العدالة لا تكتمل إلا بالأحكام.. وحكم ملف انفجار التليل أوّل الغيث/شربل عرب
المحامي شربل كميل عرب:
بعد سنوات من الانتظار، قال المجلس العدلي كلمته في قضية انفجار التليل، فأصدر حكماً قضى بإدانة عدد من المتهمين وإنزال عقوبات مشددة بحقهم. فحكم على المتهم جرجي إلياس إبراهيم بالأشغال الشاقة المؤبدة، مع إدغام العقوبات واستبدال إحدى العقوبات بالأشغال الشاقة المؤقتة لمدة عشرين سنة وفقاً لما قضى به منطوق الحكم، كما حكم على المتهم ريتشارد جورج إبراهيم بالأشغال الشاقة المؤقتة لمدة خمس عشرة سنة، إلى جانب أحكام أخرى بالحبس والغرامات في جرائم الاحتكار والتهرب الضريبي وتبييض الأموال، فضلاً عن إلزام المحكوم عليهم بالتعويضات المدنية للمتضررين.
وبصرف النظر عن المواقف من مضمون الحكم أو شدته، فإنّ صدوره بحدّ ذاته يشكّل انتصاراً لمبدأ لا غنى عنه في قيام الدولة، وهو أن العدالة لا تتحقق بالتصريحات ولا بالوعود، بل بالأحكام القضائية.
لقد أعاد هذا الحكم التأكيد على حقيقة طالما آمن بها رجال القانون، وهي أن القضاء، متى تُرك يعمل بحرية واستقلال، يبقى الملاذ الأخير للمواطنين، وأن الحقيقة القضائية لا تُبنى على الانفعالات أو الحملات الإعلامية، بل على الأدلة، والمرافعات، والقانون.
قد يختلف الناس مع مضمون حكم، وقد يؤيدونه أو ينتقدونه، وهذا حق مشروع في إطار النقاش القانوني الموضوعي. أما التشكيك المسبق بالقضاء أو ربط كل حكم باعتبارات سياسية، فهو مسار يهدد الثقة بالمؤسسات ويجعل الحقيقة أسيرة الانطباعات لا الوقائع.
إنّ استقلال القضاء لا يُقاس بالأقوال، بل بقدرته على إصدار أحكامه بحرية، دون خوف أو ضغط أو تدخل، وباستعداده لإدانة من تثبت مسؤوليته وتبرئة من لا يثبت بحقه جرم. فالعدالة ليست انتقاماً، كما أنها ليست حماية لأحد، وإنما هي التطبيق الأمين للقانون على الجميع دون استثناء.
إنّ حكم التليل يجب أن يشكل رسالة واضحة بأن الملفات الوطنية الكبرى لا يجوز أن تبقى رهينة الانتظار أو التجاذبات. فحق الضحايا وذويهم، كما حق المتهمين، يقتضي أن تنتهي الدعاوى بأحكام معللة، لأن العدالة المؤجلة كثيراً ما تتحول إلى عدالة منقوصة.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم هو استكمال مسار العدالة في جميع القضايا العالقة أمام القضاء اللبناني، أياً كانت حساسيتها أو هوية أطرافها. فالقاضي لا يحكم وفق الرأي العام، ولا وفق موازين القوى، بل وفق الوقائع والأدلة والقانون. وهذا هو جوهر دولة المؤسسات.
وفي طليعة هذه القضايا، تقف قضية انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب، والتي لا يزال اللبنانيون وذوو الضحايا والرأي العام ينتظرون أن تبلغ خواتيمها القضائية. إن حق اللبنانيين ليس في حكم يدين هذا أو يبرئ ذاك سلفاً، وإنما في أن يصدر الحكم بعد استكمال التحقيق والمحاكمة، وأن يكون ثمرة اقتناع قضائي حر، بعيداً عن أي ضغط سياسي أو إعلامي أو شعبي. فالقاضي لا يستمد شرعيته من إرضاء أحد، بل من استقلاله وخضوعه للقانون وحده.
لقد أثبت المجلس العدلي في قضية التليل أن القضاء اللبناني قادر، عندما تتوافر له الظروف اللازمة، على الوصول إلى خواتيم قضائية في أكثر الملفات تعقيداً. ومن هنا، فإن الأمل ينعقد على أن يشكل هذا الحكم دافعاً لاستكمال العدالة في كل القضايا الوطنية، وفي مقدمها قضية الرابع من آب، لأن تعطيل العدالة لا يقل خطورة عن إنكارها، وتأخير الأحكام لا يبدد معاناة الضحايا فحسب، بل يضعف ثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها.
إنّ الدولة القوية ليست تلك التي تخلو من المآسي، بل تلك التي يمتلك قضاؤها الشجاعة ليقول كلمته الأخيرة مهما كانت القضية حساسة، ومهما اشتدت الضغوط. فالتردّد يهزّ ثقة الناس، أما الحكم القضائي، متى صدر وفق القانون، فإنه يكرس الحقيقة القضائية، ويؤسس للمحاسبة، ويعيد الاعتبار لدولة القانون.
لقد آن الأوان لأن يلتف الجميع حول مبدأ واحد لا يختلف عليه اثنان: حماية استقلال القضاء. فاستقلال القضاء ليس امتيازاً للقضاة، بل هو حق للمجتمع بأسره، وضمانة لكل مظلوم، وحصن لكل بريء، ووسيلة لمحاسبة كل من تثبت مسؤوليته.
فلنترك القضاء يحكم. ولنوفر له الحماية لا الوصاية، والاستقلال لا التدخل، والثقة لا التشكيك. فالأمم لا تُبنى بالأحكام التي ترضي الجميع، وإنما بقضاء مستقل يطبق القانون على الجميع. وإذا كان حكم التليل قد أثبت أن العدالة قادرة على الوصول إلى نهايتها، فإن اللبنانيين ينتظرون أن تمتد هذه الرسالة إلى كل الملفات الوطنية، وفي مقدمتها قضية انفجار مرفأ بيروت، حتى تصدر الأحكام باسم الشعب اللبناني، وتُطوى صفحات الانتظار الطويل، لأن العدالة التي تُنجز هي وحدها التي تعيد الثقة بالدولة، وترسخ سيادة القانون، وتكرّس أن لا أحد فوق العدالة.
“محكمة” – الجمعة في 2026/7/31



