مقالات

طرقات لبنان… جمهورية الفوضى المتنقلة/أنطونيو الهاشم

انطونيو الهاشم ( نقيب المحامين في بيروت سابقًا):
إذا أردت أن تعرف مستوى حضارة أي شعب، فلا تنظر إلى أبراجه ولا إلى سياراته او ملابسه ، بل انزل إلى الطريق. هناك تُرفع الأقنعة، ويظهر الوجه الحقيقي للمجتمع.
وفي لبنان، يكفي أن تقود عشر دقائق لتدرك أننا لا نعيش أزمة سير، بل أزمة أخلاق وعدم احترام للقانون. فالطريق لم يعد مساحة لتنظيم حركة الناس، بل ساحة يتبارى فيها كل سائق لإثبات أنه أذكى من النظام.
الإشارة الحمراء أصبحت رأيًا، لا أمرًا بالتوقف. والتجاوز من اليسار، كما تعلمناه ، استُبدل بتجاوز من اليمين، ومن اليسار، وبين السيارات، وأحيانًا فوق الأرصفة. المهم أن يربح السائق ثواني قليلة، ولو كان الثمن حياته او حياة إنسان آخر.
أما الدراجات النارية (لبنانيين أو مقيمين) فقد تحولت في كثير من الأحيان إلى جمهورية داخل الجمهورية. مرخصة وغير مرخصة، بلوحات أو من دونها، تعكس السير، تتجاوز من اليمين، تقطع الإشارات الحمراء، وتتسلل بين السيارات بلا أي اعتبار لقواعد السلامة أو لحقوق الآخرين.
والمؤلم أن احترام القانون أصبح عند البعض مدعاة للسخرية، بينما تحولت المخالفة إلى دليل “شطارة”. وهكذا لم تعد الفوضى مجرد تصرف فردي، بل ثقافة تنتقل بالعدوى، حتى صار الالتزام استثناءً لا قاعدة.
ولا شك أن القوى الأمنية تبذل جهودًا وتؤدي واجبها في ظروف صعبة تستحق عليها كل التقدير. لكن حجم الفوضى أكبر من أن يُعالج بحاجز هنا أو حملة هناك. فالحل الحقيقي يبدأ قبل أن تصل الدراجة إلى الطريق.
لذلك، يجب ألا يُسمح لأي وكيل أو شركة أو معرض بتسليم أي دراجة نارية قبل تسجيلها رسميًا وتركيب لوحاتها، وأن يتحمل البائع المسؤولية القانونية إذا سلّمها خلافًا للقانون. فمعالجة المشكلة من مصدرها أكثر فاعلية من ملاحقتها بعد انتشارها في الشوارع، كما أنها تخفف العبء عن القوى الأمنية وتمنحها القدرة على التركيز على المخالفين الحقيقيين.
إن ما نشهده على طرقات لبنان ليس مجرد مخالفات سير، بل صورة مصغرة عن أزمة مجتمع. فحين يغيب احترام النظام في الشارع، يصعب أن يحضر في المؤسسات.
فالطرقات ليست مرآة لحركة السيارات فحسب، بل مرآة لحضارة الأمم. وما دام التفلت من القانون يُعتبر شطارة، فستبقى طرقاتنا تكتب كل يوم، بالحديد والدم، قصة وطن لم يدرك بعد أن النظام ليس ترفًا… بل شرطٌ أول للحياة.
وربما آن الأوان أن نعترف بالحقيقة المُرّة . لسنا بحاجة إلى شوارع جديدة بقدر حاجتنا إلى مواطن جديد. فالإسفلت لا يقطع الإشارة الحمراء، ولا الطريق تتجاوز من اليمين، ولا الرصيف يقود بعكس السير. المشكلة ليست في الطريق، بل في الإنسان. وحين نربي جيلاً يعتقد أن احترام القانون ضعف، وأن الوقاحة شطارة، فلن تنفعنا الجسور ولا الأنفاق، لأننا سنظل نبني طرقًا حديثة بعقليات تسير في الاتجاه المعاكس للدولة.
“محكمة” – الاربعاء في 2026/7/29

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!