مقالات

رأي حر بانتخابات نقابة المحامين/ميلاد الابرش

المحامي ميلاد الابرش:
في خضم المعارك النقابية والتنافس والتهافت على المراكز، نجد انفسنا اليوم كمحامين امام مفترق طرق لجهة اختيار الاشخاص المناسبين في المواقع المناسبة. ولكن المناسب لمن ولماذا وكيف وفي اي ظرف ولأي جهة ولأي مهنة حيث اصبحت كيفما اصبحت في وضعنا الحالي بلبنان.
من هنا لا بد قبل كل شيء ان نقوم بنقد ذاتي لذاوتنا وعملنا وادبياتنا والتزامنا بالمبادئ التي اقسمنا المحافظة عليها في حلف اليمين. مع كل الاحترام والمحبة نطرح السؤال بانتظار الجواب ماذا قدمت المجالس المنتخبة للمحامي وللنقابة منذ ما يناهز الثلاثين عاماً تقريباً حتى تاريخ اليوم باستثناء الخدمات المتفاوتة والاجتماعات الدورية والمؤتمرات الكلامية والمحاضرات الضرورية والمواقف الشعارية طبعًا!
فإذا كان الدور الاول الحقيقي للنقابة هو تنظيمي هيكلي وحسب، نكون امام مجلس ادارة كأي شركة خاصة بصرف النظر عن البحث في نسبة فشله او نجاحه في الادارة، واذا كان الهدف هو المواظبة على الاهتمام بشؤون وشجون المهنة وحسب، فنكون امام مؤسسة تحاول حل المشاكل ومواكبة الظروف الطارئة المفروضة عليها في كل مرحلة من المراحل. لا هذه ولا تلك هي نقابة المحامين في بيروت التي اعرف امجادها من اجدادها وآبائها وافخر بإنجازاتها عندما كان يحمل لواءها كبار رجالات الفكر والعلم والقانون ولا تضم سوى نخبة المجتمع وبالاخص من قرر اعلاء شأنها وتقلد المسؤولية بكل جرأة وتفاني وتعالي وشرف. اذا السؤال الاساسي هو اي نقابة واي مجلس نقابة واي نقيب نريد للغد لنا ولأولادنا ولأحفادنا ولوطننا؟؟
مهما تكن خياراتنا وان كانت نابعة من قناعاتنا، فليشكل هذا الاستحقاق فحص ضمير وعملية وعي ووقفة صلبة بوجه المصالح الشخصية والاصطفافات السياسية والحسابات الضيقة والمسايرات والاملاءات وغيرها من الاعتبارات الخارجة عن روح هذه الرسالة السامية ومكانتها الرفيعة ودورها الريادي حقوقياً وتاريخياً وانسانياً ووطنياً.
نحن بخيارنا نقرر مصيرنا ومستقبلنا في هذا الوقت “الخطير” لأنه حان وقت التغيير. عندما نؤدي واجبنا بإعطاء النقابة حقها والاستحقاق قيمته، نعطي الامل للمحامي بتحقيق ما يصبو اليه والرجاء للاجيال القادمة بتحقيق الافضل لنقابة حديثة، راقية، متطورة ومتجددة تواكب تحديات العصر والمتغيرات العالمية.
بداية، لا بد لنا ان نعترف في مراجعة الذات هذه، بما جرى ارتكابه من اخطاء على انواعها حتى يتسنى تصحيح الغلط وترميم جسور التواصل والثقة مع مختلف فئات المحامين لبناء علاقة حيوية وصحية مع بعضنا البعض بعيداً عن المشاريع والحفلات الكبرى والبرامج الانتخابية الفضفاضة على الورق والخطابات والشعارات الرنانة والوعود الفارغة. لا بد للمرشح على المنصب معايشة ارض الواقع والمتابعة الحثيثة انطلاقاً من المعاناة اليومية والوجع الحياتي لكل محامي في المحاكم والدوائر الرسمية والمراجع الحكومية مروراً بمرارة تأمين سبل العيش الكريم في مجال عمل ضيق وبظروف صعبة واحداث اليمة مرت وتمر علينا كل يوم في لبنان، وصولاً الى العناء لتحصيل الحقوق والاتعاب مقابل ما يبذله المحامي من جهد مهني فكري ونفسي وجسدي لا يثّمن بمال.
فمن هو ذاك الذي يتفهم ويشعر بهذا الحجم من الهموم والمسؤوليات والمشاكل ويفقه اسباب هذا الجرح النازف؟؟ هو وحده الذي سيدرك فوراً كيفية المعالجات الجذرية وسيبادر الى اتخاذ الخطوات العملية للانقاذ قبل فوات الآوان. ومن هو جدير بإحراز الفوز ليتبوأ هذا الموقع؟ هو وحده من يضع في صلب أولوياته كرامة وخير وازدهار المحامين وليس التسلق على اكتافهم واستعمالهم وسيلة للوصول الى الغايات والمواقع.
هو وحده الذي يضع في طليعة أهدافه مرافقة ومراقبة المحامين في اهتماماتهم ويومياتهم يعتني بهم عناية الاب الصالح وليس منشغلاً عنهم في الظهور بصدارة المناسبات ومنصرفاً الى التباهي باللقاءات وبالسفرات.
هو وحده الذي يقول لا للاذلال والتهميش ونعم لرفعة المحامين وقوتهم وتأثيرهم المميز والفاعل في الادارات والمجالس والتشريع والوقوف على حسن تطبيق القوانين وفتح آفاق واسواق عمل جديدة، محترمة ومحترفة لهم تضعهم على نفس المستوى العالمي لنظرائهم في منتديات العالم ونقابات الغرب المتقدمة.
هو وحده الذي يصارح زملاؤه بشفافية بشأن المواضيع الدقيقة والحساسة والاخفاقات والتراكمات على وجه الخصوص كالعجز المالي والصندوق التعاوني والبدائل ويشاركهم آراءهم وطروحاتهم ويستمع لإقتراحاتهم ليتم دراستها والاخذ بها.
هو وحده صاحب الرؤيا والجرأة وصاحب المبادرة في ايجاد الحلول لا في ايجاد الاعذار، يرفض ما تفرضه الظروف من احكام ويفرض حكمته في كل الظروف.
هو وحده الذي يرفض ان تكون النقابة وسيلة توظيف تجاري أو أداة لانتهاز فرص او استغلال نفوذ او ساحة استعراض واستعلاء او مساحة اعلان ودعاية لأيّ كان كائناً من يكون، بل الموضع الطبيعي للخدمة والحوار والانفتاح والتبادل والتعاون والارتقاء في سائر المجالات التي تخص المحامين.
هو وحده الذي يحقق ثمّ يتكلّم، يتقدّم ثمّ يقود، يفصل ثم يقول، ينهض بالنقابة التي تنبض بالحياة تحاكي تطلعاتنا وتشبه طموحاتنا، النقابة التي لا تغيب والحاضرة في جميع مفاصل الحياة المهنية والحياة العامة، النقابة التي تواجه ولا تفشل، النقابة التي لا تخاف بل تشع بأدائها وقيمها وانجازاتها، النقابة التي لا تتبع ولا تنحني ولا تنثني وسنثق عندئذ بحكمتها وبصوابية قراراتها، النقابة التي تسائل وتعاقب من يستحق العقاب دون خشية من العواقب الانتخابية وتكرم وتثني على من يستحق المكافأة بمناقبيته واجتهاده وتضحياته واسهاماته.
ارفع هذه الصرخة الحرة لكل محام حرّ ايماناً مني بأن كل من يؤمن معي بهذه المعايير ويعمل بها هو الذي سيحدث كل الفرق في قلب المعادلات من اجل ان ننجح معاً يداً وقلباً واحداً بإحداث التغيير المطلوب.
“محكمة” – الجمعة في 2025/11/14

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!