علم وخبر

الحرية في منظومة حقوق الإنسان/حسن عبيد

الدكتور حسن حسين عبيد (استاذ متعاقد في كلية الحقوق – الجامعة اللبنانية):
تغنّى الأدباء والمفكرون بالحرية، نظراً لأهميتها على نفس الإنسان وحياته، ولما تحمل من منطلقات واسعة في تحقيق سكينة النفس البشرية، فهي التي تجلب السعادة للذات الإنسانية، وبسعادته تتحقق سعادة الجماعة، وبسعادة الجماعة تولد السكينة الاجتماعية.
إن جميع الشرائع السماوية نصت على ضرورة توفير الحرية لكافة الفئات المجتمعية، لأن الإنسان يولد حراً، ويجب أن يعيش حراً. ولأن الحرية قيمة عظيمة وذات معنى نبيل تبث الراحة النفسية في ذات الفرد ويتأتّى من خلالها الرضا الذاتي لكل من يتذوقها، فمن يتأمّل ذاته وهو يملك الحريّة يشعر بحقيقتها وماهيتها، وهنا تجدر الإشارة إلى أن الحريّة الشخصيّة تنتهي بمجرّد أن تبدأ حرية الآخرين، وهذه القاعدة كانت مفصلاً مهماً في فهم المعنى الحقيقي للحرية. لذا، فالحرية، لم يخلقها الدين، ولم يأتِ بها ولم يبتكرها، إنما كانت مطلب كل إنسان يسعى إلى أن يعيش كما يريد هو، لا كما يريد الآخرون، لأن الحرية ليست منحة، بل حق للجميع، وهي تُؤخذ ولا تُطلب، وهي أغلى ما يملكه الإنسان، وحق غير قابل للتفويت، ولا التقسيم، ولا المساومة، ولا التنازل، وقد دمج بعض المفكرين الحرية بأصل الوجود، باعتبار أنها حق أساسي، كحقه في الحياة.
ومن يبحث ويتأمل في أهميّة هذه القيمة الإنسانية، يرى كثيراً من الجماعات والأفراد، عبر التاريخ، حاربوا من أجل الحصول على بعضها، أو نيلها، والتنعم بها، أو استردادها. ومن يدرس التاريخ البشري القديم، والحديث، يجد أن معظم الحروب التي اندلعت، والثورات التي قامت في العالم، والتي سقط خلالها آلاف القتلى، وتم تدمير دول برمتها، كانت من أجل الحرية، وأول ما يطالب به هو الحرية.
تغنّى كثير من الشعراء بالحرّية، حيث يقول أمير الشعراء أحمد شوقي: “وللحرية الحمراء باب بكل يدٍ مضرجةٌ يدقُّ…”، أي يجب على الأمم أن تحارب بكافة الوسائل للحصول على هذا الحق المقدّس، بل يجب على كل فرد النهوض من أجل نيل الحرية مهما كلّفت من تضحيات ودماء.
وُجِدت الحرّية منذ أن وجد الإنسان، وأخذت تتطور مع تطور المفاهيم وتطور المجتمعات، ولعبت الأديان السماوية دوراً مهماً في تنظيمها وإعطائها تعريفاً يتناسب مع حالة الإنسان. واستمر هذا التطور في التحديد والتوضيح ووضع المفاهيم مع تطوّر المجتمع البشري حتى يومنا هذا، حيث شهدت الإنسانية خطوات مهمة على صعيد تأكيد حقوق الإنسان منذ صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العام 1948، عن الجمعية العامة للأمم المتحدة. فتحققت مجموعة إنجازات على هذا الصعيد… من أهمها:
1- العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (عام 1966).
2- العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (عام 1966).
3- الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (عام 1965).
4- إتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (عام 1979).
5- إتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (عام 1984).
6- إتفاقية حقوق الطفل (عام 1989).
7- الإتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم (عام 1990).
كما وُضعت قواعد خاصة بالمحتجزين ومعاملة المجرمين. إضافة إلى بروز اهتمامات أجهزة الأمم المتحدة بحقوق الإنسان وهي: الجمعية العامة، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي، ولجنة حقوق الإنسان، واللجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات، ولجنة مركز المرأة.
أما على الصعيد الإقليمي، فيلاحظ صدور الميثاق الأفريقي بشأن حقوق الإنسان وحقوق الشعوب عن منظمة الوحدة الأفريقية (عام 1981). والاتفاقية الأميركية لحقوق الإنسان عن منظمة الدول الأميركية (عام 1969). والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (عام 1950)، والميثاق الاجتماعي الأوروبي (عام 1961).
“بعد انتهاء مرحلة الحرب الباردة، شهدت الأمم المتحدة مزيداً من الاهتمام العالمي بحقوق الإنسان. فبادر مركز حقوق الإنسان في جنيف بنشاط مميز منذ العام 1993، لتعزيز قدرة الأمم المتحدة على التأكد من احترام هذه الحقوق. كما خطت الأمم المتحدة خطوة جديدة عبر إنشاء محاكم دولية لمحاكمة مجرمي الحرب، عندما أصدر مجلس الأمن في العام 1992 (القرار رقم 780) إنشاء لجنة خبراء محايدة مهمتها جمع الأدلة وتصنيفها طبقاً لمكان الجريمة والشهود عليها.
ثم أصدر مجلس الأمن في العام 1993 (القرار رقم 808) إنشاء محكمة دولية لمقاضاة الأشخاص المسؤولين عن انتهاك القانون الدولي في يوغوسلافيا السابقة. ثم تكررت هذه الخطوة مع المجازر التي وقعت في رواندا الأفريقية. وبذلك خطت الأمم المتحدة خطوة أساسية باتجاه تطوير القانون الجنائي الدولي. تمثلت بالتوقيع على معاهدة روما لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية في العام 1998، ثم وضعها موضع التنفيذ في العام 2002 بعد مصادقة عدد كافٍ من الدول عليها. ومن اختصاص هذه المحكمة محاكمة مجرمي الحرب من قادة الدول الذين يقومون بأعمال جرمية تهدد الجنس البشري، أو تنطوي على إبادة جماعية، أو تقع في ما يمكن تسميته جرائم الحرب. ومما لا شك فيه أن هذه الخطوة تعد نقلة نوعية لتطوير القانون الدولي الجنائي” (1).
أخذت مسألة حقوق الإنسان صفة عالمية، بحيث كانت مراد كافة الشعوب في العالم لحاجته إليها، وكان من المهم قوننتها للجوء إليها في حال حصول الضرر أو انتهاكها، إذ ليس من الصدفة أن تسمّى الوثيقة الأهم لحقوق الإنسان بـ “الإعلان العالمي”. أما على مستوى التطبيق لمضمون هذه الوثيقة وما تبعها من وثائق بقي أمراً منوطاً بالسياسة الحكومية في كل دولة. لكن، من ناحية أخرى، فإن هذا المنهاج العالمي لحقوق الإنسان تبلور في مجموعة مفاهيم مشتركة مثل: حماية الأطفال والنساء، وحماية المعوقين، وحماية اللاجئين، وحقوق الشعوب، وحماية الأقليات… وارتكزت هذه المفاهيم على مرتكز أساسي هو: الإنسان، وحياته، والعيش الكريم.
“وتأكدت هذه الصفة العالمية في مؤتمر فيينا لحقوق الإنسان(25/14 حزيران/يونيو 1993)، الذي هو بمثابة أكبر حشد عالمي تحت عنوان حقوق الإنسان. صحيح أن الخصوصية الوطنية، والحضارية، طُرحت في هذا المؤتمر، وخصوصاً من جانب الدول النامية، ومن قِبل أوساط دينية (إسلامية، ومسيحية…)، لكن معظم دول الشمال الصناعية، والدول الغربية، ركّزت على عالمية حقوق الإنسان. ويمكن استنتاج حقوق عالمية مشتركة مثل: الحق في التنمية، والإقرار بالعلاقة المترابطة بين الديمقراطية والتنمية، والرغبة بالتحوّل نحو الديمقراطية، وحماية حقوق المرأة، وحقوق الطفل”(2) .
وبتعبير آخر، تطورت مسيرة حقوق الإنسان إلى أن أصبحت ذات حالة عالمية على أكثر من صعيد، وصارت التنمية حقاً من حقوق الإنسان.
أما عند الحديث عن الديمقراطية كجزء من ممارسة الحرية، والتي تعتبر ذات صلة أساسية بالحقوق السياسية للإنسان، نرى اختلافا واضحاً بين المجتمعات في تعاملها مع هذه القضية، وأحياناً تحول دون تطبيق نسق واحد من الديمقراطية. لذلك يصعب تصور تطبيق نسق واحد في هذا المجال المعقد، من دون ردود فعل قوية، وأحياناً عنيفة من الشعب، أو إحدى مجموعاته، أو ربما يكون هناك تطبيق نسبي للديمقراطية يحقق رضا الشعب. لذلك نرى الدور البارز، والعالمي الذي تلعبه الأمم المتحدة في دعم ممارسة الديمقراطية من خلال تطوير الممارسات المتعلقة بحقوق الإنسان، ورعايتها لكثير من الإجراءات التي ترفع من منسوب الحرية بشكل عام.
في إطار آخر، “يصعب الفصل بين الديمقراطية، والتنمية البشرية، من حيث توفير خيارات عدّة أمام الناس، وتسهيل اجراءاتها بطريقة سليمة بعيدة من العنف والإكراه. وثمة ارتباط بين حقوق الإنسان، والسلم الوطني والدولي، وهذا ما يعطي للتنمية البشرية أبعاداً عالمية واسعة”(3).
ويعلق أمين عام الأمم المتحدة الأسبق الدكتور بطرس غالي على الديمقراطية بقوله إنها “تمثل جميع الثقافات، وجميع الحضارات، بل يجب أن تكون كذلك. والديمقراطية اسلوب يمكن أن يأخذ أشكالاً متعددة لها من المرونة ما يجعلها تستوعب الواقع المحلي لكل مجتمع بطريقة فعالة. إن الديمقراطية ليست نموذجاً يُنقل عن بعض الدول، ولكنها هدف ينبغي أن تحققه كافة الشعوب…”(4) .
في هذا الصدد، إن الديمقراطية تأخذ أشكالاً متعددة من حيث فهمها وتطبيقها، غير أن زماننا هذا لا يحتّم اعتمادها معياراً لجميع الثقافات والحضارات، نظراً لاختلاف الثقافات والمبادئ والمعايير بين مجتمع وأخر، وزمن وآخر، وكل هذا لا ينفي أهمية ربط مفهوم الديمقراطية مع قضية حقوق الإنسان. إلا أن هناك دول تطبق هذا المفهوم حسب ما تقتضيه مصلحتها، ومما يؤمن استقرارها وأمنها، ويتقدم أمنها الوطني على كل شيء، فالديمقراطية لا تعني شيء من دون تقدم المجتمع ونموه حتى لو تم ممارستها بشكل كامل، إذ أن الهدف الأهم هو تحقيق التنمية بكل أشكالها ويفوق هذا على كل ما سبقه.
وهنا الإشكالية تطرح نفسها حول أهمية الحرية والديمقراطية، ومدى جدواهما، بحيث نسأل إلى أي مدى يمكن أن تُمارَس الديمقراطية وتُكفَل الحريات في مجتمعٍ ما دون أن ينعكس ذلك على تحقيق نموٍ اقتصادي واجتماعي حقيقي، وهل تفقد هذه الممارسة مضمونها في ظل غياب التنمية؟ وهل تكفي الديمقراطية والحرية بوصفهما قيمتين دستوريتين لتحقيق التقدم، أم أن غياب النمو يجعل منهما إطاراً شكلياً غير فعّال؟
المصادر:
(1) السيد حسين، د.عدنان، نظرية العلاقات الدولية، دار أمواج، بيروت، ط1، ص:207.
(2) نافعة، حسن، الأمم المتحدة في نصف قرن. عالم المعرفة، العدد 202، الكويت، 1995، ص: 378.
(3) السيد حسين، د.عدنان، نظرية العلاقات الدولية، مرجع سابق، ص:209 و210.
(4) غالي، بطرس، حقوق الإنسان بين الديمقراطية والتنمية. في: السياسية الدولية (العدد 114، أكتوبر 1993)، ص: 146 و147.
“محكمة” – الخميس في 2026/4/23

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!