“إتفاقية الأطر” تفريط للسيادة وتغطية على عزلة العدو/فؤاد مطر
المحامي فؤاد مطر:
أدت مشاركة شخصية مدنية لا عسكرية في لجنة الميكانيزم إلى مفاوضات مباشرة أنتجت إعتراف وفد واشنطن اللبناني بحق إسرائيل في الوجود وشرعية هذا الكيان وتقديم تنازلات مجانية دون ضمانات لانسحاب العدو من الاراضي اللبنانية المحتلة ووقف اعتداءاته، بل تقييد حق لبنان في الدفاع عن حقوقه وسيادته. والطامة الكبرى جاءت في ملحق امني يتناول آلية تنفيذ ترتيبات ميدانية مرتبطة بالاتفاق وقد صنّف بالسرّي.
ان توقيع اتفاق الاطر في واشنطن اتى بالاذعان لمصلحة العدو ومطالبه وإملاءاته، علمًا أنه لا يجوز البحث في حصرية السلاح وعزل المقاومة اللبنانية تحت ضغط الاحتلال او من سلطة وصاية خارجية كلفت نفسها بنفسها لمواكبة ترتيبات أمنية وقد أعطت لجيش العدو ان يكون صاحب القرار في تصديق تنفيذ العمل في مناطق تجريبية، إذ إنّ الشروط يحددها العدو الاسرائيلي ويشرف عليها راعي البقر الاميركي الضامن للاتفاق، وتكلّف الدولة اللبنانية بنزع سلاح مقاومتها التي كانت تصونها حكومات لبنان في بياناتها، وعلى ان يدخل الجيش اللبناني إلى مناطق محررة من الاحتلال الاسرائيلي ومنزوعة من وجود سلاح المقاومة، وإذا اقتضى الأمر تتدخل القوات الأميركية للمساعدة في تنفيذ المهمة.
ان اتفاق الأطر هو محاولة لتعطيل مسار إسلام آباد الذي يسير بالتناغم والتوافق مع الحلف الرباعي (المصري السعودي التركي الباكستاني) لكن سيبقى الحكم للميدان لا لأروقة الخارجية الاميركية فما زال الدم يرسم خرائط الشعوب لا أوراق بني صهيون .
ان اتفاق الاطر هذا لا يرقى الى مستوى إتفاق سلام أو اتفاق أمني نهائي .
وفي كل الاحوال،هل أدى هذا المشؤوم إلى تحصيل الحقوق الوطنية والسيادية؟ وهل حقق أهدافًا وطنية من إنسحاب الاحتلال الى عودة النازحين وإطلاق الأسرى…؟ هل راعى الاتفاق الاصول الدستورية في إقراره او مناقشته؟ هل يتوافق مع المبادرة العربية؟
ان اتفاق الأطر يؤدي الى تنازل لبنان عن حقه في ملاحقة اسرائيل أمام المحاكم الدولية عن جرائم الحرب والإبادة الجماعية التي ارتكبتها، والتنازل عن المطالبة بتعويضات عما ارتكبه العدو من خسائر بشرية ومادية، بل منح العدو الغاصب إفادة حسن سلوك وصك براءة.
ان اتفاق الاطر هو طعنة خبيثة من الاخ ضد أخيه على مرأى من العدو، إذ تم تكليف أجهزة تابعة للسلطة السياسية اللبنانية بتصفية نهج المقاومة، ولم يحدد مهلة زمنية لانسحاب جيش العدو من الاراضي اللبنانية. وان إعادة انتشاره تؤدي إلى مناورة، لأنّ العدو هو الذي يحدد التوقيت المناسب والبرنامج الملائم له.
لقد جاء إتفاق الأطر مخالفًا لأبسط القواعد الدستورية، وان نصوصه تخالف النظام العام القانوني الدولي، اذ لا يجوز منح العدو حق البقاء العسكري في الاراضي اللبنانية حتى تحقيق نزع سلاح المقاومة المكفول وجودها ودورها في القوانين الدولية كحالة دفاع شرعي. كما يحظر ربط إنهاء الاحتلال العسكري بفرض ترتيبات سياسية وأمنية داخلية تخص الدولة اللبنانية ولناحية الشرط القاضي بربط الانسحاب بإنهاء المقاومة المسلحة وان شرعنة الاحتلال هو أمر لا يرتب أيّ التزام وبحكم المعدوم والساقط. وان اتفاق الاطر باطل برمته لمخالفته أحكام النظام العام ونصوص القوانين الدولية.
وبالإضافة الى تجاهله اتفاقية الهدنة للعام ١٩٤٩ التي أكدتها وثيقة الوفاق الوطني، فهو يشكل خطرًا على ما ورد في مقدمة الدستور لناحية بند التوطين، وخرقه المادة ٥٢ منه التي ترسم حدودًا فاصلة لا يجوز تخطيها لأنّ الاثر القانوني للمعاهدات والاتفاقيات منها الترتيبات الأمنية الحدودية بهذا المستوى لا يجوز أن تتخطّى موافقة مجلس النواب اللبناني وتصديق البرلمان عليها. وأمام ذلك فإن اتفاقية الاطر غير ملزمة ولا ترتب إلتزامات قانونية في مواجهة الدولة اللبنانية وأجهزتها لمخالفتها الدستور ومبدأ السيادية.
ان بقاء جيش الاحتلال الاسرائيلي هو بحد ذاته واقعة عدوان مستمرّ عسكريًا، وان توقيع اي سلطة على بند يمنح هذا البقاء شرعية زمنية، هو باطل من لحظة نشوئه وبحكم المعدوم.
لذا، ندعو المجلس النيابي الى إسقاط هذا الاطار وإلا رفع مراجعة إبطال أمام مجلس شورى الدولة لأنّ القرارات المتعلقة ببدء التدابير في المناطق التجريبية يخرج عن مفهوم أعمال السيادة ويتصادم مع قانون مقاطعة اسرائيل والقوانين الأخرى ذات الصلة.
كما ندعو إلى عقد مؤتمر وطني تشكل توصياته النهائية خارطة طريق لعدم الانزلاق الى تنازلات او تفريط بالحقوق والسيادة الوطنية.
نستغرب تهافت البعض الذي لم تعلّمه التجارب فما زال يلهث وراء سلام زائف مع كيان الفصل العنصري، في حين أن اسرائيل تعاني العزلة. فها هي كندا واسبانيا وكوريا وبولندا وايرلندا … تتضامن معنا ضد العدو الاسرائيلي.
لنتذكر ان نتنياهو يجرّ المنطقة نحو الرماد هربًا من مصير يراه حتميًا خلف القضبان.
“محكمة” – الاثنين في 2026/6/29



