علم وخبر

مقاومة الاحتلال في القانون الدولي والدستور اللبناني: الأساس القانوني لشرعية المقاومة/عباس دبوق

المحامي الدكتور عباس دبوق:
تُعدّ مقاومة الاحتلال من المبادئ الراسخة في القانون الدولي المعاصر، إذ أقرت المواثيق الدولية حق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في النضال من أجل تحرير أراضيها واستعادة سيادتها الوطنية. وقد كرّست العديد من النصوص القانونية الدولية هذا الحق، إنطلاقاً من مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها الذي يُعدّ من المبادئ الأساسية في النظام القانوني الدولي.
في هذا السياق، تنظر الدولة اللبنانية والشعب اللبناني إلى الكيان الصهيوني باعتباره عدواً ولا تعترف به على الساحة الدولية باعتباره كياناً غاصباً للحقوق والأراضي الفلسطينية ، كما يُعدّ وجوده على الأراضي اللبنانية شكلاً من أشكال الاحتلال. وقد انعكس هذا الموقف بوضوح في وثيقة الوفاق الوطني (اتفاق الطائف) التي شكّلت الإطار الدستوري والسياسي لإعادة تنظيم الدولة اللبنانية بعد الحرب الأهلية، وأصبحت لاحقاً جزءاً من الدستور اللبناني بعد إقرارها والتصديق عليها من قبل مجلس النواب عام 1990.
ففي القسم الثالث من وثيقة الطائف، المخصص لموضوع الاحتلال الإسرائيلي والمعنون «تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي»، نصّ البند (أ) على ضرورة العمل على تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي وتنفيذ سائر قرارات مجلس الأمن الدولي القاضية بإزالة هذا الاحتلال إزالة شاملة. كما نصّ البند (ج) من القسم نفسه على وجوب اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لتحرير الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي.
ويكتسب هذا النص أهمية دستورية وقانونية خاصة، إذ يبيّن أن الدولة اللبنانية، وفقاً لوثيقة الطائف التي أصبحت جزءاً من نظامها الدستوري، قد اعتبرت تحرير الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي هدفاً وطنياً أساسياً يوجب اتخاذ الوسائل والإجراءات الكفيلة بتحقيقه.
ومن ناحية أخرى، واذا كان اتفاق الطائف نصّ على مبدأ حلّ الميليشيات اللبنانية ونزع سلاحها، إلا أنه لم يعتبر المقاومة من هذه الميلشيات التى شاركت بالحرب الاهلية وهددت في حينها السلم الاهلي، بل اعتبرها مقاومة تحمل غاية سامية هي تحرير الاراضي اللبنانية من الاحتلال وتساند القوات المسلحة اللبنانية في هذه الغاية الوطنية. وبالفعل كان التطبيق العملي والسياسي لهذا النص، فقد استثنى السلاح الموجّه ضد الاحتلال الإسرائيلي، باعتباره سلاح مقاومة يهدف إلى تحرير الأرض المحتلة. وقد كرّست الممارسة الدستورية والسياسية اللبنانية هذا التوجه، إذ إن خطابات القسم لرؤساء الجمهورية المتعاقبين منذ إقرار اتفاق الطائف، وكذلك البيانات الوزارية للحكومات اللبنانية المتعاقبة، أكدت جميعها حق الشعب اللبناني في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي وعلى دعم المقاومة المشروعة لتحرير الأراضي اللبنانية.
ولا يقتصر الأساس القانوني لشرعية مقاومة الاحتلال على الإطار الدستوري اللبناني فحسب، بل يجد أيضاً جذوره في قواعد القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. فقد أكدت العديد من قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة ذات الصلة، حق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال أو الاستعمار في النضال من أجل التحرر وتقرير المصير، كما اعتبرت أن كفاح هذه الشعوب يدخل في إطار حقوقها الطبيعية والمشروعة.
كما أن قرارات مجلس الأمن الدولي المتصلة بالاعتداءات الإسرائيلية على لبنان والاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من أراضيه شكّلت مرجعية قانونية دولية تُدين هذا الاحتلال وتطالب بإنهائه، استناداً إلى القاعدة المستقرة في القانون الدولي التي تحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة وتوجب احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها.
وانطلاقاً من هذه الأسس الدستورية والدولية، فإنّ أي إجراءات تتخذها أي سلطة داخلية بحق المقاومة أو بحق سلاحها، الذي يحمل غاية أساسية تتمثل في مقارعة الاحتلال وتحرير الأرض والدفاع عن حقوق المواطنين في ارواحهم وارزاقهم، تُعدّ إجراءات متعارضة مع روح وثيقة الوفاق الوطني وأهدافها. فالميثاق الوطني الذي كرّسه اتفاق الطائف، بوصفه جزءاً من البنية الدستورية اللبنانية، ربط مسألة السلاح بمقاومة وإنهاء الاحتلال واستعادة السيادة الكاملة على الأراضي اللبنانية وضمان عدم تكرار العدوان الاسرائيلي. ومن ثم البحث في الآليات الدفاعية التى تتطلبها مرحلة ما بعد التحرير.
وعليه، فإن أي تدابير تستهدف تجريد المقاومة من وسائلها الدفاعية في ظل استمرار التهديد أو الاحتلال، من دون تحقيق الغاية التي نصّت عليها وثيقة الطائف والمتمثلة في تحرير الأرض اللبنانية، يمكن اعتبارها إجراءات غير ميثاقية، لأنها تتناقض مع الأسس الوطنية التي قام عليها الاتفاق، وبالتالي تفتقر إلى المشروعية السياسية والدستورية التي تستمدها السلطة اللبنانية من احترامها لمندرجات الميثاق الوطني ومقتضياته.
وبناءً على ما تقدم، يتضح أن حق مقاومة الاحتلال الإسرائيلي بالنسبة للبنان وشعبه لا يستند فقط إلى اعتبارات سياسية أو تاريخية، بل يقوم على منظومة قانونية متكاملة تجمع بين المرجعية الدستورية اللبنانية المتمثلة في وثيقة الوفاق الوطني، والمرجعية الدولية المستمدة من مبادئ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. ومن هذا المنطلق، تبقى مقاومة الاحتلال تعبيراً عن حق مشروع للشعوب في الدفاع عن أرضها وسيادتها، إلى حين زوال الاحتلال بصورة كاملة وتحقيق السيادة الوطنية الكاملة للدولة اللبنانية.
“محكمة” – الأربعاء في 2026/3/11

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!