أبحاث ودراسات

التركة الرقمية: دراسة في التكييف القانوني والشرعي لتوريث حسابات منصات التواصل الاجتماعي/فراس كنج

المحامي فراس أسعد كنج:
مع تغلغل التكنولوجيا في تفاصيل الحياة اليومية، لم تعد الحسابات الرقمية مجرد قنوات للتواصل الافتراضي، بل تحولت إلى مستودعات للبيانات الشخصية وأصول استثمارية ذات قيمة مالية معتبرة.
يطرح هذا المقال دراسة تأصيلية حول مدى إمكانية انتقال ملكية الحسابات الرقمية إلى الورثة بعد وفاة صاحبها، مستعرضاً الصدام القانوني والعملي بين قوانين الميراث الوطنية وعقود الاستخدام الدولية، مع تقديم رؤية متوازنة تجمع بين الشريعة الإسلامية والقانون المقارن.
أزمة القانون أمام الرقمنة
لطالما ارتكزت القوانين المدنية الكلاسيكية وقوانين الأحوال الشخصية على فكرة “مادية التركة”؛ أي انتقال الأعيان والحقوق المالية الملموسة من المورث إلى الوارث. غير أن بزوغ عصر “البيانات” أوجد نوعاً جديداً من الحقوق يُعرف بـ “التركة الرقمية” (Digital Estate).
تنشأ الإشكالية القانونية عندما يتوفى المستخدم تاركاً وراءه حسابات على منصات مثل (فيسبوك، إكس، يوتيوب، أو إنستغرام). فهل تؤول هذه الحسابات ومحتوياتها إلى الورثة كحق مالي أصيل، أم أن طبيعة هذه الحسابات اللصيقة بالشخصية تمنع انتقالها، مفسحة المجال لشركات التكنولوجيا الكبرى لتتحكم في مصيرها بموجب اتفاقيات الاستخدام؟
المحور الأول: التكييف القانوني والشرعي للحساب الرقمي
للإجابة عن سؤال التوريث، يجب أولاً تفكيك الطبيعة القانونية للحساب الرقمي لمعرفة ما إذا كان يندرج تحت مفهوم “التركة” أم لا.
1- في الفقه الإسلامي والقانون المدني العربي
يقوم الميراث في الشريعة الإسلامية والقوانين العربية المستمدة منها على انتقال “المال والحقوق الماليّة”. وهنا نجد اتجاهين رئيسيين لتكييف الحساب الرقمي:
الحساب كمال معنوي (حق مالي): إذا كان الحساب يمثل قيمة تجارية أو استثمارية (مثل قنوات يوتيوب المدرة للربح، أو الصفحات التجارية)، فإنه يخرج من دائرة “الحق الشخصي المحض” ليدخل في دائرة “الملكية الفكرية والمعنوية”. هذا النوع من الحسابات يُعد مالاً منقوماً شرعاً وقانوناً، وبالتالي ينتقل إلى الورثة كجزء من التركة العامة.
الحساب كحقّ لصيق بالشخصية: إذا كان الحساب مخصصاً للتواصل الشخصي ولا يحتوي إلا على مراسلات خاصة وصور عائلية، فإن تكييفه يميل إلى كونه “حقاً غير مالي لصيقاً بالشخصية”. هذه الحقوق تنقضي كأصل عام بوفاة صاحبها، لحماية حرمة الحياة الخاصة وسرية المراسلات.
قاعدة أصولية: “لا يجوز شرعاً ولا قانوناً انتهاك سرية المراسلات التي غاب صاحبها بالوفاة، ما لم يوصِ صراحة بغير ذلك، حمايةً لحق المتوفى وحق الأطراف الأخرى في المراسلات.”
المحور الثاني: الصدام بين عقود الإذعان وحق الإرث
تعد عقود الاستخدام (Terms of Service) التي يبرمها المستخدم بنقرة واحدة عند إنشاء الحساب من أكبر العقبات القانونية في وجه الورثة.
تُصنف هذه العقود قانوناً بأنها عقود إذعان، وغالباً ما تتضمن بنوداً تقضي بـ “عدم قابليتها للنقل أو التنازل” (Non-transferability)، بل وتنص بعضها على فناء الحساب بمجرد ثبوت الوفاة.
من الناحية العمليّة، تضع هذه البنود شركات التكنولوجيا في مواجهة مباشرة مع ورثة المتوفى الراغبين في استرداد بياناته أو استغلال حسابه مالياً.
ولمعالجة هذا التداخل، طوّرت كبرى الشركات حلولاً تقنية ذات أثر قانوني للحد من النزاعات.
المحور الثالث: الاتجاهات القضائية والتشريعية الحديثة (دراسة مقارنة)
نظراً لغياب النصوص التشريعية الصريحة في معظم الدول العربية، نستعرض نموذجين رائدين ساهما في رسم الملامح القانونية لهذا الملف عالمياً:
1- الموقف القضائي الألماني (سيادة مبدأ الخلافة العامة)
في القضية الشهيرة لعام 2018 (قضية الفتاة المتوفاة التي طالبت والدتها بالدخول لحسابها على فيسبوك لمعرفة أسباب وفاتها)، أصدرت المحكمة الاتحادية العليا الألمانية (BGH) حكماً مبدئياً قضى بأن الحسابات الرقمية تخضع لقواعد الإرث التقليدية.
الأساس القانوني للمحكمة: اعتبرت المحكمة أن الورثة يحلون محل المتوفى في كافة علاقاته العقدية (الخلافة العامة). وقررت أن الرسائل الرقمية لا تختلف قانوناً عن الرسائل الورقية والمذكرات الشخصية المكتوبة بخط اليد، والتي تؤول للورثة تلقائياً دون اعتراض من القانون.
2- الموقف التشريعي الأمريكي (قانون RUFADAA)
قامت الولايات المتحدة بحل الإشكالية عبر تشريع خاص يُعرف بـ “القانون الموحد للوصول إلى الأصول الرقمية للمستأمنين المعدل”. ويضع هذا التشريع تراتبية واضحة لحسم النزاع:
الأولوية الأولى: لإرادة المستخدم عبر أدوات المنصة الافتراضية (مثل تحديد وريث رقمي داخل الإعدادات).
الأولوية الثانية: لإرادة المستخدم في وصيته القانونية المكتوبة.
الأولوية الثالثة: لشروط الاستخدام الافتراضية الخاصة بالمنصة في حال غياب الوصية أو الإعداد المسبق.
خاتمة وتوصيات قانونية
إن معالجة مسألة توريث الحسابات الرقمية في عالمنا العربي تتطلب تدخلاً تشريعياً يوازن بين حماية حرمة المتوفى وخصوصيته، وبين حفظ الحقوق المالية والمعنوية للورثة. وبناءً على ما تقدم، نخلص إلى التوصيات التالية:
المطالبة بتدخل تشريعي: تحديث القوانين المدنية أو إقرار قوانين خاصة بالأصول الرقمية تتبنى الفصل الواضح بين الأصول الرقمية ذات الطبيعة المالية والأصول الشخصية.
إدراج التركة الرقمية في الوصايا: نشر الوعي القانوني بضرورة كتابة وصايا رقمية واضحة تتضمن أسماء المستخدمين وكلمات المرور للأصول المالية، أو تحديد أشخاص يثق بهم المتوفى لإدارة أو إغلاق حساباته الشخصية.
إلزام الشركات الأجنبية باحترام الخصوصية المحلية: دفع التشريعات الإقليمية لفرض شروط توافقية على الشركات العالمية تلائم البيئة الشرعية والقانونية للمجتمعات العربية عند التعامل مع تركات مواطنيها الرقمية.
المصادر والمراجع:
1- د. خالد ممدوح إبراهيم، التوريث الرقمي: أحكام انتقال الأصول الرقمية وحسابات التواصل الاجتماعي بعد الوفاة، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، 2021.
2- د. محمد أمين الرومي، الملكية الفكرية والمعنوية في العصر الرقمي، دار الكتب القانونية، مصر، 2019.
3- وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته (الجزء العاشر – الأحوال الشخصية والتركات)، دار الفكر، دمشق.
“محكمة” – الخميس في 2026/7/16

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!