الصادر بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 104 تاريخ 1977/6/30،
2- في الموضوع:
حيث نُسب إلى المدعى عليه غسان سعود إقدامه على ارتكاب الجنحتَين المنصوص عليهما في المادتين 20 و21 من قانون المطبوعات، إنطلاقاً ممّا تضمّنه المقال المذكور أعلاه في باب “الواقعات”، والمنشور بتاريخ 2018/1/14 على الموقع الالكتروني “www.elections18.com” الذي يديره المدعى عليه،
وحيث تنصّ المادة 20 من قانون المطبوعات على معاقبة “الذمّ المقترف بواسطة المطبوعات”، فيما تنصّ المادة 21 منه على معاقبة “القدح المقترف بواسطة المطبوعات”، بدون أن تحدّد المادتان تعريفاً لعبارتي “الذم” و”القدح” الواردتين فيهما،
من هنا، فإنّه يقتضي الرجوع إلى التعريف الوارد في قانون العقوبات، وذلك إنطلاقاً من نصّ المادة 17 من قانون المطبوعات، التي تنصّ على أنّه “في كلّ ما لم يرد عليه نصّ في هذا القانون بشأن قضايا الذم والقدح والتحقير تطبّق عليه أحكام قانون العقوبات العام”،
وحيث إنّ المادة 385 من قانون العقوبات تنصّ على أنّ “الذمّ” هو “نسبة أمر إلى شخص ولو في معرض الشك أو الاستفهام ينال من شرفه أو كرامته”، وعلى أنّ “القدح” هو “كلّ لفظة إزدراء أو سباب وكلّ تعبير أو رسم يشفّان عن التحقير (…) إذا لم ينطوِ على نسبة أمر ما”،
وحيث، بالعودة إلى الأوراق، يتبيّن أنّ العبارات المشكو منها من قبل الجهة المدعية هي أولاً، عنوان المقال المذكور أعلاه: “مخزومي يلتزم بتعليمات السفير السعودي: إلى معراب در”، وثانياً، الفقرة الأخيرة من المقال، التي جاء فيها: “وأشار مصدر www.elections18.com إلى أن المخزومي حمل معه هدية لجعجع بكيس صغير أبيض، لكن لم يعرف إن كان بداخله هاتف iPhone10 على غرار ما وزّعه في بيروت بمناسبة الأعياد أو شيء آخر أهمّ بكثير”،
وقد أدلت الجهة المدعية بأنّ عنوان المقال والفقرة الأخيرة منه يُسيئان إليها ويمسّان بكرامتها وسمعتها لأنّهما يحملان معانٍ “خبيثة” وينسبان إليها قبول الرشاوى والمال في محاولة للإيحاء للجمهور بأنّ المدعي حزب “القوات اللبنانية” يُشترى ويُباع، وبأنّ المقال حاول التقليل من شأن المدعي الدكتور سمير جعجع ومكانته الاجتماعية عن طريق نشر أخبار “قبيحة غير صحيحة ومهينة نالت من شرفه ومصداقيته وسمعته وكرامته وموقعه السياسي على مساحة الوطن، فشكّلت ذماً به وبالحزب الذي يرأسه وهو الحزب الذي لم ولن يساوم على المبادئ الوطنية ومشهود له بذلك”، وبأنّ “المقال بمضمونه وبخاصة ما ورد في المقطع الأخير منه قد حمل ما يكفي من الإيحاءات القاسية واللاذعة والتي رسمت المدعي على أنّه مرتشٍ يقبل المنفعة المادية”، وبأنّ المقال صوّر المدعي على أنّه مرتشٍ ويقبض المال ويتلقّى الهدايا بأكياس ليغيّر موافقه السياسية بما يتناسب مع تطلّعات دول أخرى، ما من شأنه أن يتخطّى حدود اللياقة الصحافية ويعكس إزدراءً وتحقيراً للجهة المدعية ويُشكّل بالتالي قدحاً بها،
وحيث يقتضي التدقيق بحرفيّة تلك العبارات وبما يمكن أن ينبثق عنها من معانٍ وإيحاءات في السياق الذي وردت فيه، بهدف التحقّق ممّا إذا كانت تنطوي على ذمّ و/أو قدح بحقّ الجهة المدعية، وذلك إنطلاقاً من المبدأ العام السائد في لبنان، وهو حرية إبداء الرأي، والتي لا يحدّها إلا القانون، لأنّ حرية التعبير عن الرأي مُكرّسة صراحةً في الفقرة “ج” من مقدّمة الدستور اللبناني التي تنصّ على أنّ حرية الرأي والمعتقد هي في طليعة الحرّيات العامة التي تقوم الجمهورية اللبنانية على احترامها، وفي المادة 13 من الدستور التي تنصّ على أنّ حرية إبداء الرأي قولاً وكتابةً مكفولة ضمن دائرة القانون، كما وفي المادة 19 من “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” الذي اعتمدته منظّمة الأمم المتحدة وأضحى جزءًا لا يتجزّأ من الدستور اللبناني انطلاقًا ممّا جاء في مقدّمته،
وحيث إنّ حرية التعبير عن الرأي هي المبدأ العام، ولا يخرج عن هذا المبدأ إلّا ما هو مخالف للقانون، ومن المعلوم أنّ الاستثناء يُفسّر بصورة ضيّقة وحصريّة، بمعنى أنّه لا يجوز التوسّع في تفسيره أو القياس عليه،
وحيث، من التدقيق بالعبارات المشكو منها، وبالسياق الذي وردت فيه، فإنّه لا يتبيّن أنّها تنطوي على نسبة أمر إلى الجهة المدعية بما ينال من شرفها أو كرامتها، كما وأنّه لا يتبيّن أنّها تنطوي على إزدراء أو سباب أو تحقير بحقّ الجهة المدعية،
وحيث إنّ الإشارة إلى الإهداء -بالشكل الذي وردت فيه- لا تنطوي على “ذمّ” بالمدعيين، إذ لا يتبيّن أو يُستشفّ أنّ القصد منها هو التجريح الشخصي بالمدعي الأوّل الدكتور سمير جعجع أو بالمدعي الثاني “حزب القوات اللبنانية” الذي يرأسه الأوّل، بل يتبيّن أنّها تندرج ضمن إطار النقد السياسي العام الموجّه بصورة عامة إلى رجال السياسة والأحزاب السياسية في لبنان، والذي يُعبّر عن موقف شريحة من اللبنانيين، ويدخل تالياً ضمن نطاق حرية التعبير المصانة دستورياً وقانونياً،
من هنا، فإنّ ما تضمّنه المقال المذكور إنّما لا يُشكّل “ذمّاً” أو “قدحاً” بالمعنى المقصود في المادة 385 عقوبات، كما سبق عرضه،
وحيث، وعليه، تكون عناصر جرمي الذمّ والقدح بواسطة مطبوعة غير متوافرة بحقّ المدعى عليه، ويقتضي تالياً إبطال التعقبات بحقّه سنداً للمادتين 20 و21 من قانون المطبوعات،
وحيث، بالنسبة إلى الالزامات المدنية، وتبعاً لإبطال التعقّبات المساقة بحقّ المدعى عليه بالجنحتين المنسوبتين إليه، فإنّ دعوى الحقّ الشخصي المقدّمة ضدّه تضحى بدورها مستوجبة الردّ،
وحيث إنّ النتيجة هذه تُعفي المحكمة من البحث في سائر الأسباب أو المطالب الزائدة أو المخالفة، إما لعدم قانونيّتها وإما لكونها لقيت ردّاً ضمنيّاً في ضوء الوجهة المساقة أعلاه، ما يوجب ردّ سائر ما زاد أو خالف،
لذلك
تُقرّر، بالاتفاق، وبعد سماع مطالعة النيابة العامة الاستئنافية في بيروت:

أولاً: قبول الدعوى شكلاً.
ثانياً: في الأساس:
1- إبطال التعقّبات المساقة بحقّ المدعى عليه غسان بسام سعود، المبيّنة كامل هويته أعلاه، بالجنحتين المنصوص عليهما في المادتين 20 و21 من قانون المطبوعات، لعدم توافر عناصرها الجرمية.
2- ردّ دعوى الحقّ الشخصي المقدّمة من المدعيين الدكتور سمير جعجع و”حزب القوات اللبنانية”.
3- ردّ سائر ما زاد أو خالف.
ثالثاً: تدريك المدعيين النفقات كافة.
قراراً وجاهيّاً بحقّ المدعيين الشخصيّين، وبمثابة الوجاهي بحقّ المدعى عليه، صدر وأفهم علناً في بيروت بتاريخ 2022/1/27، بحضور ممثّل النيابة العامة الاستئنافية في بيروت.
(نشر في النسخة الورقية من مجلّة “محكمة” – العدد 52 – آذار 2022)
“محكمة” – الأحد في 2022/5/22
*حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية، يمنع منعاً باتاً على أيّ شخص، طبيعيًا كان أم معنويًا وخصوصًا الإعلامية ودور النشر والمكتبات منها، نسخ أكثر من 20% من مضمون الخبر، مع وجوب ذكر إسم موقع “محكمة” الإلكتروني، وإرفاقه بالرابط التشعّبي للخبر(Hyperlink)، كما يمنع نشر وتصوير أيّ خبر بطريقة الـ”screenshot” وتبادله عبر مواقع التواصل الإجتماعي وتحديدًا منها “الفايسبوك” و”الواتساب”، ما لم يرفق باسم “محكمة” والإشارة إليها كمصدر، وذلك تحت طائلة الملاحقة القانونية.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!