أبحاث ودراسات
من إغتصاب الأرض إلى اغتصاب الإرادة: دراسة في بطلان المعاهدات المبرمة تحت الإحتلال/وليد أبو دية
المحامي وليد أبو دية:
بتاريخ 1983/1/19، وفي غمرة الجدل الوطني الذي أثاره إتفاق 17 أيار في ذلك الحين، وما تبعه من سجال سياسي وقانوني، كتب العلاّمة الراحل الدكتور محمد المجذوب مقالاً نُشر في صحيفة “السفير” تحت عنوان “بطلان المعاهدات المبرمة في ظل الاحتلال”، عُـدَّ مرجعاً رائداً في موضوعه، صاغ من خلاله قاعدةً ثابتة مفادها أن المعاهدة التي تُنتزَع وتُبرم في ظل الإحتلال والإكراه المادي والمعنوي تُعتبر باطلة. ويحق للدولة المقهورة – وهو تعبير عن فقدان القدرة على الدفاع عن النفس – عندما تسترد حريتها، إلغاؤها وإبطالها….
تنكّرت إسرائيل لاتفاقية الهدنة المبرمة عام 1949، وتطالب بإبرام إتفاقية جديدة. وهذه الإتفاقية، في حال إبرامها، لن تكون إلاّ معاهدة صلح، مهما اختلفت وتعدّدت التسميات وتنوّعت الصياغات شكلاً ومضموناً.
ورغم تخلّيها عن اتفاق الهدنة ومثابرتها على انتهاك أحكامه، وسعيها الدائم لإفشال تطبيقه منذ العام 1967 وما تزال، فإن لبنان الرسمي لا يزال يمتلك ورقتيّ ضغط في المفاوضات، وهما الصفة الشرعية وإتفاقية الهدنة الموقّعة بينه وبين إسرائيل في الثالث والعشرين من آذار 1949 برعاية الأمم المتحدة في راس الناقورة.
في هذه المعمعة – على حدّ وصف سفير لبنان الأسبق لدى الأمم المتحدة في جنيف الصديق الأستاذ جبران صوفان – فإن إتفاقية الهدنة هي الوثيقة الدولية الأساسية والجوهرية من حيث تأكيد حدود لبنان الدولية ووحدة وسلامة أراضيه والمكرّسة في المادة الخامسة فقرة أولى منه، ليس فقط تجاه المجتمع الدولي، بل خاصةً تجاه إسرائيل.
وتابع سعادة السفير صوفان في مقاله القيّم، المنشور في صحيفة النهار بتاريخ 15 أيار 2026 تحت عنوان: “لبنان من إتفاقية الهدنة إلى الميثاق الوطني”، بأن إتفاقية الهدنة تمتاز بآلية تعديلها الصعبة والتي إستثنت من مراجعة الفريقين، المادتين الأولى والثالثة منها، اللتين تحظّران القوات المسلحة لأي من الفريقين القيام بأي عمل عدواني أو التخطيط له أو التهديد به ضد شعب الفريق الآخر أو قواته المسلحة،
وتمنع أي فئة من القوات العسكرية أو شبه عسكرية لأي منهما من ارتكاب أي عمل حربي أو عدائي ضد قوات الفريق الآخر. كذلك لا يجوز لأي غرض كان لقوات أيّ من الفريقين تخطّي خطّ الهدنة أو عبوره، والذي هو في الواقع والقانون حدود لبنان الدولية مع فلسطين، بمعنى أن خط الهدنة وخط الحدود هما واحد ولا فجوة بين الإثنين. كما أن الحدود مرسّمة قبل اتفاقية الهدنة وبعدها، وهي معترف بها دولياً…
وفي الجزء الثاني من مقاله المشار اليه، المنشور أيضاً في صحيفة النهار بتاريخ 18 أيار 2026، خلص السفير صوفان إلى استنتاجات شخصية، مآلها:
• أن إتفاقية الهدنة العامة بين لبنان واسرائيل هي وثيقة قيّمة للغاية، بل هي “نعمة”، باقتباس الكلمة المستحبة في البيان الوزاري لحكومة الرئيس الراحل رياض الصلح عام 1943. وككل قيمة نفيسة، يتوجب الحفاظ على مكتسباتها، وفي حال تطويرها حماية مضامينها السيادية…
• أن الحدود البرية مرسّمة، وغالباً ما يحصل الخلط بين مفهومين مختلفين، وإن كانا متكاملين، وهما Delineation أي “الترسيم” وDemarcation أي “التعليم”، ودائماً بحسب مصطلحات تقارير الأمين العام للأمم المتحدة.
وحيث إنّ الأعمال العدائية الإسرائيلية أدت إلى الإحتلال والجرف وإزالة معالم قرى وبلدات جنوبية واستحداث الخط الأصفر، تبرز الحاجة الماسة لإعادة تظهير وتعليم حدود لبنان بناءً على ترسيمين سابقين ومرجعية اتفاق بوليه – نيو كومب لعام 1923 (Paulet – Newcombe agreement) (سُمّيت على إسم الضابطين الفرنسي Paulet والبريطاني Newcombe اللذين أشرفا على ترسيم الحدود بين مناطق الإنتداب البريطاني والفرنسي في المشرق العربي بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية). وتكمن أهمية هذا الإتفاق فيما خصّ لبنان بأنه رسم الحدود الجنوبية للبنان مع فلسطين الإنتدابية، وهي الحدود التي أصبحت لاحقاً الأساس القانوني للحدود الدولية بين لبنان وإسرائيل بعد قيام هذه الأخيرة سنة 1948 واتفاقية الهدنة لعام 1949. ومن الناحية القانونية، يستند لبنان إلى خط بوليه – نيوكومب 1923 لإثبات حدوده الجنوبية الدولية، لا سيما في النزاعات الحدودية المتعلقة بالنقاط المتحفّظ عليها ومزارع شبعا…
عودٌ على بدء،
بعد تفلّت الأمور على الحدود البرية، كما بات واقعاً معلوماً، وتبدّل الحقائق على الأرض بفعل الإحتلال الإسرائيلي لجزء من جنوب لبنان، وإمعانه في التدمير والتهجير وارتكاب المجازر بحق المدنيين العزّل كما وبحق المراسلين الصحفيين وعناصر الدفاع المدني والإسعاف، واستباحة دور العبادة والمستشفيات… بعد كل ما جرى ويجري، أضحت إرادة لبنان، كدولة مستقلة ذات سيادة، مسلوبة، أو على الأقل مُنتقصة وغير كاملة الحرية.
فالمعاهدات، وهي من أهم مصادر القانون الدولي، تبقى الأداة الطبيعية المنظمة للعلاقات بين الدول، وهي إتفاقيات مكتوبة تُعقد بين أشخاص القانون الدولي. ولصحة إنعقادها يجب توافر شروط شكلية أساسية تتعلق بالوثيقة المكتوبة والصلاحيات والأشخاص. وتتلخص الشروط هذه بمسائل أربع، تتمثل بأهلية التعاقد، والرضا، ومشروعية موضوع التعاقد، والتوافق بين الإلتزامات الراهنة والسابقة.
وأهم الشروط الأساسية لصحة المعاهدات هو الرضا، إذ لا قيمة لأي معاهدة تُبرمها دولة بغير رضاها التام ورغبتها الحرة في الإلتزام. فالقانون الدولي يقر لكل دولة تشكو من أي عيب من عيوب الرضا، بحقها في المطالبة ببطلانها. وتتمثل عيوب الرضا بالغلط والخداع والإكراه والغبن.
ما يعنينا في هذه المسألة هو الإكراه كعيب مفسدٍ للرضا، وهو ما حظي باهتمام الفقهاء والباحثين الدوليين الذين ميّزوا بين الإكراه الواقع على ممثل الدولة، وذاك الذي تتعرض له الدولة ذاتها. فإذا ما أصاب الإكراه ممثل الدولة بقصد إرغامه مُكرهاً على توقيع معاهدة، فهذا يُعد سبباً لإبطالها، ويعود بالتالي من حق الدولة التي ينتمي إليها أن تطالب بهذا الإبطال. إلاّ أن تلك المسألة فقدت اليوم أهميتها بعدما تضاءل دور الممثل المفوّض في إلزام دولته، إلى حدّ ما.
مما لا شك فيه أن المعاهدة لا تصبح ملزمة إلا بعد مرورها بمراحل عديدة خاضعة للمراقبة، بعد حصولها على مصادقة السلطة المعنيّة في الدولة والتي بإمكانها، في أي وقت، أن ترفض المصادقة على معاهدة إضطر مندوبها إلى توقيعها مكرهاً تحت الضغط والتهديد.
وفي ما خصّ الإكراه الواقع على الدولة بهدف إرغامها على إبرام معاهدة ما، فقد اختلفت حوله وجهات النظر. إلا أن الشريحة العظمى من فقهاء القانون الدولي، كانت تعتبر أن هذا النوع من الإكراه لا يشكّل عيباً يخوّل الدولة المتضررة حق الإحتجاج به لإبطال معاهدة أبرمتها تحت وطأة ضغط سياسي أو عسكري، أو ربما تحت تأثير ظروف عصيبة خاصة لم تترك لها حرية التفكير قبل الإقدام على هذا الفعل. والحجة في ذلك كانت تتلخص بأن تقرير العكس مُؤدّاه توتر العلاقات الدولية، وبالتالي تشجيع بعض الدول على اللجوء إلى هذا الأسلوب والمطالبة بفسخ المعاهدات، ما يحدّ من قيمة الإتفاقيات الدولية ومن ثقة الناس والدول بها.
إلى ذلك، فقد أُثيرت آنذاك مسألة معاهدة الصلح واتفاقيات الهدنة والسبل التي تنتهجها الدول القويّة بعد الحرب بغية فرض إرادتها، وتكريس توجهاتها، وإملاء إستراتيجياتها على الدول المهزومة أو الضعيفة. فاعتبر الفقه الدولي التقليدي بأن تلك المعاهدات هي مشروعة ومُلزمة، وأن الضغوط التي يلجأ إليها الأقوياء إبان هذه الفترة لا يمكن أن تُعدّ إكراهاً يبرر إبطال المعاهدات المبرمة، على اعتبار أن اللجوء إلى هذه الوسائل هو الخيار الأوحد لإنهاء الحرب واستتباب الأمن وإرساء السلام.
أقر مجلس عصبة الأمم بهذا المذهب محدثاً فيه ثغرة تماشت مع الإتجاهات الحديثة في ذلك الحين.
ففي الأول من تشرين الثاني عام 1920 تقدمت بوليفيا بطلب رسمي إلى عصبة الأمم لمراجعة وتعديل معاهدة السلام والصداقة لعام 1904، تلك التي عقدتها مع تشيلي، متذرعةً بأنها فُرضت عليها بالإكراه بعد حرب المحيط الهادىء (1879 – 1884) Guerra Del Pacifico. وقد سعت بوليفيا لاستعادة منفذها السيادي على المحيط الهادىء.
وفي أيلول من العام 1921، رفضت الجمعية العامة لعصبة الأمم طلب بوليفيا، مستندةً إلى عدم إختصاصها التدخل في مسألة تعديل المعاهدات الدولية السارية، مؤكدةً أن معاهدة عام 1904 تبقى وثيقة دولية قانونية ونهائية تم إبرامها وتصديقها بين دولتين ذواتَي سيادة، ولا يحق بالتالي للعصبة إلغاؤها أو تعديلها من جانب واحد.
هذا ورغم سيطرة الأفكار التقليدية على الفقه الدولي، فإن ثمة مرجعيات حقوقية رفضت الإتجاه القائل بأن لا أثر للإكراه في صحة انعقاد المعاهدات، أمثال الدكتور علي ماهر باشا (1881 – 1960) وهو سياسي مصري بارز، شغل منصب رئيس وزراء مصر أربع مرات، كان أولها عام 1936 في عهد الملك فؤاد الأول، ويُعدّ رائداً مؤسّساً وأول أستاذ للقانون الدولي العام في الوطني العربي وأحد أبرز رجال الدولة في تاريخ مصر. فقد عبّر في مؤلفه الأساسي “القانون الدولي العام” (1923) عن شجبه إلى “إقرار الظافر على إكراه عدوّه ليتنازل له عن مقاطعات بغير قبول أهلها” معلناً وبكل وضوح بأن:
“للدولة التي أُكرهت على قبول هذا التنازل أن تطلب ابطال الإتفاق. فإن مبدأ تقديس المعاهدات لا ينطوي تحته إكراه الشعوب على التخلي عن بلادها للحكومات الأجنبية. ومثل هذا الشيء لا يقبله متعاقد إلاّ وهو يفكّر في نقضه عند أول فرصة سانحة. وقد دلت حواث الحرب العظمى على أن الأمم التي تُكرَه على الخضوع للأجنبي، تبقى عقيدتها في ما لها من حق استرداد حريتها، ثابتة على الرغم من كل معاهدة”.
بعد تأسيس هيئة الأمم المتحدة عام 1945 ودخول ميثاقها حيّز التنفيذ، برز إلى العلن تحولٌ مُلفت يرمي إلى تغيير القاعدة غير المتكافئة التي انتهجتها الدول في المراحل السابقة، تمثّل بورود مواد في ميثاق الأمم المتحدة توجب إمتناع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الإستقلال السياسي لأي دولة، أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة.
“All Members shall refrain in their international relations from the threat or use of force against the territorial integrity or political independence of any state, or in any other manner inconsistent with the purposes of the United Nations”
(الفقرة الرابعة من المادة الثانية)، كما وتلزم جميع الدول بحلّ نزاعاتها الدولية بالوسائل السلمية لتجنّب تعريض السلم والأمن والعدل الدولي للخطر (الفقرة الثالثة من المادة الثانية).
وثمة استثناء قانوني لتحريم استعمال القوة، منها ما ورد في المادة 51 من الميثاق، وهو الحق الفردي أو الجماعي في الدفاع عن النفس إذا وقع اعتداء مسلّح ضد دولة عضو في الأمم المتحدة، وذلك لحين اتخاذ مجلس الأمن التدابير اللازمة.
هذا وإلى جانب التدخل العسكري بتفويض أممي مأذون به من قبل مجلس الأمن وفقاً للفصل السابع من الميثاق، مثل إجراءات التدخل لحفظ السلم والأمن الدوليين، ووفقاً للمادة 42، يحق للمجلس الإذن باستخدام القوات (الجوية، البحرية، البرية) للعمل العسكري اللازم لحفظ السلم والأمن الدوليين أو إعادته إلى نصابه.
في المحصّلة، إن أي دولة تخالف أحكام ميثاق الأمم المتحدة باللجوء إلى الحرب والإعتداء باستعمال القوة أو حتى التهديد باستعمالها، فإنها تفقد الحق بفرض المعاهدات على غيرها من الدول، استناداً إلى أعمالها غير المشروعة.
هذا التحوّل الذي إنفرد به القانون الدولي المعاصر إنسحب على موقف غالبية الفقهاء الدوليين، التي بانتهاجها خطاً معارضاً للإتجاه القديم ومناداتها بوجوب تعديل القواعد والأعراف الدولية القديمة لتُجيز اللجوء إلى إبطال المعاهدات المبرمة تحت الإكراه أو العنف، أو تلك التي تُبرم حصيلة عدوان أو تهديد بالعدوان.
وقد تجاوب هذا الفقه مع الآراء والتيارات الإنسانية الجديدة التي أظهرتها معظم دول العالم، ووصل به الأمر حدّ عدم الإعتراف بمشروعية أي معاهدة تُبرم تحت وطأة الإحتلال. فالدولة التي ترزح تحت الإحتلال تكون محرومة من حرية التصرف كما ومن حرية التعبير السلمي عن إرادتها ومواقفها.
لقد تناول الدكتور محمد المجذوب، وهو أحد أبرز فقهاء القانون الدولي في العالم العربي، مسألة بطلان المعاهدات المبرمة في ظل الإحتلال من منظور قانوني دولي يعتبر أن المعاهدات التي تُفرض تحت ضغط الإحتلال، أو التهديد باستخدام القوة، هي باطلة بطلاناً مطلقاً إستناداً إلى مبدأ حرية الرضا في المعاهدات وإلى المادة 52 من إتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 التي تعتبر المعاهدة باطلة إذا أُبرمت تحت التهديد أو إستعمال القوة المسلّحة، ذلك أن الإكراه يسلب الإرادة الحرّة ويخالف القواعد الآمرة في القانون الدولي (Jus cogens)، وأن الرضا الحرّ الواعي يُعدّ أساساً لصحة أي معاهدة. ففي وضع الإحتلال، يختلّ الرضا تحت الضغط العسكري والسياسي الذي يمارسه المحتل على السلطة الوطنية، مما يجعل التوقيع على أي اتفاقية، مجرد إتفاقية موقّعة تحت ضغط السلاح والقوة العسكرية. وغالباً ما تؤدي المعاهدات المبرمة تحت الإحتلال إلى نتائج غير متكافئة، تكرّس هيمنة المحتل وتنتقص من سيادة الدولة الواقعة تحت الإحتلال.
هذا الرأي هو جزء من الفقه القانوني الذي يرفض إعطاء أي شرعية للإتفاقيات التي تعقدها سلطات الإحتلال، وتعتبرها فاقدةً للأثر القانوني الدولي، مستشهداً برأيين وواقعتين:
الرأي الأول ورد في المؤلف المرجع للفقيه والأكاديمي الفرنسي جان لويلييه Jean L’Huilier “عناصر القانون الدولي العام” (صفحة 178) “Eléments de droit international public” وهو مرجع أكاديمي هام صدر في باريس Editions Rousseau et cie., 1950. pp. vii, 432. Index (للإطلاع على تفاصيل نسخته الرقمية يمكن التحقق من توفر الكتاب عبر منصة Mémoire du droit).
يقول لويلييه:
“إن إدانة حرب العدوان التي نص عليها ميثاق باريس لعام 1928 وكرّرها ميثاق الأمم المتحدة، يجب أن تؤدي، منطقياً، إلى التخلي عن الحلول السابقة والإعتراف بواسطة القانون الدولي، ببطلان المعاهدات المبرمة تحت وطأة العنف غير المشروع، أي تحت وطأة العدوان، وحتى تحت وطأة التهديد البسيط بالعدوان..”.
والرأي الثاني ورد في كتاب “القانون الدولي العام في وقت السلم” للدكتور حامد سلطان أحد كبار فقهاء القانون وأحد أشهر تلامذة السياسي والقانوني المصري علي ماهر باشا، أول أستاذ للقانون الدولي العام في الوطن العربي، كما أسلفنا. وقد نشر الكتاب في القاهرة عام 1965 مستعرضاً فيه المذهب الواقعي الذي يقرّر بأن “الإكراه لا يؤثر في رضا الدولة، مادياً كان أم معنوياً، وسواءً أكان واقعاً على الدولة ذاتها أم على شخص العضو المعبّر عن إرادتها”، عاد وانتقده بقوله في الصفحة 232 من كتابه:
“وغني عن الذكر أن المذهب الاخير هو الذي يتفق مع وقائع الحياة الدولية وطبيعة أوضاعها. كما تبدو في المرحلة الحاضرة لتنظيم الأسرة الدولية. وظاهر أن ما تواتر عليه العرف بين الدول في هذا الشأن، لا يتفق مع المنطق أو العدل. إذ هما يقضيان بألا تنسب الى الدولة إلا إرادتها السليمة غير المعيبة بعيب من عيوب الرضا. فمعاهدات السلام أو الصلح التي تُعقد بين الدول المنتصرة والدول المنهزمة لا يمكن أن تُعَـدّ معاهدة صحيحة إلاّ إذا سلمنا بأن الإكراه لا يفسد المعاهدات”.
والواقعتان اللتان عناهما الدكتور المجذوب تعزيزاً لنظريته أوردهما معالي الدكتور محمد حافظ غانم في مؤلفه: “مبادىء القانون الدولي العام” والذي نُشر في القاهرة عام 1966.
الأولى يوم تقدمت إيران بشكوى رسمية في 1946/1/19 إلى مجلس الأمن الدولي ضد الاتحاد السوفياتي الذي كان يحتل مقاطعة أذربيجان الإيرانية ويتدخل في شؤونها. وقد تذرع الأخير بأن الإحتلال تم وفقاً لاتفاقية سابقة عُقدت بين الطرفين عام 1942. وكان رد إيران بأن الإتفاقية هذه لم يتوافر فيها الرضا الحرّ لأنه وقع تحت الإحتلال. وقد تضمنت الشكوى آنذاك إتهام الإتحاد السوفياتي بالتدخل في شؤون إيران الداخلية، ورفضه سحب قواته العسكرية من جزء في الاراضي الإيرانية (مقاطعة أذربيجان) بعد إنتهاء الموعد المحدد لانسحاب القوات الأجنبية في 2 آذار 1946، في انتهاك فاضح للإتفاقية المبرمة عام 1942، بحجة حماية المصالح السوفياتية ومساندة الأقليات العرقية. وقد ساعدت موسكو في إقامة كيانات إنفصالية، ما اعتُبر تدخلاً في الشؤون الإيرانية الداخلية.
وكانت الحكومة الإيرانية قد اعتمدت آنذاك نهجاً مزدوجاً قائماً على التفاوض مع موسكو من جهة، والتصعيد السياسي في المحافل الدولية من جهة ثانية. وكان هذا الحدث من أولى القضايا التي نظرت فيها الأمم المتحدة، وأول حالة توتر دولي بين أحد اعضاء مجلس الامن الدائمين وإيران، ما شكّل سابقة في العلاقات الدولية لما بعد الحرب.
الثانية، وهي إلغاء مصر عام 1951 للمعاهدة المبرمة بينها وبين بريطانيا عام 1936.
ففي 26 آب 1936 وقّعت مصر وبريطانيا على معاهدة تضمنت منح مصر إستقلالاً جزئياً مقابل الإبقاء على قوات بريطانية في منطقة قناة السويس لحمايتها، الى جانب حصول مصر على حق الإنضمام إلى عصبة الامم وإلغاء الامتيازات الأجنبية. في المحصّلة، تم إلغاء المعاهدة من جانب واحد، من قبل مصر، في الثامن من تشرين الاول عام 1951، وكان من المقرر أن تستمر مفاعيل المعاهدة لعقدين من الزمن، بحيث تم التفاوض على بنودها في قصر الزعفران في القاهرة، وتم التوقيع عليها في لندن، وتمت المصادقة عليها بتاريخ 22 كانون الأول عام 1936، وسجلت في مجموعة معاهدات عصبة الأمم بتاريخ 6 كانون الثاني 1937.
وللتذكير، فقد تضمنت المعاهدة التي كانت قد أُبرمت في حينه تحت الضغط والإكراه المادي والأدبي الناشىء عن الإحتلال البريطاني، البنود الآتية:
– إنتقال القوات العسكرية من المدن المصرية الى منطقة قناة السويس، وبقاء الجنود البريطانيين في السودان بلا قيد أو شرط.
– تحديد عديد القوات البريطانية في مصر، بحيث لا يزيد عن عشرة آلاف جندي واربعماية طيّار مع طواقمهم الإدارية والفنية وذلك وقت السلم فقط.
– أما في حالة الحرب فلإنكلترا الحق في الزيادة، وبهذا يصبح هذا التحديد غير معترف به.
– لا تنتقل القوات البريطانية الى المناطق الجديدة إلاّ بعد ان تقوم مصر ببناء الثكنات وفقاً لأحدث النظم.
– تبقى القوات البريطانية في الإسكندرية ثمان سنوات بدءاً من تاريخ المعاهدة.
– تبقى القوات البريطانية الجوية في معسكرها في منطقة القتال ومن حقها التحليق في الأجواء المصرية، وذات الحق للطائرات المصرية.
– في حالة الحرب، تلتزم الحكومة المصرية بتقديم كل التسهيلات والمساعدات. وللقوات البريطانية وللبريطانيين الحق باستخدام الموانىء والمطارات المصرية وطرق مواصلاتها.
– بعد مرور عشرين عاماً من التنفيذ للمعاهدة، يبحث الطرفان فيما إذا كان وجود القوات البريطانية ضرورياً، لأن الجيش المصري أصبح قادراً على حرية الملاحة في قناة السويس وسلامتها. فإذا قام خلاف بينهما فيجوز عرضه على عصبة الأمم.
– حق مصر في المطالبة بإلغاء الإمتيازات الاجنبية.
– إلغاء جميع الاتفاقيات والوثائق المنافية لأحكام هذه المعاهدة ومنها تصريح 28 شباط بتحفظاته الأربعة.
– تحويل إرجاع الجيش المصري للسودان والإعتراف بالإدارة المشتركة مع بريطانيا.
– حرية مصر في عقد المعاهدات السياسية مع الدول الأجنبية بشرط ألاّ تتعارض مع أحكام هذه المعاهدة.
– تبادل السفراء مع بريطانيا العظمى.
الغاء المعاهدة
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، وتحت ضغط المطالب الشعبية العارمة، تقدمت الحكومة المصرية بطلب تعديل المعاهدة لإنهاء الوجود البريطاني بالكامل بسبب تعثر المفاوضات وتقييد المعاهدة لاستقلال وسيادة مصر، وهو ما رفضته بريطانيا، ما دفع رئيس الحكومة المصرية آنذاك مصطفى النحاس باشا في مجلس النواب إلى إعلان الغاء المعاهدة في 8 تشرين الأول عام 1951 الى جانب اتفاقيتي 19 ك2 و10 تموز لعام 1899 بشأن إدارة السودان. وقد صدّق القرار بالقانون 175/1951. واستند النحاس في قراره بإلغاء المعاهدة إلى أنها عُقدت في ظل الاحتلال البريطاني، وبالتالي فإنها كانت تخلو من شرط الإختيار الكامل من الجانب المصري، كما أنها تتناقض مع ميثاق الأمم المتحدة واتفاقية قناة السويس وكلاهما أولى منها بالتنفيذ والإحترام. وانتهى النحاس الى مقولته الشهيرة:
“من أجل مصر وقّعت معاهدة 1936، ومن أجل مصر أطالبكم اليوم بإلغائها. لقد أدت الحكومة واجبها بالكامل، والكلمة الآن للشعب”.
وقد أدى هذا الإلغاء إلى اندلاع عمليات المقاومة ضد القوات البريطانية في منطقة القناة واندلاع إشتباكات دامية كمذبحة الإسماعيلية التي وقعت في 25 كانون الثاني 1952، بحيث تم اعتبارها يوماً وطنياً يُحتفل به كل عام تحت مسمى “عيد الشرطة”.
إلى ذلك، وفي قرار صيغ وصدر عنه بتاريخ 22 تشرين الثاني 1967 حمل الرقم 242، أيّد مجلس الأمن الدولي الإتجاه الجديد، قانوناً وفقهاً وممارسةً، في جلسته رقم 1382 وبإجماع الأصوات.
وجاء هذا القرار كحل وسط بين عدة مشاريع قرارات طُرحت للنقاش على بساط البحث في أعقاب الحرب العربية الاسرائيلية الثالثة التي وقعت في حزيران 1967 والتي اسفرت عن هزيمة الجيوش العربية واحتلال إسرائيل لمناطق عربية جديدة. وكان القرار علامة فارقة في تاريخ الصراع العربي – الاسرائيلي، كونه أضفى صفة دولية على مفهوم الأرض مقابل السلام، اي انسحاب اسرائيل من الاراضي التي احتلتها في حرب عام 1967 مقابل السلام مع العالم العربي.
وقد ورد في مادته الأولى (فقرة ألف):
“إنسحاب القوات الاسرائيلية من الاراضي التي احتُلت في النزاع الأخير”.
“Withdrawal of Israeli armed forces from territories occupied in the recent conflit”
والملاحظ أن (أل) التعريف قد حُذفت من كلمة “الأراضي” في النص الإنكليزي بهدف المحافظة على الغموض في تفسير هذا القرار…
وإضافة إلى قضية الإنسحاب، فقد نص القرار على إنهاء حالة الحرب والإعتراف ضمناً بإسرائيل دون ربط ذلك بحل قضية فلسطين التي اعتبرها القرار مشكلة لاجئين. وقد شكّل هذا الجانب – أي الإعتراف الضمني بالسيادة الاسرائيلية وانهاء حالة الحرب – أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت منظمة التحرير الفلسطينية في البداية الى رفض القرار 242 كونه تجاهل القضية الفلسطينية كقضية شعب، وحصرها في اطار ازمة لاجئين، قبل أن تعود لاحقاً وتتخذه كمرجعية للتفاوض. وشكّل هذا القرار منذ صدوره، صلب كل المفاوضات والمساعي الدولية العربية لإيجاد حلّ للصراع العربي الإسرائيلي.
وجاء في الفقرة (بـاء) من مادته الأولى:
“ب – إنهاء جميع إدعاءات أو حالات الحرب، واحترام والإعتراف بسيادة ووحدة أراضي واستقلال كل دولة في المنطقة، وحقها في العيش بسلام ضمن حدود آمنة ومعترف بها، حرّة من التهديد بالقوة أو استعمالها”.
“Termination of all claims or states of belligerency and respect for and acknowledgment of the sovereignty territorial integrity and political independence of every state in the area and their right to live in peace within secure and recognized boundaries free from threats or act of force”
وقد بقي هذا القرار، كما مفهوم الأرض مقابل السلام، لعقود خلت أساساً للجهود المنصبّة لإحلال السلام، رغم الرفض الفلسطيني الأولي لهذا القرار وادعاء بعض مؤيدي اسرائيل أن القرار لم يدع إلى انسحاب اسرائيل من كامل الاراضي المحتلة.
أما منظمة التحرير الفلسطينية، فقد قبلت عملياً بهذا القرار بعد إعلانها الاستقلال في تشرين الثاني من العام 1988، ووافقت على انه ينبغي ان يكون أساساً للمفاوضات مع إسرائيل إلى جانب قرار مجلس الامن رقم 338.
إشارة إلى ان احد صائغي القرار 242، وهو البريطاني اللورد كارادون، كان قد نسّق مع الأميركيين لوضع نص غامض يخلو من آليات واضحة وملزمة، بما يؤمن موافقة المجلس بأكمله عليه، وهذا ما حدث في تشرين الثاني 1967 عندما أقرّ المجلس، وبالإجماع، مشروع القرار الذي نص على “عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالحرب، والعمل من أجل سلام عادل ودائم تعيش في كنفه دول المنطقة بأمان”. ولهذا وُضع القرار 242 أساساً لتسوية دائمة تقوم على الإنسحاب الاسرائيلي من الاراضي المحتلة، الى جانب التزام الدول العربية بقبول أن لإسرائيل الحق في الوجود في أمن وسلام، رغم عدم ذكر إسمها في النص.
وبسبب الدعم المفرط لإسرائيل، لم يسجّل اي تقدم يذكر في هذه العملية، ما أدى إلى قيام مصر وسوريا بشنّ الحرب على اسرائيل في 6 تشرين الاول من العام 1973 وإلى إصدار مجلس الامن القرار رقم 338 الذي فرض وقفاً فورياً لإطلاق النار، والعمل الفوري على تنفيذ القرار 242 من خلال المفاوضات.
ومع قبول سوريا بالقرار 338، وضمناً بالقرار 242، جرى التأكيد على إعمال مبدأ الأرض مقابل السلام كأساس للحراك الاميركي والدولي لإحلال السلام على الجبهات الثلاث مع اسرائيل، وهي المصرية والأردنية والسورية.
وكما بدا في حينه، فقد أصرّ مناصرو إسرائيل بأن القرار لا يلزمها بالإنسحاب من جميع الأراضي التي احتلتها عام 1967، مستشهدين بعبارة صيغت بالإنكليزية في هذا القرار تدعو إلى الإنسحاب من “أراضٍ محتلة” (occupied territories) عوضاً عن “الأراضي المحتلة” (the occupied territories).
ولاحقاً أكّد اللورد كارادون وغيره على أنهم تعمّدوا عدم استخدام عبارة الأراضي، ما يعني أن اسرائيل لن تكون ملزمة خلال تفاوضها مع الدول العربية بالإنسحاب من كل الأراضي التي احتلتها عام 1967 وإنما من بعضها. ويرفض آخرون يعتمدون الصيغة الفرنسية – وهي لغة رسمية ايضاً – تفسير القرار، مشيرين إلى أنها تضمنت أداة التعريف أي Des territoires.
والملاحظ أيضاً أنه وعند معالجته لمسألتيّ الإنسحاب وإنهاء حالة الحرب، وهما الأخطر في الصراع العربي الإسرائيلي، ركز مجلس الأمن الدولي بدايةً على مسألة الإنسحاب فأعطاها الأولوية، ما يعني بأن المجلس عبّر، بتلك المفاضلة وهذا الترتيب، عن إيمانه المطلق بأن المنطق والعدل يقضيان بوجوب الإنسحاب قبل انهاء حالة الحرب، وحتى قبل مجرد التفكير في إبرام معاهدة للصلح ستُدفع فيما بعد بعيب الإكراه وانعدام الرضا، إلى أن جاءت إتفاقية فيينا لقانون المعاهدات عام 1969، والتي عرضت للتوقيع في 23 ايار 1969 ودخلت حيّز التنفيذ في 27 كانون الثاني 1980، لتكرّس غلبة الإتجاه القانوني الجديد والأخذ بالحلول التي تتلاءم والمرحلة التي بلغها التطور الفكري في عصر التنظيم الدولي.
وقد نصت المادة 52 منها على ان: “تكون المعاهدة باطلة إذا تم التوصل إلى عقدها بطريق التهديد أو إستخدام القوّة بصورة مخالفة لمبادىء القانون الدولي المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة”.
وقد جاء في المادة 53 التي تليها على أن: “تكون المعاهدة باطلة إذا كانت وقت عقدها تتعارض مع قاعدة آمرة من القواعد العامة للقانون الدولي. لأغراض هذه الاتفاقية يُقصد بالقاعدة الآمرة من القواعد العامة للقانون الدولي، القاعدة المقبولة والمعترف بها من قبل المجتمع الدولي ككل على أنها القاعدة التي لا يجوز الإخلال بها والتي لا يمكن تعديلها إلاّ بقاعدة لاحقة من القواعد العامة للقانون الدولي لها ذات الطابع”.
وجاء النص بالفرنسية:
Article 52: contrainte exercée sur un Etat par la menace ou l’emploi de la force
« Est nul tout traité dont la conclusion a été obtenue par la menace ou l’emploi de la force en violation des principes du droit international incorporés dans la charte des Nations unies »
Article 53: Traités en conflit avec une norme impérative du droit international général (Jus cogens)
« Est nul tout traité qui, au moment de sa conclusion, est en conflit avec une norme impérative du droit international général. Aux fins de la présente convention, une norme impérative du droit international général est une norme acceptée et reconnue
par la communauté internationale des Etas dans son ensemble en tant que norme à laquelle aucune dérogation n’est, permise et qui ne peut être modifiée que par une nouvelle norme du droit international général ayant le même caractère »
خلاصة المادتين 52 و53 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1968:
المادة 52: تبطل أي معاهدة أبرمت نتيجة التهديد او استعمال القوة خلافاً لمبادىء ميثاق الأمم المتحدة.
المادة 53: تبطل اي معاهدة تخالف قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي العام (Jus cogens).
تكتسب هاتان المادتان أهمية خاصة في اي بحث ببطلان المعاهدات المبرمة تحت الاحتلال او تحت الإكراه، إذ تُعد المادة 52 أساساً للإكراه الدولي، بينما تكرّس المادة 53 سمو قواعد Jus cogens على الإرادة الاتفاقية للدول.
إذاً، الفكرة المركزية في القانون الدولي، تكمن في أن الرضا الحرّ هو أساس صحة المعاهدات، وأن اي اتفاق يبرم في ظل الاحتلال العسكري أو التهديد باستعمال القوة يفقد أحد اركانه الجوهرية، وبالتالي يصبح قابلاً للإبطال أو مُعدم الأثر قانوناً. فالمعاهدة الدولية ليست مجرد وثيقة سياسية، بل هي تصرف قانوني قائم على توافق إرادتين حُرّتين. فإذا شاب الإرادة إكراهٌ او ضغط عسكري أو احتلال أجنبي، إنتفت الشرعية القانونية للإتفاقية.
يستند هذا التحليل بصورة أساسية إلى:
• ميثاق الأمم المتحدة الذي يحظّر استخدام القوة أو التهديد بها.
• إتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، لا سيما المادة 52 منها التي تنص على بطلان أي معاهدة يتم التوصل إليها نتيجة التهديد أو استعمال القوة بما يخالف القانوني الدولي.
هذا النص لم ينشىء قاعدة جديدة فقط، بل كرّس مبدأً أصبح جزءاً من النظام العام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية.
وغني عن البيان بأن الإحتلال العسكري لا يُعد مجرد ظرف سياسي مُحيط بالمفاوضات، بل يمثل حالة ضغط بنيوية تؤثر على حرية القرار الوطني للدولة الواقعة تحت الإحتلال او التهديد. فالوجود العسكري الأجنبي:
– يحدّ من سيادة الدولة.
– يؤثر على مؤسساتها السياسية.
– يجعل موافقتها على الإتفاقيات مشوبة بعدم التكافؤ.
ويجب ألاّ نخلط بين أمرين:
1 – المعاهدات المبرمة بين دول متساوية الإرادة.
2 – والاتفاقيات الناتجة عن اختلال جذري في موازين القوّة بسبب الإحتلال والهيمنة العسكرية. فهذه هي أقرب إلى الإملاءات السياسية منها إلى اتفاقيات متكافئة.
– العلاقة بين الإكراه والنظام العام الدولي:
ثمة ما هو أبعد من مجرد عيب رضا يتمثل بالإكراه، وهو ضغطٌ غير مشروع يولّد رهبة تدفع الآخر لإبرام عقد أو ما شابه. فبعض المعاهدات قد تكون باطلة ايضاً، كما أسلفنا، بسبب تعارضها مع قواعد آمرة في القانون الدولي (Jus cogens) لا يجوز مخالفتها أو الإتفاق على ما يخالفها تحت أي ظرف وأي مسمّى.
إن حظر الإحتلال واكتساب الأراضي بالقوة، وحظر استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية، وحق الشعوب في تقرير المصير، كلها قواعد آمرة لا يجوز الإتفاق على ما يخالفها. وبالتالي، فإن أي معاهدة أو اتفاق دولي يتعارض مع هذه القواعد، يُعد باطلاً بطلاناً مطلقاً، كما وأن أي معاهدة تؤدي إلى تكريس نتائج الإحتلال او شرعنته، قد تصطدم بالنظام العام الدولي.
وهنا يقتضي التمييز بين المعاهدات “بالمعنى الدقيق” والإتفاقيات “بصيغتها المُبسَّطَة”.
ونقرأ للفقيه الفرنسي شارل روسو الذي يُعد أحد أبرز ممثلي المدرسة الفرنسية في القانون الدولي العام خلال القرن العشرين في كتابه “Droit international public”.
Charles Rousseau
Tome 1 – Edition Sirey 1970
Section 11: Distinction des traités “stricto sensu » et des accords en forme simplifiée
• Aux sens étroit le traité international se définit par la procédure utilisée pour sa conclusion, c’est-à-dire par sa forme, non par son contenu. Comme on l’a
dit (Georges Scelle). Le traité en soi n’est qu’un instrument dépourvu de spécifité juridique (p. 67. No. 44)
N.B : Georges Scelle est un grand juriste français, considéré comme l’un des principaux théoriciens du droit international aux XXº Siècle
* Aux Traités internationaux ainsi définis, c.à.d conclus suivant une procédure médiate et tripartite avec l’intervention formelle du chef de l’Etat, s’opposent les accords en forme simplifiée, conclus sans l’intervention formelle du chef de l’Etat et ordinairement dressés par les ministres des affaires étrangères et les agents diplomatiques. Ils sont caractérisés
a) Toujours par leur conclusion immédiate, à processus bipartite (négociation et signature),
b) fréquemment – mais pas toujours – par la pluralité d’instruments juridiques (échange de lettres, de notes ou de déclarations) (p. 70. No. 46)
• Conditions de validité des traités
On peut distinguer, deux conditions principales de validité des traités
– La licéité de l’objet
– La liberté du consentement
• Une volonté concordante des Parties, exprimée sans équivoque, constitue là première condition de la validité d’un traité. Il en est une seconde : les traités doivent être librement consentis (p. 142 et sui. No. 119 et sui)
Examen de la pratique internationale
– La pratique politique et diplomatique offre quelques cas où l’on a vu des Etats arguer de vice du consentement pour tenter de fonder en droit la nullité d’un traité international
– La violence, c’est le cas le plus intéressant parceque malheureusement le plus fréquent
– Une orientation nouvelle se dessine toutefois en droit positif, la convention de Vienne de 1969 sur le droit des traités ayant admis dans ses articles 51 et 52
– La nullité d’un traité dont la conclusion aurait été obtenue « par menace ou l’emploi de la force, en violation des principes de droit international incorporés dans la charte des Nations Unis » ou « par la contrainte
exercée sur son représentant au moyen d’actes ou de menaces dirigés contre lui (p. 146 et sui. No. 124 et sui)
” Le problème du
القواعد الآمرة Jus congens
a acquis une grande actualité depuis les référence qu’y on fait la commission du droit international en 1966 et la convention de Vienne de 1969 sur le droit des traités (p. 150 No. 130 et sui.).
تطبيق الفكرة على اتفاق 17 أيار بين لبنان وإسرائيل
جرى توقيع اتفاق 17 أيار بين لبنان وإسرائيل عقب الإجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982 في ظل وجود عسكري واسع النطاق توغل في عمق الأراضي اللبنانية وصولاً إلى بيروت.
من منظور التحليل الواقعي لتلك المسألة، يمكن بناء الحجة القانونية كالآتي:
1 – غياب الرضا:
كان لبنان عند توقيع الاتفاق خاضعاً لاحتلال جزئي واسع ويرزح تحت ضغط عسكري وأمني مباشر، وكان يعاني من إنهيار شبه كلّي لمؤسساته، وان ارادة الدولة اللبنانية لم تكن حرّة بالكامل في ذلك الحين، ما أثار شبهة الإكراه السياسي والعسكري في آن.
2 – إختلال التوازن التفاوضي
لم تكن المفاوضات آنذاك جارية بين دولتين متكافئتين. فإسرائيل كانت قوة إحتلال، ناهيك عن تملكها لأعتى قوة عسكرية، الى جانب تفوقها العسكري المباشر، فيما كانت الدولة الللبنانية ضعيفة ومنقسمة داخلياً.
وهذا الإختلال في التوازن التفاوضي يدعم فكرة أن الاتفاق لم يكن تعبيراً عن إرادة سياسية متوازنة ومتكافئة.
3 – تعارض محتمل مع قواعد آمرة:
بعض منتقدي اتفاق 17 أيار 1983 رأوا أنه يمنح شرعية سياسية لنتائج الاحتلال ويقيّد حرية لبنان السيادية والأمنية، كما يُدخل ترتيبات أمنية تخدم القوة المحتلة. لذا، جرى الاستناد إلى قواعد القانون الدولي المتعلقة بمنع فرض ترتيبات سياسية بالقوة.
4 – النتيجة السياسية والقانونية:
في الخامس من آذار عام 1984، وبعد أقل من سنة على توقيعه، أعلن لبنان إلغاء اتفاق 17 أيار في ظل تصاعد وتيرة المعارضة الداخلية له والضغوط السورية والتطورات العسكرية التي شهدها، لا سيما أحداث 6 شباط 1984. وكان مجلس النواب اللبناني قد اعطى الحكومة تفويضاً، أو موافقة، للمضي بالإتفاق في الرابع عشر من حزيران عام 1983. واعتبر الكثير من المؤرخين والباحثين أن الاتفاق لم يكتمل مسار تنفيذه ولم يدخل حيز التطبيق الفعلي لعلّة الرفض الداخلي والضغط السوري، ولهذا قيل بأنه وُقّـع لكنه لم يُنفّذ أو لم يُستكمل بصورة كاملة، وهو بالتالي لم يصبح نافذاً ولم يُطبق بالكامل فتعثر تنفيذه، إلى أن أُلغي رسمياً في آذار 1984.
وهنا لا بد من الاشارة الى ان الجدل حول اتفاق 17 أيار 1983 لم يكن سياسياً فحسب، بل كان دستورياً وقانونياً. هل كان معاهدة سلام أم إتفاقاً أمنياً؟ .
في ظل الإنقسام في الآراء، ثمة رأيان:
الرأي الأول قال بأن اتفاق 17 ايار لم يكن معاهدة سلام مكتملة الجوانب. ومردّ هذا الرأي ان الإتفاق لم ينص صراحةً على اقامة علاقات دبلوماسية ولا حتى تبادل سفراء بين لبنان واسرائيل، وأنه لم يُنه حالة الحرب بصيغة معاهدات السلام التقليدية.
لذا، فقد إعتبر أصحاب هذا الرأي أنه مجرد إتفاق أمني سياسي، غايته الاساسية تكمن بانسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان وتنظيم ترتيبات امنية على الحدود الجنوبية وتوفير ضمانات أمنية متبادلة.
إستند مؤيدو الإتفاق آنذاك إلى واقع مؤداه أن لبنان كان تحت الإحتلال الإسرائيلي بعد اجتياح عام 1982، وأن الاتفاق كان وسيلة لاستعادة السيادة اللبنانية على كامل أراضيه.
أما الرأي الثاني فقال بأن الإتفاق كان معاهدة سلام مُقنّعـة، وبالتالي فقد ذهب معارضوه إلى حد القول بأن الإتفاق، بالرغم من عدم تسميته معاهدة سلام، كان سيُترجم عملياً إلى:
– إعتراف متبادل بين لبنان واسرائيل.
– المضي بترتيبات أمنية كانت ستمنح اسرائيل دوراً مؤثراً في الجنوب اللبناني.
– إضافةً إلى إنشاء لجان إتصال وتنسيق دائمة.
ولهذا فقد وصفوه بأنه خطوة نحو التطبيع لا اتفاقاً أمنياً.
– من الناحية الدستورية:
المادة 2 من الدستور اللبناني نصت على أن رئيس الجمهورية يتولى المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية بالإتفاق مع رئيس الحكومة. ولا تصبح المعاهدات نافذة إلا بعد موافقة مجلس النواب. وهنا نشأ الخلاف بين فريقين:
الأول رأى أن الإجراءات الدستورية الاساسية روعيت مع عرض الإتفاق على مجلس النواب والحصول على موافقته.
والثاني رأى أن مع وجود قوات اجنبية على الاراضي اللبنانية والإنقسام الداخلي في ظل الظروف التي أُبرم فيها الاتفاق، فإن كل هذه المعطيات قد أثّرت على شرعيته السياسية، وإن إستُكملت بعض إجراءاته الدستورية الشكلية.
تبقى الإشارة إلى أن الاتفاق سقط بسبب الخلل في موازين القوى على الأرض، من رفض سوريا له، الى معارضة قوى لبنانية رئيسية له، وتراجع النفوذ الأميركي في لبنان بعد أحداث 1983 – 1984، وصولاً إلى انتفاضة 6 شباط 1984 وما لحقها من تبدّل في التوازنات الداخلية. فكان أن أعلن مجلس الوزراء اللبناني إلغاء الاتفاق وانتهاءه عملياً وقانونياً في الخامس من آذار عام 1984.
من المثير للإهتمام حقاً أن العديد من الباحثين الدستوريين في مجال القانون الدستوري اللبناني إعتبروا أن تلك التجربة، تجربة 17 أيار، أضحت مثالاً على الفرق بين الشرعية الدستورية الشكلية، والشرعية السياسية الفعلية، سيما وان الإتفاق حاز على قدر من الإجراءات الدستورية، إلا أنه إفتقد التوافق السياسي الداخلي والإقليمي اللازم لديمومته.
فالفكرة الجوهرية تكمن بأن الشرعية الدولية لا تقاس فقط بالشكل الدبلوماسي للإتفاق، بل بمدى توافر الإرادة الحرّة والسيادة الفعلية عند إبرامه، وبالتالي، فإن المعاهدة التي تُبرم تحت ضغط الإحتلال، قد تحمل إسم “إتفاق دولي”، إلاّ أنها تفتقد الأساس القانوني الحقيقي الذي يمنح المعاهدات مشروعيتها.
هذا التأصيل ينسجم تماماً مع المادة 52 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، والتي تنص صراحةً على بطلان أي معاهدة يتم إبرامها تحت التهديد أو باستخدام القوة بما يتوافق مع مبادىء ميثاق الأمم المتحدة.
في المحصّلة، تخلص الإتجاهات الفقهية الى ان القانون الدولي المعاصر لم يعد يعترف بشرعية الإتفاقيات التي تُنتزع تحت النار، وفي ظل الإحتلال أو التفوق العسكري، لأن المعاهدة لا تستمد قوتها من مجرد التوقيع عليها، بل من توافر الإرادة الحرة والمتكافئة بين أطرافها. فحيث تغيب السيادة الفعلية ويتحوّل التفاوض، بشتى صُوَرِه، إلى نتيجة مباشرة للضغط العسكري أو الهيمنة الأجنبية – لا فرق – يصبح الرضا، إذ ذاك، مشوباً بعيب الإكراه، وتغدو بالتالي المعاهدة عرضةً للبطلان أو للإلغاء اللاحق.
من هنا، فإن دراسة إتفاقيات أُبرمت في ظروف الاحتلال، كاتفاق 17 أيار، لا تقتصر على بُعدها السياسي أو التاريخي، بل تطرح إشكالية قانونية أعمق بكثير، تتعلق بحدود المشروعية الدولية ذاتها، وبمدى قدرة القانون الدولي على حماية مبدأ السيادة ومنع تكريس نتائج القوة المسلحة في صورة إلتزامات تعاقدية دائمة وملزمة.
صفوة القول ان أي معاهدة تُفرض على لبنان في ظل الأعمال العدائية التي قامت وتقوم بها إسرائيل من احتلال قرى وبلدات وإزالة معالمها وجرف الاراضي واستحداث الخط الأصفر، سيكون مصيرها البطلان المطلق حتماً. فلبنان يقبع تحت ضغط عسكري اسرائيلي، ويتعرض لتهديدات مباشرة من مسؤولين إسرائيليين بالإبقاء على الاحتلال، ما يشكّل ضغطاً خانقاً عليه إن لم يوقّع على اتفاق رسمي.
وباعتقادنا ان القانون والفقه والممارسة والقرارات الدولية وموقف الشعوب التوّاقة للعدل والإنصاف، ستكون الى جانب السلطة اللبنانية في حال رفضها التوقيع على اتفاق جديد، او حتى في حال تنصلها من أي التزام جديد، سيما وان اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لا تكتفي بإبطال المعاهدة المبرمة بالإكراه وتحت ضغط القوة، لا بل تعتبرها باطلة بطلاناً مطلقاً إذا كانت وقت إبرامها تتعارض مع قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي العام.
إن مسألة بطلان المعاهدات المبرمة في ظل الاحتلال تبقى من اكثر مسائل القانون الدولي تعقيداً وإثارةً للجدل، بحيث، يبقى التمييز قائماً بين الضغط السياسي الذي يرافق العلاقات الدولية عادةً، وبين الإكراه غير المشروع المفسد للرضا والمؤدي الى البطلان. غير أن التطور الذي شهده القانون الدولي بعد قيام الأمم المتحدة واتساع نطاق القواعد الآمرة، عزّز الإتجاه القائل بعدم جواز تحويل نتائج الإحتلال العسكري الى التزامات قانونية دائمة، الأمر الذي يجعل مبدأ الرضا الحرّ وسيادة الدول، أحد المعايير الأساسية للحكم على مشروعية المعاهدات الدولية وصحتها، ومع ذلك ثمة مبدأ أساسي في القانون الدولي ترد عليه إستثناءات.
هذا المبدأ Pacta Sunt Servanda تجسّد في قاعدة قانونية ملزمة في قانون المعاهدات.
من الناحية الفقهية كمبدأ principle كونها تعبّر عن فكرة اساسية يقوم عليها النظام القانوني الدولي بأكمله، وهي وجوب احترام الإلتزامات الدولية. وكقاعدة Rule لأنها تتضمن التزاماً قانونياً محدداً يفرض على الدول تنفيذ المعاهدات بحسن نية، ويترتب على مخالفتها مسؤولية دولية.
إذاً، إن مبدأ Pacta Sunt Servanda هو مبدأ أساسي في القانون الدولي ومعناه باللاتينية: “العقود، يجب أن تُحترم أو الاتفاقات يجب أن تُنفّذ بحسن نية”.
ويقضي هذا المبدأ بأن الدول التي تُبرم معاهدة أو اتفاقاً دولياً، تصبح ملزمة بتنفيذ التزاماتها بحسن نية، ولا يجوز لها التذرع بقانونها الداخلي أو بتغيّر سياستها للتنصل من هذه الإلتزامات.
وقد كرّست هذا المبدأ المادة 26 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، التي تنص بالفرنسية:
“Tout traité en vigueur lie les parties et doit être exécuté par elle de bonne foi »
أي: “كل معاهدة نافذة تُلزم اطرافها ويجب عليهم تنفيذها بحسن نية”.
غير أن هذا المبدأ ليس على إطلاقه، إذ ترد عليه إستثناءات مهمة، أبرزها:
– بطلان المعاهدة إذا أُبرمت نتيجة الإكراه أو التهديد باستعمال القوة (المادة 52 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات).
– بطلان المعاهدة إذا تعارضت مع قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي العام (Jus Cogens) وفق المادة 53 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات.
– إنتهاء او تعليق تنفيذ المعاهدة في بعض الظروف الاستثنائية، مثل التغيير الجوهري في الظروف (Rebus sic Stantibus) (المادة 62 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات).
لهذا، فإن قاعدة Pacta Sunt Servanda تشكّل حجر الزاوية في استقرار العلاقات الدولية، لكنها لا تبرّر إحترام المعاهدات الباطلة أو تلك التي وُلدت نتيجة الإكراه، مخالفةً بذلك القواعد الآمرة في القانون الدولي.
وفي سياق البحث، ثمة عبارة شهيرة نسبت الى الفقيه الدستوري الفرنسي العلاّمة Georges Vedel قال فيها:
“La constitution est un instrument, il ne faut pas la violer, mais elle ne crie pas ».
“أي: الدستور أداة: لا ينبغي إنتهاكه، لكنه لا يصرخ”.
نستعرض هذه المقولة الشهيرة لنسلّط الضوء على ما ورد في الفقرة (باء) من مقدمة الدستور اللبناني التي أُضيفت بموجب المادة الأولى من القانون الدستوري رقم 18 الصادر في 21 أيلول 1990:
جاء في الفقرة (باء) هذه، ما حرفيته:
لبنان عربي الهوية والإنتماء، وهو عضو مؤسس وعامل في جامعة الدول العربية وملتزم مواثيقها، كما هو عضو مؤسس وعامل في منظمة الأمم المتحدة وملتزم مواثيقها والإعلان العالمي لحقوق الانسان. وتجسّد الدولة هذه المبادىء في جميع الحقول والمجالات دون استثناء…
كرّست هذه الفقرة مبدأ الالتزام بالمواثيق الدولية والعربية ذات الصلة بحقوق الإنسان، وهذه الفقرة هي من المبادىء المكرسة في مقدمة الدستور اللبناني والتي قال فيها العلاّمة الدستوري الدكتور إدمون رباط في كتابه، مقدمة الدستور اللبناني الصادر عن دار النهار في بيروت، وتحديداً في الصفحتين 35 و36:
“إن وضع هذه المبادىء العامة في مقدمة الدستور اللبناني غايته إضفاء صفة القدسية عليها، لأنها في حقيقتها الموضوعية إنما هي بمثابة الإعلان الدستوري لما يستند اليه لبنان من الأركان الثابتة، وما يؤمن به الشعب اللبناني من العقيدة القومية”.
تكتسب هذه العبارة بالغ الاهمية، لأن العلاّمة الدكتور رباط – وكان من ابرز فقهاء القانون الدستوري في لبنان – إعتبر أن مقدمة الدستور ليست مجرد تمهيد أدبي أو سياسي، بل “إعلان دستوري” يتمتع بقيمة دستورية فعلية، وأن إدراج المبادىء الاساسية في المقدمة يهدف الى منحها نوعاً من “القدسية الدستورية”. وقد استند اللمجلس الدستوري اللبناني لاحقاً إلى مقدمة الدستور في عدد من قراراته بوصفها جزءاً من الكتلة الدستورية. كما ويُستشهد بهذا النص كثيراً في الابحاث الدستورية اللبنانية لإبراز أن العلاّمة رباط كان يرى في مقدمة الدستور، بعد تعديل 1990، ما يشبه الإعلان الدستوري ذي القيمة السامية الذي يجسّد الثوابت الوطنية الأساسية.
وعليه، ثمة رابط بين الفقرة (باء) من مقدمة الدستور اللبناني وبين القانون رقم (1) تاريخ 5/أيلول/2008 المنشور في ملحق الجريدة الرسمية رقم 36 بتاريخ 9/أيلول/2008 والذي يجيز للحكومة إبرام الميثاق العربي لحقوق الإنسان، حيث جاء في مادته الأولى:
“أجيز للحكومة إبرام الميثاق العربي لحقوق الإنسان الموقّع في تونس بتاريخ 2004/5/23 خلال اجتماعات القمة العربية في دورتها السادسة عشرة، والمرفق ربطاً”.
إن لبنان يصادق على الميثاق العربي لحقوق الانسان ويبدي، عملاً بالفقرة الاولى من المادة 53 إحتفاظه بحق تطبيق قوانينه الداخلية أو احكام المواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي صادق عليها والتي تمنح حقوقاً أفضل وبما لا يتعارض مع القوانين والمواثيق المذكورة.
ورد في ديباجة الميثاق العربي لحقوق الإنسان تاريخ 2004/5/23 ما حرفيته:
“إنطلاقاً من إيمان الأمة العربية بكرامة الإنسان الذي أعزّه الله منذ بدء الخليقة، وبأن الوطن العربي مهد الديانات وموطىء الحضارات ذات القيم الإنسانية السامية التي أكدت حقه في حياة كريمة على أسس من الحرية والعدل والمساواة.
وتحقيقاً للمبادىء الخالدة للدين الاسلامي الحنيف والديانات السماوية الأخرى في الأخوّة والمساواة والتسامح بين البشر.
واعتزازاً منها بما أرسته عبر تاريخها الطويل من قيم ومبادىء إنسانية كان لها الدور الكبير في نشر مراكز العلم بين الشرق والغرب مما جعلها مقصداً لأهل الأرض والباحثين عن المعرفة والحكمة.
وإيماناً منها بوحدة الوطن العربي مناضلاً دون حريته، مدافعاً عن حق الأمم في تقرير مصيرها والمحافظة على ثرواتها وتنميتها، وإيماناً بسيادة القانون ودوره في حماية حقوق الإنسان في مفهومها الشامل والمتكامل، وإيماناً بأن تمتُّع الإنسان بالحرية والعدالة وتكافؤ الفرص هو معيار أصالة المجتمع.
ورفضاً لكافة أشكال العنصرية والصهيونية التي تشكّل انتهاكاً لحقوق الإنسان وتهديداً للسلم والأمن العالميين، وإقراراً بالإرتباط الوثيق بين حقوق الإنسان والسلم والأمن العالميين، وتأكيداً لمبادىء ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وأحكام العهدين الدوليين للأمم المتحدة بشأن الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومع الأخذ في الإعتبار إعلان القاهرة حول حقوق الإنسان في الإسلام.
وبناءً على ما تقدم، إتفقت الدول الأطراف في هذا الميثاق على الآتي:
………..
المادة الثانية:
1 – لكافة الشعوب الحق في تقرير مصيرها، والسيطرة على ثرواتها ومواردها، ولها الحق في أن تقرر بحريّة اختيار نمط نظامها السياسي، وأن تواصل بحرية تنميتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
2 – لكافة الشعوب الحق في العيش تحت ظل السيادة الوطنية والوحدة الترابية.
3 – إن كافة اشكال العنصرية والصهيونية والاحتلال والسيطرة الاجنبية هي تحدٍ للكرامة الانسانية وعائق أساسي يحول دون الحقوق الاساسية للشعوب، ومن الواجب إدانة جميع ممارساتها والعمل على إزالتها.
4 – لكافة الشعوب الحق في مقاومة الاحتلال الاجنبي.
الرابط بين ما ورد في الفقرة (ب) من مقدمة الدستور اللبناني وبين القانون رقم (1) تاريخ 5/ايلول/2008 ليس رابطاً عرضياً، بل هو رابط دستوري تعاقدي مباشر يقوم على فكرة إنفتاح لبنان على المنظومة العربية والدولية لحقوق الإنسان، وإلزام الدولة بترجمة هذا الإنفتاح الى قوانين داخلية.
ومن خلال هذا الرابط تكمن المقاربة على النحو الآتي:
أولاً: مضمون الفقرة (ب) من مقدمة الدستور:
تنص هذه الفقرة على أن لبنان:
– عربي الهوية والإنتماء.
– عضو مؤسس وعامل في جامعة الدول العربية وملتزم مواثيقها.
– ملتزم ايضاً بمواثيق الامم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
وعلى الدولة اللبنانية أن تجسّد هذه المبادىء في جميع المجالات.
هذه الفقرة أنشأت مبدأين اساسيين:
1 – مبدأ الإنتماء العربي القانوني، لا الثقافي فحسب.
2 – مبدأ الإلتزام بالمواثيق الدولية والعربية ذات الصلة بحقوق الإنسان.
ثانياً: مضمون القانون رقم 2008/1 (الميثاق العربي لحقوق الإنسان):
هذا القانون جاء ليجيز للحكومة اللبنانية إبرام الإنضمام الى الميثاق العربي لحقوق الإنسان الصادر عن جامعة الدول العربية سنة 2004، أي أنه:
– يُدخل الميثاق في الإطار القانوني اللبناني عبر الإجازة التشريعية.
– يُحوِّل الإلتزام السياسي/الدستوري إلى التزام قانوني قابل للتطبيق الداخلي.
ثالثاً: نقطة الإتصال بين النصين، أي جوهر العلاقة:
العلاقة بينهما تقوم على ثلاث طبقات مترابطة:
1 – التحويل من مبدأ دستوري الى تنفيذ تشريعي:
– الفقرة (ب) من المقدمة تقر الالتزام بالمواثيق العربية.
– القانون 2008/1 ينفّذ هذا الالتزام عبر إجازة الإنضمام للميثاق العربي لحقوق الإنسان.
أي ان القانون هو تجسيد تشريعي مباشر للمبدأ الدستوري.
2 – تراتبية الالتزام بالمواثيق العربية:
المقدمة الدستورية لا تكتفي بالإشارة الرمزية لجامعة الدول العربية، بل تجعل:
– الإلتزام بمواثيقها جزءاً من الهوية الدستورية للدولة.
وبالتالي، يصبح إبرام ميثاق عربي لحقوق الإنسان:
– ليس خياراً سياسياً فقط.
– بل امتداداً طبيعياً لمبدأ دستوري ملزم.
3 – تكامل المرجعية العربية مع المرجعية الدولية:
* الفقرة (ب) تجمع بين:
– المواثيق العربية (جامعة الدول العربية).
– والمواثيق الدولية (الأمم المتحدة وحقوق الإنسان العالمية).
* القانون 2008/1 يقع تحديداً في النقطة العربية من هذا التوازن، أي:
– إدخال المنظومة العربية لحقوق الإنسان الى النظام القانوني اللبناني.
في المحصلة، يمكن القول بأن:
– الفقرة (ب) من مقدمة الدستور تنشىء التزاماً دستورياً بانتماء لبنان إلى منظومة المواثيق العربية لحقوق الإنسان.
– والقانون 2008/1 يأتي كتطبيق تشريعي مباشر لهذا الالتزام عبر الإجازة للحكومة إبرام الميثاق العربي لحقوق الإنسان.
فإذا كانت الفقرة (ب) من مقدمة الدستور اللبناني قد أرست، في مرتبة دستورية عُليا، إنتماء لبنان العربي والتزامه مواثيق جامعة الدول العربية، فضلاً عن تمسكه بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومواثيق الامم المتحدة، فإن هذا الالتزام لم يبقَ في اطار الاعلان المبدئي أو التوجه السياسي، بل وجد ترجمته التشريعية في القانون رقم (1) الصادر في 5 أيلول 2008 المتعلق بالإجازة للحكومة إبرام الميثاق العربي لحقوق الإنسان. ومن ثم، فإن هذا القانون لا يشكل التزاماً دولياً مستحدثاً بقدر ما يجسّد التزاماً دستورياً سابقاً، ويُعد امتداداً طبيعياً للمقتضيات الواردة في الفقرة (ب) من مقدمة الدستور، بما يؤكد اندماج المرجعية العربية لحقوق الإنسان في البنية الدستورية والقانونية اللبنانية، لا بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك بالقول أن الميثاق العربي لحقوق الإنسان غدا أحد تجليات الوفاء الدستوري للإنتماء العربي الذي إرتقاه المشرّع الدستوري الى مصاف المبادىء الأساسية للنظام الدستوري في لبنان. فالقانون رقم (1/2008) يشكّل حلقة تشريعية مكملة للإلتزام الدستوري، الامر الذي اضفى ويضفي على المبادىء الواردة في الميثاق قيمة خاصة في النظام القانوني اللبناني، ويجعلها مرجعاً اساسياً عند تقييم مشروعية اي اتفاق او معاهدة تمسّ حق الشعوب في تقرير مصيرها، أو تُبرم في ظل الاحتلال او الإكراه.
وإلى جانب القانون رقم 1/2008 وما سبقه، نشير الى القانون رقم 57 الصادر بتاريخ 31 آذار عام 1999 (الإجازة للحكومة إبرام الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب الموقّعة في القاهرة بتاريخ 1998/4/2).
وجاء في ديباجة هذه الإتفاقية:
إن الدول العربية الموقّعة:
– …
– وتأكيداً على حق الشعوب في الكفاح ضد الإحتلال الاجنبي والعدوان بمختلف الوسائل، بما في ذلك الكفاح المسلح من اجل تحرير اراضيها، والحصول على حقها في تقرير مصيرها واستقلالها، وبما يحافظ على الوحدة الترابية لكل بلد عربي، وذلك كلّه وفقاً لمقاصد ومبادىء ميثاق وقرارات الأمم المتحدة.
قد اتفقت على عقد هذه الاتفاقية، داعية كل دولة عربية لم تشارك في إبرامها الى الانضمام اليها.
كما وجاء في المادة الثانية منها:
أ – لا تعد جريمة، حالات الكفاح بمختلف الوسائل، بما في ذلك الكفاح المسلّح ضد الاحتلال الاجنبي والعدوان من اجل التحرّر وتقرير المصير، وفقاً لمبادىء القانون الدولي، ولا يعتبر من هذه الحالات كل عمل يمسّ بالوحدة الترابية لأي من الدول العربية.
إن القانون رقم 57 تاريخ 31 آذار 1999 المشار اليه هو قانون نافذ في النظام القانوني اللبناني، لا بل ان المشترع اكد على نفاذه لاحقاً، لا بل حديثاً.
فالقانون رقم 2016/77 المعدّل للمادة 316 مكرر من قانون العقوبات اللبناني، اشار صراحة الى الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب المبرمة بموجب القانون رقم 57 تاريخ 31 آذار 1999 بقوله:
“تعدّل المادة 316 مكرر من قانون العقوبات اللبناني المتعلقة بتمويل الارهاب بحيث تصبح، وبالاستناد الى الاتفاقية العربية لمكافحة الارهاب الموقعة في القاهرة بتاريخ 1998/4/22 والمبرمة بموجب القانون رقم 57 تاريخ 1999/3/31، على الشكل التالي: (….) وهو ما يشكل تأكيداً تشريعياً على استمرار نفاذه، وان السلطات اللبنانية كما الوثائق الرسمية، استمرت في الاستناد إلى هذا القانون باعتباره أساس إنضمام لبنان إلى الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب.
وتكمن اهمية القانون 2016/77 ، أنه احال صراحةً الى القانون 1999/57 والى الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب بوصفها الاساس الذي استند عليه المشترع اللبناني في تعريف وتحديد نطاق جريمة تمويل الإرهاب.
ويبقى أثر القانون 1999/57 على المادة الثانية من الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب المتعلقة بحق الشعوب في مقاومة الاحتلال وتقرير المصير، مدار بحث مستقل لما يكتسبه من اهمية خاصة، وللبحث فيه تتمة.
ختاماً،
هذه الدراسة لم تكن مجرد تتبّع لنصوص الاتفاقيات، بل كانت تشريحاً ومحاكمة دولية لفكرة “اغتصاب الإرادة” حين تتلفَّع بعباءة المعاهدات الرسمية.
إننا إذ نضع أوزار هذا البحث، نصل إلى حقيقة قانونية دامغة مؤداها ان معاهدات الإحتلال هي صياغة قانونية صورية لواقع مادي باطل، وان اغتصاب الإرادة فيها يمثل إعتداءً صارخاً على القواعد الآمرة في القانون الدولي.
ومن مشكاة اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات مدعومة بالوجدان القضائي لمحكمة العدل الدولية، نؤكد أن التراضي الذي تمليه القوة على الضعف هو تراضٍ منعدم الأثر. فالمعاهدات غير المتكافئة تفتقر الى شرعية الوجود، والقضاء الدولي لم يفتأ يؤكد عدم شرعية الاوضاع الناشئة عن خرق حظر استخدام القوة، وان مبدأ Pacta Sunt Servanda أي العقد شريعة المتعاقدين، يسقط حتماً حين تصبح الشريعة الغائبة هي العدالة ذاتها تحت وطأة الإحتلال، وهو ما وطدته محكمة العدل الدولية في أحدث مواقفها القضائية برفضها إضفاء أي اثر قانوني لسياسات الأمر الواقع المعتمدة على القسر. كما وان إتساق البحث مع روح المادتين 51 و52 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات يؤصل لحق الشعوب في التحلّل من التزامات القهر. وتركيزنا هذا ليس فصلاً ختامياً، بل هو مسارٌ فقهي وقانوني عالي الدقة يُستنهض به ضمير القضاء الدولي، ليبقى القانون سيفاً في وجه القوة لا مسوّغاً لجرائمها. وان الانتقال من اغتصاب الارض الى اغتصاب الإرادة يثبت مرة اخرى ان الاتفاقيات او المعاهدات المبرمة تحت نير الاحتلال ليست سوى صكوك إذعان مُكره، تولد ميتة في ميزان القانون الدولي العام، وان معركة السيادة لا تُخاض في الميادين جهاراً فحسب بل في مُتون المعاهدات زوراً.
وإننا، إذ نضع حجتنا الفقهية والقانونية في بطلان ما أبرم تحت الاحتلال، نكون قد أقمنا البيّنة على ان المادة 52 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات – كما غيرها – لم تكن ترفاً تشريعياً، بل حُصناً لسيادة الأمم، عززته محكمة العدل الدولية، كما أشرنا، في قضائها وآرائها الاستشارية بحيث استقر قضاؤها على ان القهر المادي لا يُنشىء حقاً، وأن إكراه الدولة بالقوة او التهديد بها يدمغ المعاهدة بالبطلان المطلق اسوةً بكل اتفاق شابه إكراه القوة، بطلاناً أصيلاً لا تلحقه إجازة ولا يصحّحه تقادم.
ان هذا السفر يفتح نافذة متجددة للفقه الدولي ليلاحق عيوب الرضا المستترة، مؤكداً ان حبر القوة لا يخطّ التزاماً مشروعاً. فالإرادة المُغتَصَبَة لا تنشىء حقاً، والباطل لا يرتد يوماً حقاً مشروعاً مهما طال عليه الأمد، وأن الإرادة الحرة تبقى الركن الركين الذي لا ترتفع لولاه للعدالة الدولية راية، وان قضية بطلان المعاهدات المبرمة في ظل الاحتلال لا تنتهي بانتهاء مدوّنتها، بل هي عتبة تفضي الى آفاق تتطلب تأصيلاً فقهياً ونظراً قضائياً متجدداً يلاحق النوازل المستجدة.
فالنص حيال النوازل قاصر، والاجتهاد في إستنباط الحقيقة فريضة علمية لا تعرف الإنقطاع
وبناءً على ما انتهت إليه هذه الدراسة من نتائج وحقائق، نضع بين ايدي الباحثين وصُنّاع القرار اللبناني والدولي التوصيات الآتية:
1 – الدعوة الى إعمال لا إهمال المادة (52) من اتفاقية فيينا لعام 1969 لأنها قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي العام (Jus cogens) لا يجوز الاتفاق على مخالفتها.
2 – حثّ الجمعية العامة للأمم المتحدة على طلب آراء استشارية دورية من محكمة العدل الدولية بشأن المعاهدات التي تُبرم في ظل إختلال موازين القوى او تحت الاحتلال المادي المقنّع.
3 – تطوير المعايير الدولية المعنية بعيوب الرضا لتشمل أشكال الإكراه المعاصر كالضغوط الاقتصادية والحصار المالي، وعدم قصرها على الإكراه العسكري المباشر.
4 – تأسيس مرصد قانوني دولي تابع لمعاهد الحقوق او المنظمات الإقليمية، يتولى رصد وتوثيق المعاهدات غير المتكافئة لتسهيل الطعن عليها مستقبلاً.
5 – تأصيل مفهوم “عدم الأثر القانوني للتقادم” في مواجهة المعاهدات الباطلة بطلاناً مطلقاً، بحيث تملك الاجيال القادمة حق التحلّل منها والمطالبة بالتعويض عن آثارها.
6 – تشجيع الباحثين في القانون الدولي على سبر أغوار القانون الدولي المقاوم، وربط الفقه الجنائي الدولي بنظرية بطلان التصرفات الدولية.
عند هذا المنتهى، لا يقتضي المنطق القانوني فحسب، بل تفرض مقتضيات العدالة الدولية إقرار مبدأ قرينة إغتصاب الإرادة تحت الإحتلال، ومؤداه أن كل معاهدة يبرمها شعب أو سلطة واقعة تحت الإحتلال تُعدّ إبتداءً ثمرة إرادة مشوبة بالإكراه، ولا تنتج آثارها القانونية إلاّ إذا أُثبِتَ، إستثناءً وبما لا يدع مجالاً للشك، أنها صدرت عن إرادة حرَّة مستقلة.
فإذا كان اغتصاب الأرض جريمة في مواجهة الشعوب، فإن إغتصاب الإرادة جريمة في مواجهة القانون؛ وكلاهما لا يُنشىء حقاً ولا يُقيم معاهدة.
لم يكن القصد من هذه الدراسة إضافة سبب جديد إلى أسباب بطلان المعاهدات، بقدر السعي إلى إعادة قراءة هذه الأسباب في ضوء حقيقة قانونية مُغيَّبة، مؤداها أن الإحتلال لا يقتصر أثره على إغتصاب الأرض، وإنما يمتد، بحكم طبيعته، إلى إغتصاب الإرادة التي تُعد مناط الرضا وركن الشرعية في كل إلتزام دولي.
وإذا كان القانون الدولي قد إستقر على أن الرضا المُنتزع بالإكراه لا يُنشىء إلتزاماً صحيحاً، فإن الإحتلال، بما ينطوي عليه من قهر وهيمنة وإخضاع، يُعدّ في ذاته بيئة قانونية يُفترض فيها إختلال الإرادة، فلا يكون الرضا الصادر في ظلها بمنأى عن شبهة الإكراه، ولا تكون المعاهدة المبرمة خلالها بمنأى عن مقتضيات البطلان.
من هنا، تقترح هذه الدراسة تأصيل مبدأ قانوني مؤداه أن إغتصاب الأرض يُنشىء قرينة على إغتصاب الإرادة، وهي قرينة لا يمكن أن تقوم على الإعتبارات السياسية أو الأخلاقية، وإنما على منطق القانون ذاته، لأن الإرادة الحرّة لا تزدهر تحت الإحتلال، كما أن الشرعية لا تولد من رحم القوة.
قد يفرض الإحتلال أمراً واقعاً، لكنه لا يملك أن يفرض إرادة قانونية؛ وما لم تُنشئه الإرادة الحرّة، لا يمكن للقوة أن تضفي عليه الشرعية، ولا أن يُكسبه الزمن مشروعية.
فالإحتلال لا يغتصب الأرض فحسب، بل يغتصب الإرادة أيضاً. وإذا كانت الأرض تستردها الشعوب، فإن القانون لا يسترد شرعيته إلاّ باسترداد الإرادة الحرّة.
“محكمة” – الجمعة في 2026/7/3



