محامو قضاء زغرتا يكرّمون القاضيين جو خليل وطانيوس الحايك
نظّم محامو قضاء زغرتا لقاء تكريميًا للقاضيين جو خليل وطانيوس الحايك لمناسبة انتهاء مهامهما التي استمرت حوالي العشر سنوات في محكمة زغرتا وانتقالهما منها الى مراكز جديدة بعد التشكيلات القضائية التي صدرت مؤخرًا. كما جرى تكريم مأمور التنفيذ طنوس بو عيسى بمناسبة تقاعده.



شارك في اللقاء كل من نقيبي المحامين السابقين في طرابلس أنطوان عيروت وماري- تراز القوال، وعضوي مجلس النقابة الحاليين ابراهيم حرفوش وطوني فرنجية، وعضوي مجلس النقابة السابقين طوني الخوري ويوسف الدويهي، وممثلي النقابة في محكمة زغرتا بيارو عزيزي ومحسن قبشي، ورئيس القلم جبور نمنوم والمساعدين القضائيين.

استهلّ اللقاء بالنشيد الوطني اللبناني، تلته كلمة للنقيب أنطوان عيروت جاء فيها:
“شرفتني لجنة التنظيم في هذا الحفل التكريمي الذي سعى إليه المحامون والمحاميات الحاضرون من قضاء زغرتا الزاوية، تقديرًا لمسيرة مشرفة بدأت منذ عشر سنوات للرئيسين خليل والحايك في محكمة زغرتا، وكلّفتني أن أتكلم باسم المحامين أبناء زغرتا الزاوية لأرحب بكم في إهدن، علّنا نستطيع أن نفيكم جزءا مما لكم علينا وعلى العدالة.
إن الوقوف أمامكما اليوم ليس من أجل مرافعة، ولا مجرد كلمة شكر، بل شهادة حق في مسيرة قاضيين نزيهين زرعا الثقة في القضاء في زمن اهتزت فيه الثوابت.
لقد كنتما في محكمة زغرتا أكثر من قضاة، كنتما حراسًا للعدالة، تعالجان كل ملف بحرارة القلب ورصانة العقل، بصفاء الضمير والاجتهاد من أجل الحق، فحافظتما على القضاء رسالة لا وظيفة، وجعلتما من كل حكم شهادة حية على أن القضاء بوجودكما وبوجود أمثالكما لا يزال بخير.
لم يحكم أي منكما وكأنه يؤدي وظيفة لتعداد كمية الأحكام الصادرة، لم يحكم كي يراعي أحدًا، بل قدم للناس ما في ضميره وما في علمه الواسع من أحكام ملأى بالعلم والنزاهة، وأكدتما أن القضاء لا يزال رسالة سامية، بعد أن أثبت كل منكما أن حضوره على قوس المحكمة هو الضمانة الصادقة كي لا يظلم أحد، وكي يبقى القانون ميزانًا للحق لا سلاحًا بيد الأقوى.
اليوم، وأنتم تنتقلان من محكمة زغرتا بمعرض التشكلات القضائية التي نرجو أن تكون بداية خير لكل لبنان، تتركان بصمة لن تمحى، وتاريخًا سيروى، وذاكرة منيرة ستبقى في وجدان كل محام، وكل متقاض، وكل إنسان آمن أن العدالة ممكنة حتى في أصعب الظروف.
إن انتقالكما من زغرتا هو كسب للمتداعين أمامكما في بيروت وجونية، لكن عزاءنا أن ما زرعه كل منكما سيبقى بصمة في القلوب وفي سجلات وسمعة هذه المحكمة، وأن زغرتا ستظل تحمل توقيعكما على صفحات قضائها.
كل منكما مثال القاضي الذي لا يساوم، ولا يتلهى بفتح المحاكمات، بل كنتما صورة الضمير الذي لا يضعف، وستبقى هذه الصورة وسامًا على صدركما، وسيبقى هذا التكريم وفاءً منا لرجلين حملا شرف القضاء بأمانة نادرة، وكانا له حصنًا يوم عاجزت الدولة عن حمايته…”
ثمّ توجّه إلى مأمور التنفيد بو عيسى قائلًا:
“يسرنا أن نتوجه بكلمة تقدير إلى المساعد القضائي طنوس أبو عيسى بمناسبة تقاعده، بعد أن كرس سنوات عمره في خدمة محكمة زغرتا، وتحول إلى ذاكرتها …”

ثم كانت كلمة للرئيس جو خليل جاء فيها:
“منذ ما يقارب العشر سنوات، تبلّغت قرار تعيني قاضياً منفرداً في محكمة زغرتا، ولن أخفِ عنكم سراً، شعرت حينها بفرحٍ بالمركز القضائي الجديد، لكن فرحتي كانت ممزوجة بنوعٍ من القلق، القلق الناتج عن الخوف من شيءٍ أجهله ولا أعرفه…. محكمة جديدة، منطقة جديدة، بعيدة بالمسافة عن منطقة الطمأنينة التي نشأت وترعرت فيها، منطقة كانت غريبة عنّي في حينها.
إلا أنّ هذا القلق سرعان ما راح يتلاشى مع كل ساعة وكل يوم أمضيته في محكمة زغرتا، مع كل كلمة ترحيب تلقيتها منكم، مع كل إبتسامة إستقبال تلقيتها صباحاً، مع كل تحية وداع رافقتني مساءً، ففهمت عندها أنّ الإنسان هو فعلاً عدو ما يجهل، وما أكثر ما نجهل!!!
أمّا اليوم، وبعد عشر سنوات أمضيتها رئيساً لمحكمة زغرتا، ومع تكليفي بمهمّةٍ جديدةٍ في مكان آخر، قريب بالمسافة من مركز سكني ومن عائلتي، فقد شعرت ايضاً، ومجدداً بالقلق، وهذه المرّة إنتابني شعور غريب بالقلق أشد من الذي شعرت به عند انتقالي إلى محكمة زغرتا، وسبب ذلك ناتج حتماً عن الخوف من الا تتمكّن مهمتي القضائيّة الجديدة، في المنطقة القريبة والمألوفة بالنسبة إلي، من أن تعوّض علي وطأة فقدان الفرح الذي عشته بينكم في محكمة زغرتا على مدى العشر سنوات الماضية.
لذلك، واختصاراً في الكلام، إسمحوا لي أن أتقدّم منكم، أنتم محامو منطقة زغرتا الأعزاء، نقباء سابقون ومحامون بالاستئناف ومحامون متدرجون، بخالص الشكر على كل كلمة رقيقة وابتسامة جميلة صدرت منكم باتجاهي، وعلى كل تعاون أظهرتموه خلال طيلة هذه الفترة في سبيل تحسين وتطوير ظروف العمل في محكمة زغرتا وفي قلمها. إنّي، وانطلاقاً من خبرتي مدّة عشر سنوات في رئاسة الدائرة القضائيّة في محكمة زغرتا، أستطيع أن أقول، وبضمير مرتاح، أنّكم، أنتم المحامون، كنتم العون والسند الوحيد، نعم الوحيد، لمحكمة زغرتا طيلة هذه الفترة، إنكم لم تبخلوا يوماً، سواء من خلال نقابتكم الموقّرة والنقباء المتعاقبين، أو من خلال مجموعات المحامين التي قمتم بإنشائها، أو حتى من خلال مبادراتكم الفرديّة، لم تبخلوا يوماً على محكمة زغرتا بأي شيء من القرطاسيّة الضروريّة لاستمرار العمل إلى الأثاث والمعدات الأساسيّة لتنظيم هذا العمل. لكم منّي الشكر على كل مساعدة وكل مساهمة لأنّ كل مبادرة قمتم بها شكلت فارقاً في عمل المحكمة وساهمت في استمرار النشاط القضائي فيها.
لقد واجهتنا خلال السنوات العشر الأخيرة عدة تحديات قاسية، من أزمة إقتصاديّة وأوبئة وإضرابات مختلفة واضطرابات سياسيّة وإجتماعيّة، وقد كان لها جميعها أثر سلبي على عمل المحاكم، إلا أنّنا استطعنا بمساعدتكم تخطّي كل تلك الصعوبات بالحدّ الأدنى من الأضرار، الأمر الذي يجعل من الواجب أن يشمل هذا التكريم ليس فقط قضاة محكمة زغرتا وإنّما ايضاً كل محاميّة ومحامي من محامي منطقة زغرتا الذين ساهموا مادياً ومعنوياً في استمرار وهج محكمتها.
الشكر ايضاً يذهب بشكلٍ طبيعي وضروري إلى جميع المساعدين القضائيين في محكمة زغرتا، الذين بتعاونهم، وتكاتفهم، تعالوا على الصعوبات وواجهوا بشجاعةٍ وثابروا حتى النهاية في سبيل تأمين حسن سير العمل في محكمة زغرتا طيلة الفترة الماضيّة. لقد شكلتم بالنسبة إلي اليد اليمنى الوفيّة التي لا تكلّ عن المساعدة، والعين المتنبهة التي تتابع أصغر وأدق التفاصيل وتنقلها بإخلاص، على أمل أن تتابعوا المسيرة عينها بزخمٍ أقوى، وأن يزيد عددكم ويتطوّر نشاطكم وتتحسّن أوضاعكم على الصعد كافة، وأن تشرق شمس يوم إنصافكم بشكلٍ عادلٍ …”

بعدها كانت كلمة للرئيس طانيوس الحايك جاء فيها:
” أن أقف اليوم أمامكم مكرّمًا، فهذا شرفٌ لي لا يُضاهيه شرف.
فكم بالأحرى أن أكون مكرّمًا من قِبل قلوب صادقة، وعقول راقية، وأشخاص عرفتها .وعرفتني خلال عشر سنوات فهذا فضل عظيم، ومكانة لا تشتريها المناصب، ولا تُساويها الألقاب
يصعب على الإنسان أن يختصر ما يقارب العشر سنوات من حياته في بضع دقائق، لكن القلوب تَفعل ما تعجز عنه الكلمات. عشر سنوات
كأنها أمس!
لم تكن مجرد سنوات من العمل الروتيني بل كانت سنوات من العطاء والجهد المتواصل، من السهر على تطبيق القانون وإرساء ميزان العدالة، من الملفات المتراكمة إلى القرارات الحاسمة. سنوات من التعب، نعم…،
لكنها جزء من رسالة صَنعت في داخلي قاضيًا آخر، أكثر نُضجًا، أكثر صلابة، وأكثر تواضعًا أيضًا.
واجهنا الكثير. نقص في الإمكانيات، ضغط في القضايا، صعوبة في التبليغات، ظروف أمنية أحيانًا، ومراجعات لا تنتهي…
لكننا لم نستسلم، بل قاومنا بإيماننا أن العدالة لا تنتظر، والمتقاضي لا يحتمل التأجيل.
فالتأجيل هو صورة من صور الظلم. والقاضي العادل لا يملك رفاهية الانتظار
لذلك حرصنا، ما استطعنا، أن لا يبيت ملف في درج، وكان هدفنا دائمًا: أن تكون القاعة القضائية مكانًا للفصل لا للتأجيل…للحق لا للمجاملة… وللعدالة لا للهوى.
نحن لم نكن وحدنا في هذا الطريق كانت معنا وجوه أعطت بصمتٍ وبتفان.
أعني هنا المساعدون القضائيون الذين حملوا اعباء العمل بإخلاص، وتحملوا ضغط الملفات، وساهموا بكل جهد في إيصال صوت العدالة. فانتم نبض هذه المحكمة لكم منا كل الاحترام والتقدير.
وفي حضرة الكلمة لا ننسى الشركاء في العدالة، الأساتذة المحامون، الذين لم اكن لأؤدي دوري دون مهنيتكم واحترامكم وحرصكم على متابعة قضايا الناس بصبر وضميرمهني. لم تكونوا خصوماً يومًا، بل رفاق درب في خدمة الحق
فيكم وجدت ان المحاماة هي فن الكلمة والصوت المدافع عن الحق، ومنكم تعلمتُ الصبر، ومعكم بنيتُ فهمًا أعمق للعدالة،
وكما يقول جان إتيان ماري بورتاليس أحد كبار رجال القانون في فرنسا: “المحامون هم الكهنة العلمانيون للعدالة، هم يضيئون طريق القاضي ويعطون للكلمة قوة الإنصاف وللحق لسانًا ينطق”، وقد كنتم كذلك. وها انكم اليوم أصحاب الدعوة لهذا اللقاء، فبورك هذا الوفاء.
وإذ أغادر هذا المركز، أحمل معي منه أكثر مما جئت به:
أحمل في جعبتي سنوات من التجربة إضافة إلى أسماء ووجوه وابتسامات ومواقف إنسانية لن تُنسى. وأحمل أيضا يقيناً، بأن العدالة ليست سيفا، بل ميزانًا.
وبأن القاضي الحقيقي هو من يهزه الشك، و يقلقه الضمير، لا من يتقن التوقيع فحسب …”

ليختتم اللقاء بتوزيع دروع تقديرية لكل من القاضيين المكرمين ولمأمور التنفيذ.
“محكمة” – الثلاثاء في 2025/9/30



