مقالات

المواطن يتمنى…اما الحاكم فهو من يقرر/ناضر كسبار 

ناضر كسبار (نقيب المحامين في بيروت سابقاً):
في كتابي القضاة والمحامون: مواقف وطرائف (ص 11) أوردت ما سبق وكتبته مجلة الحواث في الثمانينات على لسان المفكر والكاتب عبدالله الحاج:
“…عندما انتخب المحامي ريمون إده عميداً للكتلة الوطنية كان كثير الحماسة والاهتمام والشكوى والنرفزة، فجاءه المرحوم عبدالله الحاج وقال: يا عميد كفى ركضاً ونرفزة..ان الشعب اللبناني لا يشعر بالمصيبة إلّا إذا أصابته هو شخصياً…
وروى عبدالله الحاج كيف أنّه عندما كان طفلاً شاهد عملية دمغ البقر بخاتم ملكية والده لها، إذ كانت البقر منهمكة في تناول علفها وهي واقفة في صفّ واحد إلى جانب بعضها البعض، وكان الشخص الذي يحمل الخاتم وهو ملتهب بالنار يغرزه في جلد البقرة التي تصرخ من الألم فيما تستمرّ جارتها إلى جانبها في التهام العلف وكأنّ ما جرى لا يعنيها وكأنّ النار لن تأتيها”!
نعم. لن نعود الى الحروب السابقة في لبنان، حيث كان الأهل والأصدقاء يمشون في جنازة شاب قتل في حرب الشوارع، وفي الشارع الملاصق يسهر الناس في المطاعم والمقاهي وكأنّ الدنيا بألف خير. كما أنّنا لن نثير ما يحصل حالياً من قتل وتهجير وتهديم المنازل والقرى في منطقة، والسهر والرقص والحفلات في مناطق أخرى. بل نثير مواضيع حياتية داخلية بعيداً عن الحروب. إذ ما ان تقترب نهاية الشهر وتبدأ فواتير المولّدات الكهربائية بالورود، حتى تقوم القيامة على شاشات التلفزة والاذاعات والصحف ومواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً إذا جاءت مرتفعة كالشهر الماضي. ولكن هل لاحظ الشعب اللبناني كيف همدت الأصوات وخفتت ولم يعد أحد يتكلّم. وبالعربي الدارج “انقطع حسّهم”. هذا ما يعتمد عليه أصحاب النفوذ الذين يملكون المولّدات الكهربائية، والذين للأسف قد يساهمون في عدم تأمين الكهرباء من قبل الدولة، كما تفعل جميع دول العالم. ولم نعد نتجرأ على قول عبارة حتى في مجاهل افريقيا، لأنّ رجال الأعمال أصدقائي هناك قالوا لي أنّ آخر بلدة في افريقيا فيها كهرباء وحتى في الغابات.
اما العبرة فهي الآتية: عندما يكون الانسان في موقع السلطة يكون هو المسؤول. والمسؤول غير المواطن العادي. المواطن يتمنّى. أما المسؤول فيقرّر. وحتّى يقرّر يجب أن يقوم بواجباته كاملة، وأن يعرف كيف يتصرّف، وكيف يستفيد من طاقات أبناء بلده ومن أفكارهم. فيخفّف مثلاً من عقد لقاءات غير مفيدة، منها مع رئيس حزب يضمّه وزوجته وأولاده، أو رؤساء بلديات أو رؤساء مصالح أو مسؤولين يأتون لطلب خدمة…الخ. بل على المسؤول الناجح الذي يودّ العمل في سبيل وطنه، أن يشرف (نعم يشرف ومن غير الضروري المشاركة شخصياً) على عقد اجتماعات من أصحاب الاختصاص والخبرة والحكمة وبُعْد النظر، والذين يتمتّعون بالأخلاق والبعد عن المصالح الشخصية، لدرس الملفات الداخلية المهمة ومنها مثلاً: ملف كيفية تطوير العمل في المرافق العامة مثل المطارات والمواني والأملاك البحرية والبرية وغيرها وغيرها تمهيداً لاستثمارها وجني الدولة الأرباح منها. كذلك درس ملفّ أموال المودعين والكهرباء والسدود وجلب الاستثمارات المختلفة، ووقف الهدر والرشى والسرقات.
قلت ولا أزال أقول إنّ الحكم في لبنان أصعب من حكم الصين، وأسهل من حكم سويسرا. المهمّ النيّة والإرادة في العمل.
“محكمة” – الاربعاء في 2026/9/30

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!