“مبادرة قطرية” في لبنان لم تبصر النور: كيف تمّ الاستحواذ الأميركي – السعودي؟/محمد عبيد
محمد عبيد*:
هنيئاً لحزب الله، فقد كان الحاضر الأكبر في الزيارة الرئاسية إلى واشنطن، دون أن يذهب، وهنيئاً لإسرائيل، فقد وجدت في هذه السلطة السياسية ضالّتها، بين مُكرِّسٍ لاحتلالها ومُبرِّرٍ لحروبها على لبنان بادّعاء «اعتداء» الفلسطينيين واللبنانيين عليها!
اليوم تمّ طرق باب واشنطن، وغداً ستُطرق أبواب الرياض وأنقرة ودمشق لتخليص لبنان من كل مكوّناته المُقاوِمة، ومعها تسقط مُحرّمات وطنية وتُقَدَّم تنازلات سيادية، بدلاً من إخراج العدو من لبنان. في حين أن طرق باب الحوار الوطني المسؤول والشفّاف مع قيادة حزب الله وبين جميع اللبنانيين كان كافياً لمعالجة أزمات لبنان المتراكمة منذ عقود، وليس موضوع سلاح المقاومة وحده، عندها فقط كان طبيعياً الاستفادة من علاقات لبنان وصداقاته الخارجية كما كانت المحاولة التي جرى العمل عليها مع القيادة القطرية، والتي تمّ إجهاضها في الغرف الإقليمية والدولية السوداء!.
ومع الاعتذار المُسبق من الإخوة المسؤولين في دولة قطر، فإنّي وجدت نفسي مضطراً إلى تبيان الحقائق الموثّقة رداً على حملات التجنّي السياسية والإعلامية التي طاولت قيادة حزب الله، بذريعة عدم تجاوبها مع كل المحاولات الداخلية والخارجية لصياغة رؤية وطنية جامعة حول سلاح المقاومة بما يكفل أحقية الدولة في امتلاك قرار الحرب والسلم، كذلك بهدف الإضاءة على أدوار إيجابية لدول خارجية وفي مقدّمها قطر في إطار تعزيز التفاهمات الداخلية اللبنانية حفاظاً على الاستقرار والسلم الأهلي.
كان من المفروض أن تكون قطر رافعة أساسية لإعادة تكوين السلطة في لبنان بدءاً من رئاسة الجمهورية مروراً بالحكومة وصولاً الى إعادة صياغة توازنات تشاركية داخلية تسمح بإطلاق مسار عمل الدولة، غير أن ما سبق الاستحقاق الرئاسي من تجاذبات حول الأدوار الإقليمية والدولية في لبنان وضع قطر في لحظة اختيار شخص الرئيس خارج دائرة قرار الاختيار ليتم حصره بين الطرفين السعودي والأميركي.
راهنت الدوحة على قبول جميع الأطراف اللبنانية بدورها ووقوفها إلى جانب اللبنانيين في أحلك الظروف، والتي تضمّنت زيارة الأمير الراحل حمد بن خليفة إلى الضاحية الجنوبية والجنوب عقب انتصار تموز 2006، وكانت إيذاناً بتبنّي قطر لمعظم مشروع إعادة الإعمار، قبل أن تقود الجهد الكبير لمعالجة تداعيات قرارات حكومة فؤاد السنيورة في 5 أيار من عام 2008، فاستضافت الأطراف كافة، وأنتجت «اتفاق الدوحة» الذي سمح بإعادة تشكيل السلطة بجميع مستوياتها، وتنظيم الخلاف بين السلطة وحزب الله حول مسألة سلاح المقاومة، من خلال «ربط نزاع» سرعان ما أُسقط سياسياً عبر ما سُمّي «إعلان بعبدا» وتباعاً إطلاق الرئيس الأسبق ميشال سليمان لشعار «المعادلة الخشبية»…
في هذه الجولة، خان الحظ بعض المسؤولين القطريين عن الملف اللبناني، فلم يلتقطوا إشارة انطلاق العمل على إخراج لبنان من حالة اللاسلطة مباشرة بعد سقوط النظام السوري السابق، فخرجت الدوحة من المعادلة ومعها من دول الخماسية المتبقّية: فرنسا ومصر ليقتصر أمر إدارة السلطة اللبنانية على الولايات المتحدة الأميركية والسعودية. تبع ذلك تواصل محدود بين الرئيس الوافد جوزاف عون وبعض المسؤولين القطريين، وعندها، تولّيت أنا، إدارة حوار حول ضرورة عدم إهمال الدور القطري والاستسلام للاستحواذ السعودي على مفاصل القرار في السلطة.
وقد سبقت محاولتي هذه، مساعٍ عبر صديق نافذ في الدوحة لإيجاد قناة تواصل مباشر، فكان الاتصال الأول مع الوزير القطري الدكتور محمد الخليفي في 20 كانون الثاني عام 2025، أي بعد أيام معدودة من وصول عون إلى سدّة الرئاسة. ثم تمّ ترتيب زيارة لوفد قطري إلى بيروت في 4 شباط من العام نفسه برئاسة رئيس الوزراء وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني والذي ضمّ الخليفي الذي التقيته في مكتب خاص في قصر بعبدا، وكانت البداية لإطلاق مسارين: الأول، العمل على صياغة مبادرة تتبنّاها قطر للدفع بالحوار بين الرئيس عون وقيادة حزب الله مُمثّلة بعضو مجلس شورى القرار فيه محمد رعد إلى خواتيم سعيدة. والثاني، وضع رؤية لمبادرات تنموية واستثمارية استراتيجية في لبنان تدعمها قطر.
وبناءً على هذا اللقاء قام الخليفي بدعوتي إلى زيارة الدوحة 3 مرات خلال العام الأول من العهد الرئاسي في الثامن من شهر آذار وفي الثامن والعشرين من شهر حزيران وفي التاسع عشر من شهر آب، حيث التقيته مع فريق عمله مرات عديدة إلى أن توصّلنا إلى صياغة ورقة أطلقنا عليها اسم «مُسوَّدة مبادرة قطرية لإنهاء التوتر بين الحكومة اللبنانية وحزب الله» في 27 آب عام 2025، بعدما بدأت علاقة الحزب مع رئيسَي الجمهورية والحكومة تأخذ منحىً سلبياً جداً إثر قراري الحكومة الشهيرين في 5 و7 آب من العام ذاته. وللأمانة الأدبية فقد بعث الرئيس عون برسالة على «الواتساب» إلى الشيخ محمد بن عبد الرحمن قبيل زيارتي الثانية إلى الدوحة يقدّمني فيها على أنني صديق له.
عندما وصلتني نسخة المُسوَّدة المُنقَّحة للمبادرة، بادرت إلى لقاء النائب رعد، الذي رحّب بالمبادرة، مبدياً حرصاً جدّياً على مناقشتها مع قيادة الحزب والعودة بجواب واضح وصريح. وما هي إلا أيام قليلة حتى وصلني في الثالث من أيلول هذا الجواب والذي كان فيه ثناء على كلّ بنود هذه المبادرة التي تضمّنت في ما تضمّنته:
1- إعلان تفاهم مشترك بين الطرفين يؤكّد على ما يأتي:
إن قرار الحرب والسلم هو من صلاحيات الدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية حصراً. وإن استخدام السلاح مرتبط حصراً بقرار سيادي يصدر عن مؤسسات الدولة الشرعية.
2 – تفاهم أولي حول طبيعة المرحلة الانتقالية، يهدف إلى وضع السلاح تحت إشراف الدولة.
3 – اتفاق على جدول زمني للمرحلة التالية، يتضمّن التزامات متبادلة وضمانات سياسية وأمنية.
المفارقة أن جواب الحزب كان متقدّماً على مضمون خطاب القسم في ما يتعلق بموضوع احتكار الدولة لحمل السلاح، فهو وافق على مبدأ حصرية استخدام السلاح بالدولة كذلك صلاحيتها الأُحادية باتخاذ قرار الحرب والسلم، على عكس ما دأبت بعض مواقع السلطة والماكينات الإعلامية والسياسية التي تروّج لها حول رفض الحزب لذلك كله.
كما أن الجواب أبقى النقاش مفتوحاً حول ما ورد في الفقرتين 2 و3، خصوصاً لجهة الضمانات الأمنية والسياسية التي ستوفّرها الدولة لقيادات الحزب وكوادره وبيئته بأكملها في ظل هذا المشهد السياسي والأمني المتفجّر الذي كان يلف لبنان والمنطقة كلها، وفي ظل وقائع خطيرة يتقدّمها استمرار العدوان الإسرائيلي بأشكال مختلفة بما يتناقض مع اتفاق 27 تشرين الثاني 2024، إضافة إلى عدم وضوح موقف السلطة السورية الجديدة من حزب الله وبيئته، ولذا تضمّنت المبادرة أيضاً ملاحظة حول استعداد قطر لتعزيز الجهود من أجل تحقيق الاستقرار بين لبنان وسوريا.
لكنّ الذي حصل، هو أنه تمّ دفن هذه المبادرة في أحد أدراج مكتب رئيس الجمهورية، خصوصاً عند تبنّي عون وحكومة نواف سلام ورقة توم برّاك «اللقيطة»، والتي تلطّت خلفها السلطة مجتمعة للتنصّل من أي مسعى لتعزيز الحوار مع حزب الله، والأخطر هو الانتقال من عنوان احتكار حمل السلاح بيد مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية وفقاً لخطاب القسم، إلى قرار نزع سلاح المقاومة ومحاصرة الحزب سياسياً وقانونياً.
على أيّ حال، أثبتت الكثير من الوقائع أن نوايا فريق السلطة كانت حاقدة ضد المقاومة، وحتى ضد كل الشيعة، انطلاقاً من رغبات إقليمية ودولية بتصفية حسابات قديمة تتعلّق بأدوار المقاومة الإسلامية منذ نشأتها الأولى في عام 1983وصولاً إلى موقفها التاريخي المُشرِّف نصرةً لفلسطين ولأهل غزة بالأخص. لذا بات واضحاً أن المبادرات الخارجية سواء أكانت قطرية أم غير قطرية لم تكن لتنجح في ثني رافعة السلطة الحالية الأميركية-السعودية عن بلوغ مبتغاها.
*سياسي، والمدير العام السابق لوزارة الإعلام. نشر هذا المقال اليوم السبت في جريدة “الأخبار”.
“محكمة” – السبت في 2026/7/25



