أبحاث ودراسات

نصاب الثلثين لانتخاب رئيس الجمهورية.. قراءة هادئة لنص المادة 49/بهيج طبارة

المحامي الدكتور بهيج طبارة (وزير ونائب سابق)*:
عرف لبنان، منذ الاستقلال، عدة انتخابات لرئاسة الجمهورية لم تُطرح خلالها مسألة النصاب الواجب توافره في جلسة الانتخاب، لأن مجلس النواب كان يلتئم فيها بالأكثرية الساحقة من اعضائه، وأحياناً بكامل اعضائه.
وبالفعل، فإن الرئيس بشارة الخوري انتُخب في 21 أيلول 1943 بحضور 47 نائباً من اصل 55 كان يتألف منهم مجلس النواب، ونال في الدورة الاولى 44 صوتاً. كذلك الرئيس كميل شمعون، فقد انتُخب في 23 ايلول 1952 بحضور 76 نائباً من اصل 77 يتألف منهم المجلس ونال في الدورة الاولى 74 صوتاً. أما الرئيس فؤاد شهاب، فإن مجلس النواب الذي انتخبه في 21 تموز 1958 كان يتألف من 66 نائباً حضر منهم 56 نائباً، فنال في الدورة الثانية 48 صوتاً مقابل سبعة اصوات للعميد ريمون إده ووجدت ورقة بيضاء واحدة.
وبمناسبة انتخاب الرئيس شارل حلو، التأم المجلس في 17 آب 1964 بكامل اعضائه التسعة والتسعين، واقترع 92 منهم لمصلحته. كذلك، بمناسبة انتخاب الرئيس سليمان فرنجية في 17 آب ,1970 وكانت معركة الانتخاب على أشدها بينه وبين الرئيس الياس سركيس، انعقد مجلس النواب بكامل اعضائه، فلم يحصل أي من المرشحين على ثلثي الاصوات، وفي الدورة الثانية فاز الرئيس فرنجية بحصوله على 50 صوتاً مقابل 49 لخصمه.
وقد أثيرت مسألة النصاب بمناسبة انتخاب خلف للرئيس فرنجية، فعقدت هيئة مكتب المجلس ولجنة الادارة والعدل في 5 ايار 1976 اجتماعاً مشتركاً برئاسة الرئيس كامل الاسعد ناقشت فيه مسألة النصاب واتخذت بشأنه القرار الآتي: أما بالنسبة الى قضية النصاب الواجب توافره في جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، تطبيقاً للمادة 49 من الدستور، فقد تبين للمجتمعين بعد الدرس، أن اشتراط المشترع نيل المرشح اكثرية الثلثين من اعضاء المجلس النيابي في الدورة الاولى يفترض حضور ثلثي اعضاء المجلس على الأقل من أجل إمكان عقد الجلسة والشروع في الاقتراع .
وفي 8 ايار 1976، في ظل أجواء حرب حقيقية، توافد النواب تحت وابل من الرصاص والقذائف، الى المبنى المؤقت لمجلس النواب في قصر منصور قرب المتحف، ولم تفتتح الجلسة الاّ عندما بلغ عدد النواب 67 بعد انتظار دام حوالى الساعتين. وبنتيجة فرز الاصوات، وكان عدد النواب اصبح 68 نائباً، نال الرئيس سركيس في الدورة الاولى 63 صوتاً (أي اقل من ثلثي اعضاء المجلس الذين اصبح عددهم 97 بعد وفاة نائبين) ووجدت خمسة اوراق بيضاء. وفي الدورة الثانية، وبعد ان انضم الى الحاضرين النائب عبد اللطيف الزين، انتُخب الرئيس سركيس بعد ان حصل على 66 صوتاً.
وقد طُرح موضوع النصاب مرة اخرى بمناسبة انتخاب الشيخ بشير الجميل بعد ان حُسمت مسألة كيفية احتساب الاصوات، وعما اذا كان الاحتساب يقتصر على الأحياء فقط من النواب. ففي جلسته المنعقدة في 29 أيار 1980 صوت المجلس على قرار يقضي بأن: عبارة الغالبية المطلقة من مجموع الأعضاء الذين يؤلفون المجلس قانوناً تعني الغالبية محسوبة على اساس عدد النواب الأحياء، حاضرين او متغيبين، دون المتوفين. وقد أكد هذا القرار مكتب المجلس ولجنتا الادارة والعدل والنظام الداخلي في جلستهم المشتركة في 16 آب 1982. وبما ان ستة نواب من اصل التسعة والتسعين نائباً كانوا قد توفوا، فإن اكثرية الثلثين المطلوبة لانعقاد جلسة الانتخاب كانت تفترض حضور 62 نائباً.
وفي اليوم المعين للانتخاب، أي في 22 آب 1982 (بعد تأجيل الموعد بسبب تواجد قوى مسلحة قرب مبنى قصر منصور) صدرت جريدة “النهار” بعنوان كبير على صفحتها الاولى: انتخابات الرئاسة اليوم: النصاب رهن بنائب او نائبين. وجاء فيها: … إن فريقي المعركة سائران بها الى النهاية، احدهما لتأمين النصاب القانوني وبالتالي إجراء الانتخاب، والآخر لتعطيل النصاب والحؤول دون الانتخاب . وأضافت الجريدة أن: الفريق المسلم والوطني بدا واثقاً من استطاعته تأمين امتناع 31 او 32 نائباً عن حضور الجلسة وبالتالي تعطيلها، وفريق الجبهة اللبنانية بدا واثقاً من تأمين نصاب يراوح بين 62 و63 نائباً وفوز الشيخ بشير الجميل . وقد طال انتظار اكتمال النصاب في مبنى المدرسة الحربية في الفياضية حيث تقرر عقد الجلسة، فلم تنعقد إلا بعد انقضاء ساعتين ونصف الساعة وبعد ان اكتمل نصاب الثلثين بحضور 62 نائباً، فنال الشيخ بشير الجميل 58 صوتاً في الدورة الاولى ووجدت ورقة باسم العميد ريمون إده وثلاث اوراق بيضاء. وقد انتُخب الشيخ بشير الجميل في الدورة الثانية بعد ان حصل على 57 صوتاً.
لم يُطرح موضوع النصاب بمناسبة انتخاب الشيخ امين الجميل اذ حضر 80 نائباً وتم انتخاب الرئيس الجديد بحصوله على 77 صوتاً.
وبمناسبة انتخاب الرئيس رينيه معوض، وفي ظل التصعيد السياسي نتيجة قرار حكومة العماد ميشال عون حل مجلس النواب، دُعي المجلس لعقد ثلاث جلسات متتالية في مطار القليعات في الشمال، واكتمل نصاب الثلثين بحضور 57 نائباً (بالنظر لوفاة عدد آخر من النواب). في الجلسة الاولى، تم انتخاب رئيس المجلس ونائبه وأعضاء المكتب، وفي الثانية تمت الموافقة على وثيقة الوفاق الوطني التي أقرت في الطائف في 22 تشرين الاول 1988. وفي الجلسة الثالثة جرى التصويت على انتخاب رئيس الجمهورية، فنال الرئيس رينيه معوض 35 صوتاً وتوزعت الاصوات الباقية بين الدكتور جورج سعادة (16) والرئيس الياس الهراوي (5) وورقتين بيضاويْن. وبالنظر لعدم حصول أي من المرشحين على اكثرية الثلثين، اجريت دورة ثانية تم بنتجتها انتخاب الرئيس معوض بـ 52 صوتاً.
بعد استشهاد الرئيس معوض، بادر مجلس النواب بحضور 52 نائباً (أي اكثر من ثلثي النواب الأحياء) الى انتخاب الرئيس الياس الهراوي بـ 47 صوتاً.
أما الرئيس اميل لحود، فقد انتُخب في 15 تشرين الثاني 1998 بإجماع 118 نائباً حضروا الجلسة وتغيب عشرة نواب.
وأنه يتضح مما تقدم أن الممارسة في لبنان، فضلاً عن القرارات الصريحة الصادرة عن لجان مجلس النواب، تشير كلها الى ان نصاب جلسة انتخاب رئيس الجمهورية هي الثلثان، وأن احتساب الثلثين يتم على اساس عدد النواب الأحياء، دون المتوفين. لماذا إذن كل هذه الضجة بشأن نصاب المادة 49 من الدستور التي تُشغل الوسط السياسي ووسائل الاعلام في لبنان منذ اكثر من ثلاثة اسابيع، وتكاد تمتد الى خارج لبنان لتُشغل المهتمين بأوضاعه؟
إن السبب الظاهر هو ان المادة 49 لا تتعرض صراحة الى موضوع النصاب، أي الى الحد الأدنى من اعضاء مجلس النواب الواجب حضورهم لكي يتمكن المجلس من الانعقاد بصورة صحيحة، والتداول واتخاذ القرارات، بل تكتفي بتحديد كيفية الاقتراع لانتخاب رئيس الجمهورية، فتشترط ان يتم ذلك بغالبية الثلثين من مجلس النواب في الدورة الاولى على ان يُكتفى بالغالبية المطلقة (أي اكثر من النصف) في دورات الاقتراع التي تلي.
هذا في حين أن ثمة مادة اخرى في الدستور، هي المادة 34 تتعلق بالنصاب وتنص على ان اجتماع مجلس النواب لا يكون قانونياً ما لم تحضره الأكثرية من الاعضاء الذين يؤلفونه.
من هنا، إنطلق بعض الحقوقيين المعروفين امثال الدكتور انطوان بارود (النشرة القضائية 1962 ص 58) للقول بأنه ما دام الدستور لا يفرض نصاباً خاصاً لجلسة انتخاب رئيس الجمهورية، فإنه يُكتفى بالنصاب العادي، أي نصف الاعضاء بزيادة واحد. ويذهب الدكتور بارود الى ابعد من ذلك عندما يعتبر ان الغالبية المطلوبة في المادة 49 لانتخاب رئيس الجمهورية هي غالبية اصوات المقترعين، مستنداً في ذلك، على سبيل الاستئناس، بنص الدستور الفرنسي لسنة 1875 الذي استوحى دستورنا من احكامه.
وقد اعتمد هذا الرأي الاستاذ انور الخطيب (المجموعة الدستورية 1970 جزء 5 صفحة 106) مؤكداً انه يكفي ليكون الاجتماع قانونياً ان يضم الغالبية المطلقة من مجموع عدد النواب (50 نائباً في مجلس مؤلف من 99 نائباً)، وان الغالبية المطلوبة في انتخاب رئيس الجمهورية في الدورة الاولى هي ثلثا المقترعين لا ثلثا عدد اعضاء المجلس. اما في الدورات التي تلي فالأكثرية المطلقة، أي ان نصف المقترعين زائد واحد يكفي.
أما الدكتور ادمون رباط فكان له رأي مخالف تماماً (في النشرة القضائية 1962 صفحة 53 وفي مؤلفه عن الدستور اللبناني 1982 صفحة 298 تعليقاً على المادة 49). فهو يستبعد كلياً المادة 34 لأنها كما هو واضح من نصها مرتبطة بقيام المجلس بوظيفته التشريعية، في حين ان المجلس الملتئم لانتخاب رئيس الجمهورية يعتبر، عملاً بالمادة 75 من الدستور، هيئة انتخابية، لا هيئة اشتراعية. ثم ينطلق من اعتبارات المنطق السليم والمصلحة الوطنية للتساؤل: هل من الحق والعدل ان يتم انتخاب رئيس للجمهورية بالنصاب العادي وبالأغلبية البسيطة لكي يكون وليد أقلية من النواب، لا تنعكس فيها اماني الشعب ومطاليبه؟
ويلتقي الرئيس عبده عويدات في هذا الرأي مع الدكتور رباط عند تحليله للمادة 49 مؤكداً بدوره ان القصد من فرض غالبية كبيرة في انتخاب الرئيس هو تقوية موقفه وتدعيم سلطته ليستطيع القيام بمهامه الخطيرة وهو ممثل الغالبية الكبرى من الشعب (النظم الدستورية في لبنان والبلاد العربية 1961 صفحة 516- 518).
أكتفي بالرجوع الى آراء هؤلاء الاختصاصيين الأربعة، دون استعراض آراء الحقوقيين الأحياء الذين تناولوا هذا الموضوع في مؤلفاتهم، بين مؤيد لأحد هذين الموقفين او معارض له، لتبيان الانقسام القائم في العلم، حيال هذه المسألة، بالرغم من استقرار الممارسة في لبنان على اعتماد نصاب الثلثين في جلسة انتخاب كل رؤساء الجمهورية منذ الاستقلال حتى اليوم، من دون استثناء.
وليس غريباً بالتالي ما نشهده اليوم من شرخ كبير بين اهل السياسة حول موضوع النصاب، او ان نلاحظ ان بعض الذين ينتقدون بشدة الكلام على تعطيل جلسة الانتخاب كانوا هم انفسهم، في مناسبات اخرى، يدعون اليه ويعملون من اجله، او بالعكس.
إلا أن الغريب هو ان هذا الشرخ قد انسحب على رجال القانون ايضاً لدرجة ان الموقف القانوني بات يتحدد في ضوء انتماء صاحبه السياسي او المذهبي. في خضم السجالات السياسية القائمة، ألا يحق للبنانيين ان يستمعوا، في موضوع قانوني بحت، الى قراءة هادئة لنصوص دستورية رافقت لبنان منذ إنشائه، بعيداً عن ضجيج السياسة وضوضائها، بعيداً عن اغراض هذا او ذاك من السياسيين؟
وبالعودة الى مسألة نصاب الثلثين، فإن التفسير المنطقي السليم للمادة 49 يقضي بالقول إنه لا يُعقل ان يكون الدستور قد اشترط حصول المرشح للرئاسة في الدورة الأولى على اكثرية الثلثين وأن يكون، في الوقت ذاته، قد ارتضى ان يتم ذلك في جلسة يُكتفى فيها بحضور نصف النواب زائد واحد. وأن هذا التفسير ينطبق على ما استقرّ عليه التعامل منذ اكثر من نصف قرن في مختلف العهود، وفي كل المجالس النيابية التي تعاقبت منذ فجر الاستقلال. تُضاف الى ذلك مقتضيات المصلحة الوطنية بأن يُجسّد رئيس الجمهورية وهو، بحسب المادة 49 ذاتها، رمز وحدة الوطن، إرادة أغلبية محترمة من ممثلي الشعب. وهذا بالتحديد هو ما قصده الدستور عندما اشترط بأن لا تقل الغالبية التي يجب ان يحصل عليها الرئيس بعد الدورة الاولى عن الغالبية المطلقة من مجلس النواب، وذلك مهما تكررت الدورات، ومهما اقتضى الامر من وقت.
أما بالنسبة لكيفية احتساب الاصوات، فقد اصبح محسوماً ومفروغاً منه ان الغالبية المطلوبة تُحتسب على اساس عدد النواب الأحياء، الحاضرين منهم أم الغائبين، دون المتوفين. ومتى سلَّمنا بأن المادة 49 تفترض حضور ثلثي عدد الأحياء من النواب، فإنه لا يمكن الانتقال الى الدورة الثانية من عملية الانتخاب ما لم يكتمل نصاب الدورة الاولى. ذلك ان مجلس النواب لا يعتبر ملتئماً الا اذا توفر النصاب الملحوظ للجلسة. وأن نظام المجلس الداخلي صريح لا يترك مجالاً للشك عندما تنص المادة 55 منه على انه: لا تفتح جلسة المجلس إلا بحضور الأغلبية من عدد اعضائه ولا يجوز التصويت إلا عند توفر النصاب في قاعة الاجتماع .
كل ما أتمنَّاه اليوم، وأدعو اليه بإلحاح، هو ان تنتقل عدوى النقاش الهادئ الى مواضيع أخرى تُشغل بال اللبنانيين، وتُقلق البعض منهم كالمحكمة ذات الطابع الدولي او حكومة الاتحاد الوطني، أو الثلث المعطِّل او الضامن، الثلث القاتل او المشارك، سمِّهِ كما تشاء!
* المصدر: جريدة السفير – العدد 10717 – تاريخ 7 حزيران 2007. ونعيد نشرها في “محكمة” لأهمّيتها وللإضاءة على كتابات طبارة بعد وفاته يوم الجمعة الواقع فيه 26 حزيران 2026.
“محكمة” – الأحد في 2026/6/28

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!