مقالات

معهد المحاماة توظيفٌ في مستقبلِ المهنة وكان بندًا أساسيًا في برنامجي النقابي/عماد مرتينوس

النقيب عماد مرتينوس*:
إنها اللحظةُ الأهم في سيرةِ السنتين من مسيرةِ الولايةِ النقابية ومن مسارِ التدرج، لأنها لحظتُكم، لا لحظتي نقيباً ولا لحظتُنا مجلسَ نقابة.
إنه الاستثمارُ الكبير في مساحاتِ العلم، ومختبراتِ الممارسة، ومدرسةِ القيم التي تجعلُ من المحاماةِ رسالةً قبل أن تكونَ مهنة.
إنّ معهدَ المحاماة بهندستِه الجديدة، وكان هذا بنداً أساسياً في برنامجي النقابي، ليس مجردَ برنامجٍ تعليمي، ليس مجردَ تكرارٍ مملٍ للسنواتِ الاكاديمية الأربع، بل هو توظيفٌ في مستقبلِ المهنة.
خُصص لأن يمنحَكم المعرفةَ العلمية-العملية، هذا الثنائي الذي يشكلُ دعامةً أساسية في ثقافةِ التدرج؛
خُصص لأن يضعَ بمتناولِكم خبرةَ المحامين والقضاة والأساتذة؛
خُصص لأن يقرّبَكم من واقعِ الممارسةِ اليومية، من أصولِ المحاكمات إلى صياغةِ العقودِ والمذكِرات، ومن أخلاقياتِ المهنة إلى فنِ التفاوضً والدفاعِ والمرافعة.


أنتم تدخلون اليوم الى رحابِ معهدِ المحاماة، معهدٌ أعيد بناؤه، وصياغةُ هيكلتِه، بما يجعلُكم تَخرجون منه وتتخرجون محامياتٍ ومحامينَ، لا تترافعون عن ملفٍ فحسب؛ بل تحمِلون معه حقاً وحريةً وكرامةً ومصلحةً مشروعة لإنسانٍ هو أساسُ الملفِ وصُلبُه.
وفي زمن تتسارعُ فيه التحولاتُ القانونية والتكنولوجية، وفي مقدّمها الذكاءُ الاصطناعي والتحولُ الرقمي، لم يعد كافياً أن يكونَ المحامي حافظاً للقانون؛ المطلوبُ أن يكونَ باحثاً، ومحللاً، ومفاوضاً، وقادراً على مواكبةِ التطورات. وهذا ما سيكونُ متوفراً في النِظامِ الجديدِ للمعهد.
وكان هذا ثمرةَ عَصفٍ فكري وتبادلِ خبراتٍ رست الى هذا التنظيمِ الجديدِ للمعهد، مناهِجَ وطاقَماً وإدارياً وتعليمياً. وإنني أوجهُ الشكرَ الى زملائي في مجلسِ النقابة وفريقِ العمل الذي وضع كلَ امكاناتِه لبلوغِ المرتجى.
المحاميات والمحامون المتدرجون،
أنتم اليوم على عتبة المهنة، وهذه العتبة لا تُعبَرُ بالشهادةِ وحدَها، ولا بحفظِ النصوصِ والقوانين، ولا بالذكاءِ الاصطناعي، بل بالقدرةِ على فهمِ القانون في روحِه ومقاصدِه، وبالالتزامِ بأصول المهنةِ ومناقبِها.
نعم مناقِبُ المهنة، وتذكروا أن سمعة المحامي تُبنى خلال سنواتٍ، قد تهدُمُها لحظة. فلا تجعلوا مجالاً لهذه اللحظةِ القاتلة، لا تجعلوا مكاناً للنجاحِ السريع على حسابِ النزاهة، ولا تجعلوا الخصومةَ في الدعوى عداوةً بالشخصي، ولا تسمحوا للسرعةِ أو الشهرة أو المصلحة أن تتقدمَ على الحقيقةِ والكرامةِ واحترامِ القانون.
إنّ نقابةَ المحامين تفتحُ لكم اليومَ باباً، فلا تُقفلوا أبوابَ الاجتهادِ والانضباطِ والنجاح.
الزميلات والزملاء المتدرّجون،
كونوا محامين يثقُ بهم الناس، ويحترمُهم الخصوم، ويطمئن إليهم القضاء، وتفخَرُ بهم النقابة.
لا تتعلموا كيف تربحون القضايا فقط، بل تعلموا كيف تخدمون العدالة. فالمحامي الناجح قد يربحُ دعوى، أما المحامي الذي لا يخسر فهو الذي يتركُ أثراً في المجتمع، ويساهم في إعلاء سيادة القانون وحماية الحقوق والحريات.
أتمنى لكم مسيرةً مهنية مشرّفة، وأتمنى لهذا المعهد أن يكونَ منارةً دائمة للعلمِ والتكوين، وأن يكونَ جسراً متيناً بين الجامعة ومهنةِ المحاماة، وبين المعرفةِ النظرية والممارسة العملية.
وعليه،
أعلن إعادةَ افتتاحِ معهدِ المحاماة، هذا المعهد ليس وليدَ اليوم؛ سبق وأطلقه النقيب الاستاذ رمزي جريج، وبدأ مسارُه التنفيذي في عهد النقيبة الأستاذة أمل حداد، وتجدَّد نظامُه الأكاديمي بما يجعلُ من معهد المحاماة فضاءً للتكوينِ المهني المتقدِّم، في عهدِ النقيب ملحم خلف الذي سَهِرَ أيضاً على خلقِ البيئة البنيوية المناسبة في الطابق الثاني من بيت المحامي بما يليقُ بالمعهدْ ودورِه، فكان ثمرةَ رؤيةٍ ونهجٍ نقابي متعاقِب. واليوم، نواصلُ هذا المسار مع أعضاء مجلس النقابة فرداً فرداً، بتطويرِ نظامِه ومناهجِه بما يواكبُ تطلعاتِ المهنة ومستقبلَ المحاماة. وكل الشكر والتقدير لكل من ساهم، بفكرِه وجهده وخبرته، في إنضاجِ النظام الجديد وإخراجِه إلى حيَّز التنفيذ، وأخص الزملاءَ في مجلس النقابة، والزميل الدكتور داني سماحة مدير المعهد، والزميل الأستاذ شادي سعد مستشار النقيب لشؤون المعهد، وكل من تعاقب على ادارة المعهد.
فهنا تتعلمون ما لا يُكتب في الكتب: تتعلمون أن يكون ضميرُكم مهنتَكم الأولى، وأن تكون الحقيقةُ رسالتَكم، وأن يبقى استقلالُكم خطاً أحمرَ لا يُساوَمُ عليه.
هنا تصبحون محامين يعرفون القانون، ويجعلون منه قوةً للعدل، ومن العلم أداةً للحق، ومن المحاماة موقفاً في مواجهة الظلم.
ادخلوا معهدَ المحاماة اليوم متدرّجين، واخرجوا منه محامين يُقال عن كلِ واحدٍ منكُّن ومنكُم: هذا محامٍ، لأن القانونَ ساكنٌ عقلَه، والحقَ ملازمٌ قلبَه، والكرامةَ سِمَةُ سلوكِه.
وفقكم الله، وحمى رسالتَكم، وحمى بكم العدالة.


* ألقيت هذه الكلمة في حفل إعادة اطلاق معهد المحاماة الذي أقيم اليوم الثلاثاء في “بيت المحامي” بحضور وزير العدل عادل نصار والنائب النقيب ملحم خلف ورئيس هيئة القضايا في وزارة العدل القاضي جون القزي والقضاة الياس عيد ومحمد شرف ونضال شاعر والنقباء السابقين للمحامين سليم الأسطا وأمل حداد ونهاد جبر وأنطونيو الهاشم وأعضاء مجالس النقابة الحاليين والسابقين ومحامين في الاستئناف والتدرّج.
“محكمة” – الثلاثاء في 2026/9/8

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!