كتاب مفتوح إلى المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في لبنان/غدير العلايلي
المحامي د. غدير العلايلي:
بتاريخ 25 نيسان 2026 م الموافق 8 ذو القعدة 1447هـ، عقد المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في لبنان اجتماعاً في دار الفتوى في بيروت برئاسة مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان. أصدر المجلس بياناً نذكر ممّا جاء فيه (في البنود الثاني والخامس والسابع) ما يلي على التوالي (بالإضافة طبعاً، والحمد لله، إلى “شجب الأعمال العدائية التي يقوم بها العدو الصهيوني”، ووجوب قيام منظّمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدوليّ بـِ”فرض انسحاب العدو الإسرائيلي من جميع الأراضي اللبنانية المحتلة، والالتزام بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية”… إلخ) :
“(…) احترام حق رئيس الجمهورية الدستوري في تولّي المفاوضات في عقد المعاهدات والاتفاقات الدولية بالاتفاق مع رئيس الحكومة استناداً الى أحكام المادة 52 من الدستور اللبناني، وفي اختياره مع أركان الدولة سلوك المفاوضات الدبلوماسية لإنهاء الحرب مع الكيان الصهيوني الذي شنّ حرباً مدمرة، لا هوادة فيها على لبنان مرتكبا افظع الجرائم وأخطرها، وفي وقت سدت فيه كل المنافذ لإنقاذه من جحيم هذه الحرب.
(…) و الامتناع عن التعرّض لرئاسة الحكومة أو التطاول على شخص رئيس الحكومة والرئاسات الأخرى واللجوء إلى الخطاب التصعيدي التخويني الفتنوي الذي يسيء إلى هيبة الحكم ومعنويات الدولة وكرامات الناس، لأن التعرض لرأس الدولة وعمودها الفقري ورموز الدولة بات يرقى الى المساس بالأمن الوطني، وإذا استمرّ هذا التعرّض، فهل ندرك حجم وهول المخاطر من المهالك التي نزج هذا الوطن فيها، فإلى متى؟ وإلى أين؟، مع التأكيد على دعم قرارات مجلس الوزراء الأخيرة والعمل على تنفيذها والتقيد بأحكامها. (…و) تأييد قرار إعلان بيروت مدينة خالية من السلاح وتعزيزها بعناصر الجيش وقوى الأمن التي تحفظ أمنها وسلام أهلها (…)”.
لقد بلغ السيل الزبى! وصل الأمر ببعضنا، لبنانياً وعربياً وإسلامياً، إلى حدّ إقدام المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في لبنان، في دار الفتوى في بيروت، وبرئاسة مفتي الجمهورية اللبنانية، على دعم القرارات الحكومية الأخيرة والمفاوضات المباشرة بين لبنان و”إسرائيل”، وتحصين مَن لفّ لفيفها بخطوط حمراء، رغم انعقاد المحادثات المباشرة الممهّدة لها في توقيت وإطار وظروف وشروط غير ملائمة إطلاقاً. وفق بيان الإجتماع المذكور، تمّ التداول خلاله في “الشؤون الإسلامية والوطنية والعربية”، في حين أنّ بعض البنود الصادرة عنه، تحديداً تلك المشار إليها أعلاه، تشكّل في الواقع، على ما يبدو لي، خروجاً نهائياً عن الإسلام والوطنية والعروبة في ظلّ المعطيات الراهنة.
ملاحظة حول سبب سماحي لنفسي بالتوجّه إلى المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في لبنان بهذا الشأن: إذا كان اختصاصي العلميّ والمهنيّ يتعلّق بالأمرين الأخيرين، أي المسائل الوطنية والعربية (والدولية)، إلّا أنّ اهتمامي بالأمر الأوّل أيضاً، ألا وهو الدِّين، قد دفعني في السنوات الأخيرة إلى مطالعة كتب دينية أيضاً ومتابعة دروس ومجالس دينية وكتابة كتابين قيد النشر يتناولان، بالإضافة إلى القضايا الوطنية والعروبية والدولية والحقوقية والهويّاتية والثقافية والأكاديمية، بعض المراجع والمسائل الدينية، مِن دون أن أزعم التخصّص فيها إطلاقاً. لكن، ومِن مجرَّد “ألف-باء” اطّلاعي الديني المتواضع، بما في ذلك بشأن القضية الفلسطينية والصراع الوجوديّ مع الصهيونية العدوّة بعدسة دينية، لا يبدو لي أبداً أنّ مواقف المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في لبنان أعلاه متوافقة بأيّ شكلٍ من الأشكال مع الدين.
لذلك، ومن باب الحرص على أحكام الدين، كما على الوطن والعروبة، أدعو المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في لبنان إلى التفضّل علناً بشرح المرتكزات الدينية لمواقفه تلك للرأي العام الإسلامي واللبناني والعربي، لعلّه فاتنا شيء من القواعد الأساسية ذات الصلة في الدين والعقيدة الإسلامية، والتي دأبت مؤسسات دينية معنية على تعليمنا إيّاها بنفسها كِـ”إذاعة القرآن الكريم من لبنان” التابعة لدار الفتوى بذاتها مثلاً، ممّا ينمّ عن تناقض جسيم، بين ما تلقّننا إيّاه نظرياً بهذا الصدد وما تطبّقه وتمارسه في الواقع العمليّ، في حين أنه لا يجوز التلاعب والتفريط في أحكام الدين. بحيث يقتضي بالمرجعيات والمؤسسات الدينية، وفي مقدمها دار الفتوى، التنبّه فوراً إلى الأمر بتمعّن ودقّة تمهيداً لمعالجته جدّيّاً وبكلّ جرأة مِن دون مواربة، احتراماً لتفكير العباد وشعورهم وإيمانهم، عقلاً وقلباً، ومراعاةً لحسّهم النقديّ الحرّ.
لا يجوز أن تخلو مواقف حسّاسة وخطيرة وذات تحوّلات جذريّة ومفصلية كهذه، متى صدرت عن مراجع دينية، مِن تبيان تأصيلها الشرعيّ والفقهيّ والاجتهاديّ والأسباب الموجبة لها علمياً والحيثيات الدينية التي يلجأ إليها صاحبها، فما بالكم بمفتٍ بل بمجلس شرعي إسلامي أعلى “هو الهيئة المخوّلة سلطة إصدار النظم والقرارات والتعليمات التي يقتضيها تنظيم شؤون المسلمين الدينية (…)”.
على أمل أقلّه قراءة جواب أو مذكّرة تفسيرية من قبل المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في لبنان بخصوص بيانه الأخير، وما حمله في طيّاته من مآلات فادحة وما سينتجه من تداعيات وخيمة لبنانياً وإسلامياً وعربياً. وعلى الرجاء الأعظم في عدول المجلس عن الكبوة المتمثّلة في هذه السابقة التاريخية الأليمة في سجلّه بهذا الموضوع الجوهريّ، فالرجوع إلى الحقّ فضيلة… ولو بعد حين.
“محكمة” – الخميس في 2026/4/30



