علم وخبر

مراجعة قانونية حول معايير تحديد تاريخ التملك الواردة في القرار 1/1271 لضمان المساواة بين المكلفين وتحقيق الاستقرار العقاري/نسرين نجد

المحامية نسرين فوزي نجد:
(الاستيضاح المتعلق بقرار معالي وزير المالية رقم 1/127 تاريخ 2026/2/20 الموجه إلى المديرية العامة للشؤون العقارية)
أولاً: بخصوص معيار احتساب مدة الـ ١٢ سنة للتملك
نصّ البند الأول من القرار على اعتماد معيارين لتحديد تاريخ التملك:
1. تاريخ تسجيل عقد البيع الممسوح في الصحيفة العينية (في حال تم التسجيل).
2. تاريخ تنظيم عقد البيع الممسوح نفسه (في حال عدم التسجيل بعد).
الملاحظات القانونية والواقعية: إن تبني هذين المعيارين المتفاوتين يؤدي إلى غياب العدالة الضريبية ويخلق حالة من عدم المساواة بين المكلفين، وذلك للأسباب التالية:
• انعدام التكافؤ في مراكز قانونية متماثلة: يؤدي تطبيق هذا النص إلى تمييز غير مبرر بين مكلفين قاما بذات الإجراء القانوني في ذات التوقيت.
• مثال توضيحي: لو فرضنا وجود مشتريين (أ) و (ب)، قام كلاهما بشراء عقارين متساويين في القيمة وبتاريخ واحد بموجب عقود بيع ممسوحة لدى كاتب عدل في اليوم نفسه. وإذا افترضنا مرور إحدى عشرة سنة على تنظيم هذه العقود دون أن يبادر أي منهما للتسجيل؛ فإن أي اختلاف بسيط في توقيت أو إجراءات التسجيل لاحقاً سيجعل أحدهما خاضعاً لفترة احتساب زمنية تختلف عن الآخر، رغم تطابق واقعهما التعاقدي والزمني عند الشراء.
بناءً عليه، يتبين أن ربط تاريخ التملك بواقعة “التسجيل في الصحيفة” تارة، وبواقعة “تنظيم العقد” تارة أخرى، يفتح الباب أمام استنسابية في احتساب المدد القانونية والضريبية.
تحليل الحالة الأولى: أثر ازدواجية المعيار على العدالة الضريبية
يظهر الخلل في تطبيق البند الأول من القرار عند استعراض الحالة الواقعية التالية:
• الواقعة القانونية: في نهاية السنة الحادية عشرة من تاريخ الشراء، وبدلاً من استكمال إجراءات التسجيل في الدوائر العقارية، قام المشتري الأول ببيع العقار لمشتري ثانٍ بموجب عقد بيع ممسوح جديد، مستنداً في ملكيته إلى العقد الأول الذي بيده.
• التكييف المالي والقانوني وفقاً للقرار: بما أن العقد الأول لم يسبق تسجيله في الصحيفة العينية، فإن القرار يفرض اعتماد “تاريخ تنظيم العقد” كبداية لمفعول التملك.
• النتيجة الضريبية: بناءً على ما تقدم، تُحتسب مدة الحيازة (١١ سنة كاملة) لصالح البائع (المشتري الأول)، مما يؤدي قانوناً إلى تنزيل هذه السنوات من الوعاء الضريبي لربح التفرغ. وبذلك، تنحصر الضريبة المفروضة في السنة الثانية عشرة فقط بعد حسم التنزيلات القانونية عن السنوات الإحدى عشرة السابقة.
الخلاصة: إن هذا السيناريو يثبت بوضوح كيف أن عدم التسجيل قد منح المكلف ميزة احتساب مدة التملك من تاريخ العقد، في حين أن المكلف الذي يبادر إلى التسجيل قد يُضار من اعتماد تاريخ السجل اليومي أو الصحيفة العينية، مما يكرس انعدام المساواة في المراكز القانونية تجاه الضريبة العامة.
تحليل الحالة الثانية: أثر المبادرة إلى التسجيل على العبء الضريبي
تتجلى ثغرة عدم المساواة بشكل صارخ عند مقارنة الحالة الأولى بالحالة الثانية الآتية:
• الواقعة القانونية: في نهاية السنة الحادية عشرة من تاريخ الشراء، قام المشتري الثاني (الذي تملك بموجب عقد ممسوح في ذات تاريخ المشتري الأول) بالمبادرة إلى تنفيذ عقده وتسجيله أصولاً في الصحيفة العينية، واستحصل على سند تمليك باسمه، ثم قام مباشرة ببيع العقار للغير.
• التكييف المالي والقانوني وفقاً للقرار: بما أن العقد قد سُجِّل في الدوائر العقارية، فإن القرار يفرض هنا اعتماد “تاريخ التسجيل في الصحيفة العينية” حصراً كبداية لمدّة التملك، متجاهلاً تاريخ تنظيم العقد الفعلي.
• النتيجة الضريبية: بناءً على هذا المعيار، يُعتبر المشتري الثاني قد تملك العقار في نهاية السنة الحادية عشرة وباعه في السنة ذاتها. وبالنتيجة، يُحرم من حق تنزيل السنوات السابقة (الـ ١١ سنة) من وعاء الضريبة، ويتم تكليفه بضريبة أرباح التفرغ كاملةً، على اعتبار أن البيع قد تم في سنة التملك نفسها وفقاً للقيود العقارية.
الاستنتاج المقارن: إن المقارنة بين الحالتين تكشف عن مفارقة غير منطقية؛ فالمكلف الذي أحجم عن التسجيل (في الحالة الأولى) استفاد من ميزة “تاريخ العقد” وحصل على تنزيلات ضريبية عن سنوات حيازته السابقة، بينما المكلف الذي التزم بالإجراءات القانونية وبادر إلى التسجيل (في الحالة الثانية) عُوقب ضريبياً باعتبار تملكه حديثاً، مما يشكل إخلالاً جوهرياً بمبدأ المساواة أمام الأعباء العامة وتناقضاً مع الواقع التعاقدي الثابت.
الحل المقترح والقاعدة القانونية المرجوة تلافيًا للخلل الناتج عن التمييز بين العقود المسجلة وغير المسجلة، وتحقيقًا لمبدأ المساواة بين المكلفين أمام الضريبة، نرى ضرورة توحيد معيار بدء احتساب مدة الحيازة وفق الآتي:
نص المقترح:
“يُعتمد تاريخ تنظيم عقد البيع الممسوح كمعيار وحيد وأساسي لبدء سريان مدة الـ (١٢) سنة اللازمة لسقوط ضريبة أرباح التفرغ، أو لاحتساب التنزيلات السنوية، بغض النظر عن تاريخ تسجيله لاحقاً في الصحيفة العينية.”
الأسباب الموجبة للمقترح:
1. تكريس الواقع القانوني والتعاقدي: إن عقد البيع الممسوح المنظم لدى كاتب العدل هو الصك الذي تنتقل بموجبه الحقوق والالتزامات بين الطرفين، وهو تاريخ الحيازة الفعلية والقانونية التي ينشأ عنها الحق في التملك، مما يجعله التاريخ الأصح لربطه بالواقعة الضريبية.
2. تحقيق العدالة والمساواة: إن توحيد المعيار يضمن عدم معاقبة المكلف الذي يبادر إلى التسجيل (بحرمانه من سنوات الحيازة السابقة)، وعدم منح ميزة استثنائية لمن يتخلف عن التسجيل، مما يضع الجميع في مركز قانوني واحد تجاه الإدارة الضريبية.
3. إستقرار المعاملات العقارية: إن اعتماد تاريخ العقد يشجع أصحاب الحقوق على تسجيل عقودهم في الدوائر العقارية دون خوف من خسارة المدد الزمنية المحتسبة لتملكهم، مما يساهم في تحديث الصحائف العينية ومطابقتها للواقع.
4. منع الاستنسابية: يؤدي هذا المقترح إلى غلق الباب أمام أي اجتهادات أو تأويلات متباينة عند احتساب ضريبة أرباح التفرغ، ويجعل العملية الحسابية تعتمد على واقعة مادية ثابتة وتاريخ يقيني لا يقبل التأويل.
ملاحظات حول البند خامسًا: إشكالية التمييز بين الإرث والوصية في تحديد تاريخ التملك
ورد في متن القرار تمييزًا في تحديد نقطة انطلاق مدة الحيازة بين الورثة الشرعيين (تاريخ الوفاة) وبين الموصى لهم (تاريخ صدور حكم نفاذ الوصية)، وهو تمييز يفتقر إلى المرتكز القانوني السليم للأسباب التالية:
أولاً: الطبيعة الإعلانية للأحكام القضائية: من المستقر عليه فقهًا واجتهادًا أن الأحكام الصادرة في دعاوى حصر الإرث أو ثبوت الوفاة ونفاذ الوصية هي أحكام إعلانية (Declaratory) كاشفة للحق وليست أحكامًا إنشائية (Constitutive) له. فهي تقرر واقعة قانونية حدثت في الماضي (وهي الوفاة)، مما يعني أن مفعولها القانوني يرتد إلى تاريخ نشوء الحق وليس إلى تاريخ صدور الحكم.
ثانياً: واقعة الوفاة كسبب قانوني لانتقال الملكية: إن الملكية في حالتي الإرث والوصية تنتقل من سلف إلى خلف بمجرد واقعة الوفاة (أو ما يعرف قانوناً بافتتاح التركة). فالموصى له، تماماً كالوارث، يستمد حقه من إرادة الموصي التي تصبح نافذة لحظة وفاته، وما صدور الحكم إلا إجراءً إجرائياً لتمكينه من القيد في السجل العقاري.
ثالثاً: غياب المساواة في المراكز القانونية: إن اعتماد تاريخ صدور الحكم للموصى له وتاريخ الوفاة للوارث يؤدي إلى إجحاف غير مبرر بحق الموصى له، إذ تُهدر من مدة تملكه سنوات قد تطول بسبب إجراءات التقاضي، رغم أن واقعة انتقال الحق المادية والقانونية قد تمت فعلياً لحظة الوفاة.
الحل المقترح والقاعدة القانونية المرجوة
توحيد المعيار الزمني لانتقال الملكية في جميع حالات الخلافة (الإرثية والوصائية) لضمان اتساق النص مع القواعد العامة للملكية.
نص المقترح:
“يُعتمد تاريخ وفاة المورث أو الموصي كمعيار وحيد وثابت لتحديد بدء مدة التملك واحتساب فترة الحيازة لغايات ضريبة أرباح التفرغ، سواء انتقلت الملكية عن طريق الإرث الشرعي أو بموجب وصية نافذة، وذلك لكون الأحكام القضائية الصادرة بهذا الشأن ذات مفعول إعلاني يرتد أثره إلى تاريخ الوفاة.”
الأثر القانوني للمقترح:
1. تكريس وحدة المصدر: الربط بين سبب انتقال الملكية (الوفاة) وبين الأثر الضريبي المترتب عليها.
2. تحقيق العدالة: عدم تحميل الموصى له تبعات إطالة أمد الإجراءات القضائية في دعاوى ثبوت الوفاة ونفاذ الوصية.
3. الانسجام التشريعي:”تحقيق الانسجام التشريعي عبر تطابق مفعول القرار مع أحكام قانون الملكية العقارية، التي تقضي بانتقال الحقوق إلى الورثة والموصى لهم حكماً بمجرد الوفاة وقبل القيد في السجل العقاري.”
مذكرة حول إشكالية ربط التسجيل العقاري بسداد ضريبة أرباح التفرغ
1- عرض الإشكالية (واقعة الحجز الإداري المقنع): يواجه المشترون للعقارات أو للحقوق العقارية المختلفة عائقاً إجرائياً يتمثل في تعليق عملية تسجيل عقود البيع الممسوحة في السجل العقاري على شرط مسبق وهو سداد البائع لضريبة أرباح التفرغ. وبما أن البائع غالباً ما يكون قد استوفى كامل الثمن عند تنظيم العقد لدى الكاتب العدل، فإنه يفقد الحافز للمراجعة أو سداد الضرائب المترتبة عليه، مما يؤدي إلى:
• تعطيل الحق في الملكية: حرمان المشتري حقه الدستوري والقانوني في قيد ملكيته وتأمين سنده العقاري.
• الإثراء غير المشروع: بقاء العقار مسجلاً باسم البائع رغم قبضه الثمن، مما قد يفتح الباب أمام حجز دائنيه الشخصيين على العقار مرة أخرى.
• انعدام اليقين الضريبي: عدم قدرة الأطراف على التنبؤ بقيمة الضريبة مسبقاً، مما يجعل المشتري في حالة قلق قانوني دائم.
الحل المقترح الأول: فك الارتباط بين التسجيل والتحصيل الضريبي
يجب فصل المسار الإجرائي لتسجيل الملكية عن المسار التحصيلي للضريبة، وفق القواعد التالية:
• المبدأ: عدم جواز ربط استكمال معاملات التسجيل العقاري بوجوب استحصال البائع على براءة ذمة مالية تتعلق بضريبة أرباح التفرغ الناشئة عن ذات العملية.
• الآلية: تقوم الدوائر العقارية بتسجيل العقد فور استيفاء الرسوم المتوجبة على المشتري، على أن تُحيل نسخة عن المعاملة إلى الدوائر الضريبية المختصة لملاحقة البائع واستيفاء الضريبة منه وفقاً للأصول القانونية المتبعة في تحصيل الديون العامة (قانون التحصيل المباشر)، دون أن يكون لذلك أثر معطل لانتقال الملكية.
الحل المقترح الثاني (البديل): نظام “الإيداع الضريبي المؤقت” لدى الكاتب العدل
إذا رأت الإدارة صعوبة في فك الارتباط كلياً، نقترح تبني آلية وقائية تضمن حق الدولة وحق المشتري معاً:
1. التخمين المسبق: استحداث منصة إلكترونية تتيح للكاتب العدل (أو الأطراف) الحصول على تخمين أولي أو “بيان ضريبي تقديري” لقيمة ضريبة الربح قبل توقيع العقد.
2. الإيداع أو الحجز: يلزم القانون الكاتب العدل باقتطاع قيمة الضريبة التقديرية من الثمن المتفق عليه وإيداعها في صندوق الخزينة أو تجميدها لصالح وزارة المالية كشرط لتنظيم العقد، أو إلزام المشتري بإبراز إيصال سدادها (نيابة عن البائع من أصل الثمن).
3. النتيجة: بهذه الطريقة، يدخل المشتري إلى الدائرة العقارية وبحوزته ما يثبت تأمين حق الدولة، مما يضمن انسيابية التسجيل ويحمي المشتري من تقاعس البائع اللاحق.
الخلاصة: إن حماية المشتري الذي سدد ثمن العقار ورسوم التسجيل هي أولوية قصوى لضمان استقرار السلم العقاري، وإن تحصيل حقوق الدولة يجب أن يتم عبر أدوات الملاحقة القانونية الموجهة ضد المكلف بالضريبة (البائع) حصراً، وليس عبر تعطيل المصالح المشروعة للغير.
معالي الوزير،
بناءً على ما تقدم من تفنيد قانوني وواقعي، يتبين أن تطبيق القرار رقم 1/127 بصيغته الحالية قد أوجد ثغرات إجرائية ومعايير مزدوجة تؤدي في محصلتها إلى زعزعة استقرار المعاملات العقارية وإلحاق الظلم بالمكلفين “حسني النية”.
إن المقترحات التي عرضناها أعلاه لا تهدف فقط إلى تيسير إجراءات المواطنين، بل ترمي بالدرجة الأولى إلى إرساء منظومة ضريبية متوازنة تضمن الآتي:
1. رفع الظلم عن المشتري: عبر حماية حقه في تسجيل ملكيته وعدم رهن هذا الحق بموقف البائع أو تقاعسه عن سداد التزاماته الضريبية.
2. تحقيق العدالة للبائع: من خلال اعتماد معيار “تاريخ الحيازة الفعلي” (تاريخ العقد أو الوفاة) كمعيار وحيد ومنصف لاحتساب مدة الـ (١٢) سنة، بعيداً عن التفاوت في مواعيد القيد العقاري.
3. صون حقوق خزينة الدولة: عبر اقتراح آليات تحصيلية أكثر فاعلية واستباقية (كالإيداع المسبق) تضمن استيفاء الضريبة كاملة دون تعطيل المرفق العقاري أو الإضرار بحقوق الغير.
إننا نضع هذه المقترحات بين أيدي معاليكم، وكلنا ثقة بجرأتكم وحرصكم على إنصاف المواطن وتحقيق المصلحة العامة، آملين أخذها بعين الاعتبار وتعديل القرار المذكور بما يتفق مع روح القانون ومبادئ العدالة والمساواة أمام الأعباء العامة.
“محكمة” – الاثنين في 2026/5/25

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!