علم وخبر

قراءة في قانون استقلالية القضاء الجديد: ثغرات ومكاسب/قمر محيش

الدكتورة قمر محيش (باحثة قانونية):
شكّلت مسألة إستقلالية السلطة القضائية محوراً جاذباً للنقاشات القانونية، ولاقت في الآونة الأخيرة إهتماماً واسعاً في الأوساط السياسية، وفي هذا المضمار شهد النظام القضائي اللبناني محطة نوعية تمثلت في إقرار مجلس النواب مؤخراً قانون تنظيم القضاء العدلي (والمعروف أيضاً بإسم إستقلالية القضاء) في خطوة سبقها الكثير من النقاشات والمطالبات الدولية والمحلية لتعزيز استقلالية القضاء والنأي به عن النفوذ السياسي.
ويعد هذا القانون العمود الفقري لتنظيم عمل القضاء اللبناني، خصوصاً في ظل ما شهده القضاء اللبناني من أزمات بنيوية كثيرة تمثلت في شغور العديد من المواقع القضائية الناتج عن الوفاة أو الإستقالة وغيرها.. فضلاً عن تعطيل الهيئات القضائية الأساسية. فإلى أي مدى يحقق هذا القانون مبدأ استقلالية السلطة القضائية فعلياً بمنأى عن التدخلات السياسية ؟ وهل يكف يد السلطة التنفيذية فعلاً عن التدخل في العمل القضائي والتعيينات القضائية؟
لقد تم بموجب هذا القانون ادخال تعديلات على آلية تشكيل مجلس القضاء الأعلى ، فأقر مبدأ “الإنتخاب” بدل “التعيين” حيث أدى ذلك نوعاً ما، الى الحد من دور السلطة التنفيذية في اختيار أعضاء مجلس القضاء الأعلى وذلك من خلال زيادة عدد الأعضاء المنتخبين،(أربعة قضاة) فيما يترك بالمقابل، للسلطة التنفيذية هامش تعيين الأعضاء الحكميين الأربعة.
كما تم تنظيم المناقلات والتعيينات القضائية التي يضعها مجلس القضاء الأعلى ويرفعها لوزير العدل لتصدر بمرسوم بناءً على اقتراحه مع إحاطة تعيين القضاة بضمانات حصولها على أساس الكفاءة من دون تمييز فضلاً عن تعزيز استقلالية القاضي من خلال إقرار قاعدة الثبات في مركزه لمدة معينة .(الاّ إذا تعرض لعقوبة تأديبية مع تحديد الأخطاء التأديبية بشكل تفصيلي أو إذا كان تقييمه سلبياً).مع الإشارة الى أنه لا يمكنه في جميع الأحوال البقاء في مركزه لمدة تتجاوز المهلة المحددة قانوناً حيث يتم نقله حكماً ولو دون رضاه الى مركز آخر مواز لمركزه أو أعلى منه. والأهم من ذلك أنه قد أبقى على سلطة وزيرالعدل بتوقيف القاضي عن العمل، ما يشكّل خرقاً لمبدأ الإستقلالية.
كما تم انشاء بموجب القانون المذكور، لجنة لتقييم العمل القضائي، ويتم تعيين أعضائها من قبل السلطة التنفيذية حيث تتولى إجراء الزيارات التقييمية للمحاكم والدوائر القضائية وإصدار التوصيات والإقتراحات اللازمة. كما تضمن القانون أصولاً من شأنها الحؤول دون تعطيل عمل المجلس في حال تأخر تعيين الأعضاء الحكميين فيه ، وذلك من خلال أحد القضاة المنتخبين نائباً للرئيس.
سنقدم في ما يلي قراءة قانونية موضوعية في القانون نُبيّن فيها الثغرات التي اعترته، ثم ننتقل لتسليط الضوء على أبرز المكاسب والإيجابيات التي حققها.
أولاً: ثغرات القانون:
بدا القانون بحلته الحاضرة، صيغة قانونية جميلة مثقلةً بثغرات عديدة أثارت جدلاً كبيراً في الأوساط القانونية، وعليه لا بدّ من تفنيد أبرز هذه الثغرات وتحليل آثارها المحتملة على توازن السلطة القضائية سعياً الى إرساء تصور إصلاحي يلبّي النداءات المحلية والدولية لإستقلالية السلطة القضائية.
1- الإبقاء على نفوذ السلطة التنفيذية في التعيينات القضائية: يبقي القانون صلاحيات التعيين في مجلس القضاء الأعلى بيد السلطة التنفيذية، ومما لا يخفى على أحد أن هذه الصلاحية السياسية في التعيين ستؤدي حتماً الى المحاصصة السياسية، وبالتالي الإخلال بمبدأ الإستقلال، مع الإشارة هنا الى أنه قد تم إدراج بند انتخاب أربعة أعضاء في مجلس القضاء الأعلى ،الاّ أن الغالبية لا تزال تعين من قبل السلطة التنفيذية مما يشكل خرقاً لمبدأ فصل السلطات الذي نتغنى به في لبنان.
2-غياب الإستقلال المالي للسلطة القضائية: لم يتضمن القانون نصاً واضحاً لتخصيص ميزانية مستقلة للسلطة القضائية تدرج ضمن الموازنة العامة، حيث لا تزال رواتب القضاة رهينة توقيع وزير المالية، فكيف يكون القاضي مستقلاً وراتبه ينتظر توقيعاً من المراجع السياسية؟ ستؤدي هذه التبعية المالية بشكل أو بآخر الى تبعية سياسية ممّا سيفرغ القانون من أي مضامين لإستقلال السلطة القضائية.
3-عدم وضوح وضمانات آلية تقييم موضوعية لأداء القضاة: نص القانون المذكور على إنشاء لجنة تقييم لأداء القضاة، على أن يتم تعيينها من قبل السلطة التنفيذية، حيث من الممكن استخدام هذه الآلية كأداة ضغط على القضاة عبر تقييمات غير موضوعية ذات خلفيات سياسية مما يضعف استقلال القضاة وتجعل القاضي رهين الرضا السياسي.
بالرغم من الثغرات التي طالت القانون والتي أثارت الكثير من علامات الإستفهام حول قدرته على تحقيق الإستقلال المنشود، الاّ أنّ النظرة الموضوعية فيه تقتضي القول بأن النص التشريعي لم يخل من نقاط مضيئة تستحق التوقف عندها والإشادة بها، فقد حمل في طياته بعض الإصلاحات التي وإن بدت محدودة لكنها تمثل خطوة أولى نحو تعزيز الجسم القضائي وضمان استقلاليته.
ثانياً: مكاسب القانون
1- تكريس حرية التعبير للقضاة: نص القانون على حرية القضاة في التعبير وتأسيس الجمعيات أسوةً بجميع المواطنين، ولا يحد من هذه الحقوق الاّ ما تقتضيه استقلالية القاضي، مع الإشارة الى أن القانون أوجب على القاضي الذي يرغب بالظهور على أية وسيلة إعلامية أن يعلم رئيس المجلس الأعلى للقضاء بذلك.
2- تعزيز استقلال القضاء من خلال إدخال ثقافة الإنتخاب في الجسم القضائي: قلّص القانون الى حد ما نفوذ السلطة التنفيذية في تعيين أعضاء مجلس القضاء الأعلى من خلال إدخال آلية الإنتخاب لأربعة من أعضائه ، بينما يتم تعييين النصف الآخر عبر مزيج من ترشيحات القضاة والسلطة والتنفيذية.
3- وضع ضوابط على حركة القضاة لتجديد الخبرة ومنع التمركز: منع القانون القاضي البقاء في منصبه لأكثر من خمس سنوات، لينقل بعدها الى منصب مواز أو أعلى منه، مما يساهم في تبادل وتجديد الخبرات والحد من بناء شبكات نفوذ محلية.
4- تحرير التشكيلات القضائية من رهن السياسة: حيث أصبح بموجب القانون قرار التشكيلات القضائية نافذاً حتى لو لم يوقّع من قبل السلطة التنفيذية، مع الإشارة الى أن البعض الآخر يرى فيه تعدياً على صلاحية السلطة التنفيذية بإصدار المراسيم، كما أنه لا يعطي القضاء أية استقلالية.
ختاماً، نقول إنّ القانون يشكل خطوةً تشريعية أولى مهمة في إطار السعي نحو تعزيز استقلالية السلطة القضائية، رغم الهفوات والثغرات الواضحة التي اعترته والتي تحد من فعاليته على المستوى البنيوي والمالي، إذ إنّه يرسّخ مبدأ فصل السلطات ولكن بشكل خجول يحتاج الى المزيد من الجرأة التشريعية نحو الإستقلالية، بما يؤدي الى بناء منظومة قضائية موضوعية قادرة على تأدية الأمانة التي تحملها، ومما لا ريب فيه أن هذا القانون هو خطوةً تمهيدية تؤسس لقضاء عادل ومستقل، مما يفتح الباب نحو المزيد من النزاهة والإستقلالية القضائية.
“محكمة” – الثلاثاء في 2025/8/12

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!